حارس الاسوار: انتصار تكتيكي وخسارة استراتيجية

مركز بيغين - السادات للدراسات الاستراتيجية - جامعة بار إيلان
د. دورون ماتزا
25 مايو 2021
ترجمة حضارات
حارس الاسوار: انتصار تكتيكي وخسارة استراتيجية

بعد عشرة أيام من القتال، انتهت الحرب الرابعة بين حمــاس وإسرائيل منذ سيطرة المنظمة الإسلامية على قطاع غزة عام 2007. 

مثل سابقاتها، انتهت الحرب دون قرار واضح، لكن الانطباع أن الصدام الحالي كان مختلفًا تمامًا عن جولات القتال السابقة من حيث اللغات المختلفة وطرق تفكير حمـاس و"إسرائيل" التي تعكس الفكر فكرًا الأيديولوجي والمفاهيمي. 

بينما اتسم التفكير الإسرائيلي طوال القتال بالمنطق التكتيكي الكمي، كان تفكير حمـــاس استراتيجيًا نوعيًا. وقد انعكس هذا بشكل جيد في الجدل الداخلي الإسرائيلي الذي ركز على الإنجازات الكمية للقتال مثل عدد الأهداف التي تم استهدافها وعدد عناصر حمــاس الذين قتلوا، وعدد الصواريخ التي تم إطلاقها أو تدميرها، وعدد الأنفاق المدمرة، ومدى الأبراج الشاهقة التي دمرها سلاح الجو وما شابه ذلك. من وجهة النظر هذه، فإن طبيعة القتال، أي حملة جوية غير مباشرة، أعطت شرعية وزادت من ترسيخ الفكر الإسرائيلي في محاولة لتحقيق أكبر عدد ممكن من الإنجازات بمعنى الضرب " الأهداف ".

في هذا الصدد، قام الجيش الإسرائيلي بعمل جيد، وتمت الحملة بشكل جيد بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام، في حين تمكّن حتى المستوى السياسي المتضارب سياسيًا من الحفاظ على الانسجام والتعاون المبارك. 

لقد عانت حمــاس بلا شك من أضرار جانبية جسيمة في الجانب العسكري، لكن المنطق التكتيكي الكمي لم يفشل "إسرائيل" فقط في تحقيق نتيجة عسكرية مطلقة لا يمكن تفسيرها، بل أن حــماس نفذت الحملة بمنطق مختلف تمامًا ركز على أهداف استراتيجية منهجية.

من وجهة النظر هذه، كانت حمــ اس أكثر نجاحا مما كان متوقعا. لم تكتف بالحملة بإطلاق الصواريخ على القدس في يوم العيد، وبالتالي فاجأت "إسرائيل" (كما اعترف بعض كبار أعضاء المؤسسة الدفاعية)، ولكنها نجحت أيضًا في إحداث تموجات وتأثيرات للحرب خارج قطاع غزة. كانت الصدوع التي اندلعت في العلاقات اليهودية العربية في "إسرائيل" والمواجهات في المدن المختلطة إلى جانب التوترات في الضفة الغربية آثارًا جانبية للحرب في قطاع غزة، وفي الواقع تمكنت حمــاس من توحيد النظام الفلسطيني بأكمله (في غزة والضفة الغربية) في عرض موحد "للإرهاب" والعنف، ومن المنطق الرئيسي في السياسة الإسرائيلية يقوم على دق إسفين بين أجزاء من النظام الفلسطيني من أجل إضعافه.

أبعد من ذلك، أدارت حمــاس الحملة من منظور إقليمي ودولي شامل، إن وضع القدس كمحور رمزي للحملة، على عكس جولات القتال السابقة التي وضعت قضية "الحصار" على غزة في قلب القتال وأهدافه، سمحت له برئاسة معسكر المقــاومة الإقليمي، بما في ذلك، على حساب حـزب الله، الذي أُجبر خلال الأسبوع الماضي على ابتلاع عناصر فلسطينية "متمردة" من الأراضي اللبنانية تجاه "إسرائيل"، خطوة يمكن أن تتطور كنمط عمل دائم ضد "إسرائيل".

في الحملة الأخيرة، حددت حمـــاس جدول الأعمال في الشرق الأوسط عندما لم تعد الحملة في غزة "جولة قتال" محلية بينها وبين "إسرائيل"، بل كانت تعبيرًا أو حجر زاوية لحملة إستراتيجية واسعة النطاق في الشرق الأوسط. بين مدرستين أيديولوجيتين تمثلان المعسكرات الإقليمية: مدرسة "العقول" الاقتصادية البراغماتية، والتي نصبت "إسرائيل" نفسها كهيئة رائدة لها إلى جانب الدول الغنية والعادية للمجازفة في المنطقة.

إنها مدرسة ركزت على سياسة تركز على دفع أجندة اقتصادية وكانت وراء الاتفاقيات الإبراهيمية وكذلك وراء ظاهرة منصور عباس، وقد حددت في الواقع "صفقة القرن" لإدارة ترامب.

تركز مدرسة "أهل القلوب" في "معسكر المقــاومة" على سياسات الهوية القديمة القائمة على الترويج للرؤى المثالية والطوباوية التي تعطي الأولوية للمستقبل على الحياة في الوقت الحاضر.

في العقد الماضي، اكتسبت المدرسة البراغماتية ميزة واضحة في المنطقة التي ترعاها الولايات المتحدة، ويبدو أن الحملة في غزة واجهت تحديًا بثلاثة عوامل: تغيير الإدارة في الولايات المتحدة، وتغيير الرئيس بايدن وحكومته التقدمية سياسات سلفه؛ ضعف النظام السياسي في "إسرائيل" وخاصة ضعف نتنياهو الذي يُنظر إليه على أنه محور استراتيجي مركزي ورادع. وتقييم عناصر المقــاومة بضعف الغرب (بما في ذلك "إسرائيل") على خلفية صعوبات الأداء الداخلي لديهم طوال أزمة كورونا.

في حين اتسم العقد الماضي باستقرار أمني نسبي في المنطقة، وضعف عناصر المقــاومة، وانحسار القضية الفلسطينية، جاءت الحملة في قطاع غزة لعكس هذا الواقع وجرّ كل سياسيي الهوية: أولئك الموجودون في قطاع غزة، بين عرب "إسرائيل" وفلسطينيين في الضفة الغربية.

تحولت الحملة في قطاع غزة إلى صدام تكتيكي آخر بين الجانبين إلى صدام استراتيجي بين المدارس والتوجهات ووجهات النظر العالمية والمعسكرات المختلفة.
في هذا الصدد، كانت لـ "إسرائيل" فرصة استثنائية لتحويل غزة وحمــاس إلى نوع من الدروس الإقليمية والدولية من أجل استعادة نقطة التوازن السابقة للنظام وإعادة تأسيس الأجندة الاقتصادية البراغماتية.

للقيام بذلك، يتعين عليها تغيير استراتيجيتها تجاه غزة وتحديد أغراض عملياتية مختلفة ستؤدي إلى حملة تنتهي بانهيار كامل لقواعد القوة العسكرية لحمــاس.

يجب أن يتخلى هذا بالطبع عن الممارسة المألوفة للحملة الجوية لصالح حملة تجمع بين المناورات الجوية والبرية.

ولكن يبدو أن الفجوة اللغوية بين المقاربة التكتيكية الكمية ونهج حمــاس الاستراتيجي النوعي تعكس الصعوبة الإسرائيلية في فهم الطبيعة الفريدة وأهمية الحملة الحالية في قطاع غزة فيما يتعلق بسابقاتها والسياق الواسع الذي تعمل فيها.

ونتيجة لذلك، واصلت "إسرائيل" استخدام نفس المنطق العملياتي العسكري الذي كانت تمارسه في الجولات السابقة واعتبرت القتال من جولات القتال المزمنة الأخرى التي تخوضها ضد منظمة غزة.

في ظل هذه الظروف، أنهت العملية بإنجاز تكتيكي مثير للإعجاب ولكن بدون استراتيجية كبيرة تذكرنا بالإنجاز الكمي الأمريكي في مواجهة الخسارة الأمريكية الاستراتيجية في حرب فيتنام (1959-1975). هذا له آثار واضحة على سياسات الشرق الأوسط في كل مستوى يمكن تصوره تقريبًا.

. لقد نصبت حمــ اس نفسها كلاعب استراتيجي مهم يتجاوز الساحة الفلسطينية من خلال النجاح في تقويض وتكسير النموذج الاقتصادي البراغماتي لـ "صفقة القرن"، ودق إسفينًا بين اليهود والعرب في "إسرائيل"، وإعطاء "الإرهابيين" الإقليميين أسبابًا وجيهة لمواصلة تحدي "إسرائيل" 
هذه ليست بشرى سارة لـ "رجال العقول" وبالنسبة للسبعين لاعبًا وكائنًا للحياة في الشرق الأوسط، فإن أي تصحيح في المسار الناشئ يتطلب أولاً وقبل كل شيء استيعابًا معرفيًا للمعنى الحقيقي للحرب الأخيرة، ناهيك عن نتائجها الحقيقية.



جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020