الساحة الفلسطينية بعد "حارس الأسوار" ما كان ليس ما سيكون

معهد دراسات الامن القومي
يوحنان تسوريف في 27 مايو 2021

​​​​​​​ترجمة حضارات
الساحة الفلسطينية بعد "حارس الأسوار" ما كان ليس ما سيكون

انتهت عملية حارس الاسوار بعد 11 يومًا من القتال في وقف إطلاق النار الذي أعلنته مصر وقبلته "إسرائيل" وحمـــاس. 

كما في الماضي وعلى الرغم من الثغرات الكبيرة من حيث الخسائر في الأرواح والأذى المادي "لإسرائيل"، تمكنت حمــ اس من تقديم صورة النصر. لكن يبدو هذه المرة أن هذا الشعور يتجاوز حدود قطاع غزة ويغطي جميع الفلسطينيين في الضفة الغربية و"الأراضي الإسرائيلية" والشتات الفلسطيني. تكتسب حمــ اس التعاطف بين العديد من الجماهير في الشرق الأوسط وحتى على الساحة الدولية. 

إن الصورة الفلسطينية الداخلية التي بدأت في الظهور في أعقابها تشير إلى تغيير في ميزان القوى الذي يقود الساحة الفلسطينية، ورغبة الجمهور الفلسطيني في دعم استراتيجية حمـــ اس في هذه العملية، المتمثلة في رسم خطوط حمراء عندما يتعلق الأمر بالأقصى وتنفيذها. قد تكون هذه بداية لعملية تؤدي إلى اتخاذ حمــ اس القرار، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في النماذج والخطط والأفكار المطروحة على جدول الأعمال حتى الآن فيما يتعلق بالساحة الفلسطينية وقيادتها.

بعد بضعة أشهر من دخول إدارة ترامب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني (يناير) 2017، وكدرس من حرب عام 2014، والتي خرجت منها بلا أسنان وبدون إحساس بالنصر، تبنت حمــ اس استراتيجية مصالحة تهدف إلى الاندماج في الحكومة واتخاذ القرار. في أكتوبر / تشرين الأول 2017، عرضت المنظمة حتى تسليم السيطرة المدنية الكاملة على قطاع غزة إلى السلطة الفلسطينية، وهي خطوة كانت ترفضها حتى ذلك الحين. في مقابلة شاملة مع قناة الجزيرة في مايو 2018، صادق يحيى السنوار رسميًا على هذه السياسة، لكن هذه الإجراءات لم توحدهم أو تجمعهم، بل زاد الضعف الفلسطيني. وللمفارقة، الضربات الشديدة التي وجهتها إدارة الرئيس ترامب للفلسطينيين، عندما حاول فرض خطة سياسية رغم علمه بعدم قبولها، واتفاقات التطبيع الموقعة تحت الضغط مع "إسرائيل" وضم الضفة الغربية التهديد الذي تشكله "إسرائيل" في النهاية من ولايته. كل ذلك أدى إلى تقارب غير مسبوق بين كافة الفصائل الفلسطينية.



أدى هذا التقارب إلى مناقشات مطولة بعد الموافقة على إجراء الانتخابات. رأت حمــ اس أن انتخابات المجلس التشريعي جزء أساسي من استراتيجية الشراكة، بل ووافقت على إجرائها منفصلة عن انتخابات المؤسسات الأخرى، مما جعل من الصعب على أبو مازن المثابرة على رفض إجراء الانتخابات، وأصدر مرسومه الرئاسي الذي فتح حملة مشبعة بالأمل في التغيير، لكن منذ 30 نيسان ألغى أبو مازن خطة إجراء الانتخابات، وعادت حمــاس إلى الطريقة القديمة في تنفيذ الاستراتيجية بالقوة. واستخدم التنظيم الاحتكاك في المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، الذي غذته عناصر مختلفة، بما في ذلك الحركة الإسلامية الشمالية في "إسرائيل"، كوقود أشعلت النيران.

في سياق الصراع، يبدو أنه من منظور الوعي، وهو أهم شيء في نظر حمــ اس، وفي نظر كل من يرى في "الاقتران" كاستراتيجية صراع، حققت المنظمة نجاحا هائلا في الخطاب المتطور في الساحة الفلسطينية وفي معظم الفضاء العربي، يتم الإشادة بحمــاس وتمجيدها. من ناحية أخرى، يتم تصوير أبو مازن على أنه شخصية سخيفة لا صلة لها بالموضوع وصلت إلى نهاية طريقها. لقد أوضحت حمــاس في الواقع لمحبيها أنه من الممكن - على الرغم من عدم التناسق في المعنى العسكري - إجبار الطرف المقابل على الاعتراف بأهميتها.

كما حظيت المنظمة بالتشجيع من الانتقادات الموجهة "لإسرائيل" بسبب التدمير والقتل الذي حدث في جميع أنحاء القطاع خلال "حارس الاسوار" في الساحة الدولية، بما في ذلك من قبل عدد من المشرعين الديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي، وكذلك من قبل العديد من المظاهرات المناهضة "لإسرائيل" في المدن الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا.

بالنسبة لحمــاس، هذا دليل على صدع في دعم "إسرائيل"، والذي بدا لسنوات غير مشروط. في صفوف الاتحاد الأوروبي، هناك دعوات لإجراء محادثات مع حمــ اس من خلال طرف ثالث، جوزيف بوريل، المسؤول عن ملف الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، يرى في العملية السياسية الإسرائيلية الفلسطينية كشرط لإعادة إعمار غزة، والرئيس بايدن يريد التحدث مع عناصر معتدلة في الساحة الفلسطينية ملتزمة بإعادة إعمار قطاع غزة. 

تشير هذه التطورات إلى تعزيز مكانة القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية، بعد أن وصفتها إدارة ترامب بـ "عظم في حلق العرب"، على خلفية توجه الاندماج الإسرائيلي في الشرق الأوسط واندماج الفلسطينيين المواطنين في الفضاء المدني الإسرائيلي.

الدمار الشامل الذي لحق بقطاع غزة من جراء قصف سلاح الجو الإسرائيلي تقدمه حمـــاس أيضا على أنه أمر تافه، تم إلغاؤه في الستينيات أمام الإنجاز الكبير للوعي. سكان قطاع غزة، الذين وجهوا أصابع الاتهام في

الصراع السابق إلى حمــاس، يمتنعون الآن عن القيام بذلك. روح الانتصار تحكم وترفض في الوقت الحاضر أي تعبير عن النقد.
حقيقة أن عدد القتلى منخفض نسبيًا يستخدمه قادة حمـــ اس أيضًا كدليل على التحسن في أدائهم العسكري. وعلى الرغم من أنهم لا يعزون هذه الحقيقة إلى الاحتياطات التي اتخذها سلاح الجو الإسرائيلي، إلا أنهم يذكرون في كثير من الأحيان أنه تم الاتصال بشاغلي المباني التي تعرضت للقصف للمغادرة قبل القصف وغادروا.

هذه التطورات والشهادات تضع حمـــ اس، طالما لا يوجد تحرك مماثل في الساحة تحت تأثيرها لعملية حرس الاسوار، كعامل لا يمكن تجاهله بعد الآن، خاصة عندما يُنظر إليها الآن على الساحة الفلسطينية الداخلية على أنها أكثر شرعية من السلطة الفلسطينية التي تقودها السلطة الفلسطينية، بقيادة فتح. على الرغم من أن أبو مازن هو الذي تصدّر عناوين الصحف عندما ادعى رداً على رفض "إسرائيل" السماح بإجراء انتخابات في القدس بأنه لن تكون هناك انتخابات بدون سكانها الفلسطينيين، فإنه يتوقع الآن تفضيل سكان المدينة على حمــ اس.


وتردد صدى الأصوات المنددة له، القادمة من القدس الشرقية، في أنحاء الضفة الغربية، مطالبين بإسقاط أبو مازن، واتهامه هو ورجاله بالخيانة. 

زعماء حمــاس يصبون الزيت على النار من خلال تصوير انجازات الحركة على أنها بداية لعملية التحرير "المتجددة"، والتحريض على الخروج الى الشوارع بسلاح ناري أو سكين وإلحاق الأذى بالإسرائيليين.

لا تزال قوات الأمن الفلسطينية موالية لأبو مازن وتمكنت من السيطرة على المنطقة ومنع توسع المظاهرات الاحتجاجية بشكل يخرج عن السيطرة، لكن من المشكوك فيه أن يكونوا قادرين على المثابرة في هذا الأمر لفترة طويلة دون الشروع في عملية إصلاحات في النظام السياسي أو إطلاق خطوة واسعة تضع القضية الفلسطينية في المقدمة مع تحديد علاقات القوة الداخلية. 

الآن وقد تدهورت مكانة أبو مازن وأصبحت الاتهامات بالفساد جزءًا من الخطاب العام الصاخب، أصبح عمل الأجهزة في السلطة أكثر صعوبة. 

لا تزال للسلطة الفلسطينية الأسس نفسها التي بُنيت خلال السنوات السبع الأولى من حكم أبو مازن، عندما كان سلام فياض رئيسًا للوزراء، والذي يحافظ حاليًا على استقرارها. هذه مزايا ليست موجودة ولن تكون في المستقبل المنظور بيد حمــ اس، ما لم تغير المنظمة توجهها السياسي. 

أحدها: هو العلاقات الدولية الواسعة التي تتمتع بها السلطة الفلسطينية، برئاسة أبو مازن، والتي تضعها على أنها العنوان الوحيد لكل قضية وفي كل سياق فلسطيني وتضخ إلى خزائنها التمويل اللازم لإدارة الحياة اليومية في الفضاء الفلسطيني. 

والثاني: هو نظام العلاقات بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، والذي تأسس في اتفاقيات أوسلو ويحافظ على التنسيق الأمني ​​الوثيق لأكثر من 16 عامًا، مما يسهم بشكل كبير في الاستقرار ويخلق استمرارية التوظيف والأمن الاقتصادي.

والثالث: هو الارتباط الاقتصادي بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل"، التي توظف العديد من العمال الفلسطينيين، وهي سوق للبضائع الفلسطينية ومصدر رئيسي لتوريد الاحتياجات الفلسطينية في مجالات التجارة والاقتصاد والصحة. 

العامل الآخر الذي يحافظ على الاستقرار ويعمل لصالح السلطة الفلسطينية: كما هو الحال مع الجماعات الإسلامية السياسية الأخرى في جميع أنحاء العالم العربي، لكسب ثقة النخب البرجوازية والمتعلمة وغير المتدينة، التي تشكل جنسيتها وليس الدين أساس هويتها والتي لها تأثير على اتخاذ القرار. تعمل هذه النخب على نزع الشرعية عن الحركات الإسلامية على غرار حمــ اس الساعية للوصول إلى السلطة.

هل ستنجح هذه التركيبة من العوامل في الحفاظ على استقرار السلطة الفلسطينية، أم أن تآكل مكانة السلطة الفلسطينية وفتح، الذي يولد التعاطف الكبير الذي تتمتع به حمــ اس في الوقت الحالي، سيزيد ويضعف أداء قوات الأمن الفلسطينية ؟ يبدو أنه بدون إصلاحات حقيقية من شأنها أن تغير وجه قيادة السلطة الفلسطينية، فإن السلطة الفلسطينية وفتح والتيار الوطني الفلسطيني بشكل عام سيجدون صعوبة في الحفاظ على مكانتهم كممثلين وقياديين حصريين للقضية الفلسطينية. لكن يبدو أن المشكلة اليوم تتركز على أبو مازن نفسه وليس على التنظيم الذي يرأسه. تتطلب الإصلاحات المطلوبة إنهاء فترة ولايته، ولكن من المشكوك فيه للغاية ما إذا كان يمكن توقع استقالته.

لذلك، فإن"إسرائيل" مطالبة بإعادة تقييم سياستها تجاه السلطة الفلسطينية وأبو مازن، وفحص ما إذا كانت مستعدة لقبول حمــ اس كبديل. وإذا لم يكن كذلك، كيف نمنع صعودها. يبدو أن هناك حاجة إلى تحرك إقليمي وعربي ودولي مكثف لدعم الإصلاحات التي يتم إجراؤها في السلطة الفلسطينية وفتح لإعادة تأهيلهما.عودة سلام فياض إلى الساحة كرئيس للوزراء سيكون لها أثر انتقادات مخففة إلى حد ما لأبو مازن بسبب صورته كمكافح ضد الفساد. تتطلب سياسة التمايز الإسرائيلية بين قطاع غزة والضفة الغربية إعادة فحص، لا سيما في ضوء العلاقة التي شكلتها حمــ اس بالضفة الغربية. هل الاتصال حتمي؟ وإذا لم يكن كذلك - ما الذي يمكن عمله حتى لا يصبح عبئًا.

في الوقت الحالي وعلى المستوى الفوري، فإن الخطوة الأكثر طلبًا هي لقاء رئيسي الجانبين، يتناول إحياء العلاقات وإعادة تأهيل الحياة اليومية على الساحة الفلسطينية وتحسينها. إن إصدار بيان مشترك حول صحة فكرة الدولتين ورؤية الطرف الآخر كشريك في الحوار سيكون أيضًا خطوة في الاتجاه الإيجابي. بعد ذلك سيتعين على الجانبين التعامل مع القضايا الملتهبة لمنع الاحتكاكات والانفجارات العنيفة. الإجراءات التي من شأنها أن تساهم في تخفيف التوترات، خاصة في القدس، ستكون تأجيل إخلاء العائلات الفلسطينية في حي الشيخ جراح، وفهم السلوك في الحرم القدسي، وتشجيع الحوار بين القادة الدينيين من الديانات الثلاث الحالية في شرق المدينة.


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020