لا بيضة قبان ولا يحزنون!

هآرتس- سليم بريك
ترجمة حضارات
لا بيضة قبان ولا يحزنون!

قرّر ممثلو الحركة الإسلامية قبيل الانتخابات الأخيرة، تفكيك القائمة المشتركة، التي حقّقت إنجازا تاريخيا بكلّ المقاييس عقب حصولها على 15 مقعدا. 

كانت الخلافات المبدئية والعقائدية السبب الرئيسي وراء فضّ هذه الشراكة، فلن يستطيع حزب يتبنى قِيما دينيّة مواصلة شراكته السياسية مع حزب علماني ينادي بالمساواة بل ويدعم المثليين، كالجبهة مثلا.

وافقت القائمة الموحدة التابعة للحركة الإسلاميّة والتي تربطها شراكة شكليّة ببقايا الحزب الديمقراطي العربيّ التاريخيّ على لعب دور "بيضة القبّان" في خضم مساعي تشكيل الحكومة المستقبلية، بدلا من البقاء على دكة الاحتياط خلال اللعبة السياسية بحسب ادعاء قادة الحزب.

قد يشكل هذا الموقف نظريا على الأقلّ، ورقة مفاوضات رابحة بامكانها تحقيق مكاسب هامّة، ضرورية بل ومطلوبة للأقلية العربيّة في "إسرائيل". 

لكن يبدو أنّ الأمر بعيد المنال في الواقع، وإن دلّ هذا الموقف على شيء، فإنّه يدلّ حقيقة على فهم سطحي وقلّة خبرة باللعبة السياسية ومقوّماتها الأساسيّة. 

اعتبرت وسائل الإعلام، وبدعم من صحفيين موالين لنتنياهو، القائمة الموحدة ظاهرة استثنائيّة الأمر الذي أكسبها حضورا إعلاميا لافتا فاق التوقعات.

لا أسعى من خلال مقالي هذا إلى نقاش رؤية الحركة الإسلامية الدينية  العقائدية، التي ترسخّ اللامساواة بين الجنسين، ناهيك عن المثليين التي ترى فيهم الحركة الشرّ بعينه. وعليه، فليس غريبا عليها اللجوء للأحزاب الدينية اليهودية كحزب شاس مرورا بحزب يهودوت هتوارة وانتهاء بالصهيوينة الدينية بقيادة سموتريتش.

بل أسعى من خلال هذه السطور، إلى تسليط الضوء على السذاجة السياسية المقلقة والمتمثلة بتوهم حزب عربي أن بمقدوره لعبَ دور الوسيط بين أحزاب معسكر الوسط – المركز التي تحمل مواقفا ايجابية تجاه الأقلية العربية، وبين الأحزاب الرجعية العنصرية التي تحمل مواقفا سلبية وعنصرية تجاه الأقلية العربية كالأحزاب الحريدية والأحزاب الدينيّة، أمثال بن جفير وأتباع الراب كهانا. 

هل يستطيع نائب عربيّ لعبَ هذا الدور بل والانضمام للحزب الذي يقدّم له أكثر؟ أفقدتِ الحلبة السياسية قِيمها، وبالتالي انحصرت اللعبة السياسية بالمساومات التي تهدف للحصول على فتات الميزانيات وعلى وعود لن تتحقق!

تعاني الحركة الإسلامية، بتركيبتها وقيادتها السياسة الحالية من ظاهرتين مقلقتين، طبعا هذا في حال تجاهلنا سذاجتها السياسة التي ترى بنتنياهو شريكا شرعيا.

الظاهرة الأولى، هي ظاهرة الاقتناع والثقة التامة بالامساك بزمام الأمور بل والتلاعب بباقي الأطراف. نطلق على هؤلاء الأشخاص باللغة العربية لقب "الفهلويّين"، وهو مصطلح يصف الواثقين بفوزهم وربحهم دائما تحت أي ظرف.

لكن، يكفي أولا مراجعة أداء اللجنة البرلمانية لتقصّي ظاهرة العنف والجريمة خلال دورة الكنيست الأخيرة، لنعي أن هذا التوجه مغلوط حيث سجّلت هذه اللجنة إنجازات هامشية بكلّ المقاييس. 

أما الظاهرة الثانية فتدعى "الهرب للأمام" وتهدف إلى تبرير الأفعال والقرارات الخاطئة، ويحدث ذلك عندما تفتقر الوعود المطروحة لمصداقيتها وواقعيتها. حيث، يبدأ هذا الطرف بتسويغ أفعاله، اقناع نفسه أنه على صواب بل وأنّه لا محالة سيحقّق أهدافه رغم من أن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماما. 

كان أكبر مثال على ذلك، فشل الشراكة الساعية لمنع المواجهات الحاصلة في القدس مع الليكود وبدعم من وزير الأمن الداخلي وفشل تغيير سياسة الشرطة تجاه تعاملها مع ظاهرة الجريمة في المجتمع العربيّ رغم القتل المزدوج في دير الأسد. 

تحالفت القائمة الموحدة مع اليمين ومنعت بذلك معسكر التغيير من السيطرة على الكنيست. لكن، ورغم ضرورة هذه الخطوة في ظلّ الظروف الراهنة، إلا أنها كانت خطوة خاطئة جدا دلت على تقدير خاطئ وخطير للأمور من قبل قادة هذا الحزب. فالديموقراطية في "إسرائيل" نصفية، بل وتقوم على إقصاء للأقليات وعلى أجهزة حكومية عنصرية وقضائية معطوبة.

كانت التمثيلة التي قدمها نتنياهو خلال جلسة الحكومة الأسبوع الماضي، بمثابة إنذارا لكافة مواطني الدولة يهودا وعربا من مغبة انهيار هذه الأجهزة. حيث تمثل هذا الإنذار بمحاولات نتنياهو المسّ بسلطة القانون وتحدّي مستشار الحكومة القضائي وتعيين وزير قضاء شكليّ يتلاعب به حين يشاء.

وعليه فإن ضمان حقوق الأقلية في ظلّ هذا الواقع الراهن، سيحصل فقط من خلال الدفاع والحفاظ على ما تبقى من الديموقراطية ومن مؤسسات الحكم التي لا تزال تقوم بدورها مدافعة عن الأقليات. 

وعليه، يجب أن يحتل الحفاظ على بقايا النظام الديمقراطي رأس سلم أولويات الأقليات كلها من أجل وقف ظلم وإجحاف الأغلبية. ومَنْ أدرى مِن الأقلية العربية بظلم الأغلبية؟ فقانون القوميّة وكامينتس أكبر وأخطر دليلان على ذلك.

قد يعود انضمام الحركة الإسلامية للقوى الدينية-القوميّة اليهودية، بضرر طويل الأمد على المواطنين العرب في "إسرائيل"، بل وقد تهدّد


هذه الخطوة مكانتهم وحقوقهم. حتى وإن حققت الموحدة إنجازات ضئيلة كالحصول على بعض الميزانيات المحدودة وغيرها، سيفوق هذا الضرر المنفعة بكل الأحوال.

لم تعدّ السذاجة السياسية ظاهرة جديدة، بل على العكس تماما فهي ظاهرة مألوفة جدا.

 ما قد تفعله الأغلبية المتسلطة، قد يكون كارثيا بالنسبة لأقلية تعاني من الإقصاء والعنصرية كالأقلية العربية الفلسطينية في "إسرائيل". 
لكن، لم يفتِ الوقت بعد، فباستطاعة الموحدة إعادة النظر في هذا الواقع وتبني رؤية مغايرة.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020