لا...لن ينتفض الفلسطينيون

هآرتس - عميرة هيس

لا...لن ينتفض الفلسطينيون 

تمنح "إسرائيل" الفلسطينيين كل يوم عشرات الأسباب للانتفاض والثورة، ولكن ذلك لا يحدث. 

كان إطلاق النار على بعض طلاب المدرسة الدينية عند مفترق زعترة، أكبر دليل على ذلك، فقد تمت هذه العملية ككل عملية إطلاق نار فردية في إطار منظمة فلسطينية ما، لكنها كانت اعترافا باستحالة اندلاع انتفاضة شعبية وذلك لانعدام أية جاهزية وتأهب لذلك. 

بحيث لم تتبلور وحتى اللحظة المعرفة والرؤية الكافية لتطويرها في ظروف مختلفة عن تلك التي سادت عشية انتفاضة عام 1987. 

تدل عمليات إطلاق النار هذه بشكل لا يدعو للشك، أنّ توحيد هذا الشعب الذي نجحت "إسرائيل" بتمزيقه وتمزيق وحدته السياسية ستكون مهمة صعبة للغاية، بالذات في ظل استهزاء قيادته غير المُنتخبة من حقه بالتعبير عن رأيه في صناديق الاقتراع.

تتراكم الأسباب التي تستدعي اندلاع انتفاضة فلسطينية بل وتتردد على كل لسان- تارة بصدقٍ وتارة ببعض الزيف، ولكنها تؤكّد دومًا أنّ هذه المعجزة لن تحدث قريبا. 

فهذا الجزء من الشعب الفلسطيني، الذي يعيش بين رفح وجنين، وصولًا إلى القدس الشرقية، قابع تحت حكم عسكري شرطوي قمعي، يمنحه كل أسباب الثورة الممكنة، لكنه لا يثور!

فقد تنبأت الجهات الاستخباراتية الإسرائيلية والقادة العسكريين السابقين الذين تحولوا إلى محللين "موضوعيين" منذ الأسبوع الماضي بأنّ المستقبل القريب يبشر بعمليات "تخريبية" فردية ومواجهات؛ وذلك بسبب شهر رمضان وتأجيل الانتخابات! وبالفعل، فقد أثبتت واقعة يوم الجمعة، والسيدة الستينية والسكين يوم الأحد— والتي يبدو أنّها سئمت الحياة ونفذت عملية انتحارية وسط جنود إسرائيليين ( ونُعتت "بالمخرّبة" بلغة الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي) صدق نبوءتهم.

 تستند قدرة التنبؤ هذه إلى الظروف الفلسطينية الداخلية وعلى سايكولوجيا المؤامرة وتشمل الصوم، توترات المنظمات الفلسطينية الداخلية، الأوامر القادمة من غزة أو من إيران. 

لا يراعي هؤلاء العسكريون الأسباب اليومية التي خلقها الإحتلال ودعمتها مناصبهم الرفيعة وخدمتهم في المناطق المحتلة. وإن لم يكن هذا كافيا، يسألهم المحاورون، أهناك انتفاضة ثالثة بالأفق؟


علينا الإعتراف أن الفلسطينيين اليوم بعيدون كل البعد عن أي انتفاضة شعبية. فها هم يمتدحون شبيبة مدرّج باب العامود الذين تصدوا لجنود حرس الحدود، وما زالت تصدمهم أنباء اعتداءات المستوطنين الذين يهاجمون الرعاة. لكنهم يعودون كل يوم وكالمعتاد للجيوب التي خلقتها "إسرائيل" لهم بعناية على مدار 30 عامًا.

كما هو متوقع، أشادت منظمات فلسطينية مختلفة بعملية إطلاق النار التي ارتكبها مجهولون ظهيرة يوم الأحد؛ حيث تكررت وكالعادة عبارات كعملية بطولية ورد فعل حتمي على جرائم الاحتلال وغيرها. 

كانت كلها عبارات نسختها هذه المنظمات من تصريحات سابقة تطرقت لعمليات إطلاق نار سابقة ارتكبها فلسطينينون ضد إسرائيليين، فالتشكيك بضرورة ومنطقية عمليات إطلاق النار هذه أو التساؤل فيها محظور كليا!

حتى وإن طفت على السطح تساؤلات، فهي لا تُطرح علنًا فالأمر مُحرج للغاية. مع ذلك، فقد قرر بعض الشبان الفلسطينيين التضحية بحريتهم، وربما بحياتهم أيضًا، بل وهناك عائلات، قرى ومخيمات ستدخل دائرة الانتقام الإسرائيلية على يد مستوطنين ممن سيعيثون خرابًا في حقولهم وكرومهم (كما حدث في قرية جالود مساء يوم الأحد) أو على يد الجنود الذين سيقتحمون منازلهم، يعتقلونهم أو يهدمون منازلهم ولا نستثني طبعا محققي جهاز المخابرات الذين سيسعدون بتعذيب أسرى جدد دائما. 

وعليه سيبقى هذا الواقع المؤسف كما هو، وسيستمر نسخ ولصق التهاني والتبريكات بعد كل عملية إطلاق نار، ليؤكد من جديد على غياب تخطيط سياسي مؤسساتي لنضال شعبي طويل الأمد، يوحد تحت مظلته كل الشعب الفلسطيني لهذه المعركة التي تتطلب قيادة سياسية حكيمة.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020