علاقة حمـــ اس مع السلطة "2" ... الخيار البديل

إسلام حامد

باحث وأسير فلسطيني

بقلم الأسير/ إسلام حسن حامد
​​​​​​​

 في القضية الفلسطينية واختبار الشرعية، كيف يتم استقبالك في ساحات المسجد الأقصى؟

 منذ نشأتها كحركة مقاومة وطنية إسلامية، بدأت بمزاحمة التيارات والفصائل الفلسطينية المتعددة في الميدان المقاوم، وعليه كانت المنافسة تدور عمن يحقق المعنى الأصيل لمصطلح الوطنية كعلامة مميزة لهذا الفصيل أو ذاك، ويعتبر هذا المصطلح أيضًا المقياس الأكثر جودة فيمن تزاحم على تبنيه، ولا يتم ذلك إلا من خلال نسبة هذا الفصيل أو ذاك ارتباطًا جذريًا بالنضال والمقاومة ضد الاحتلال الصهيوني.

 وعليه، ارتبط مصطلح الوطنية الفلسطينية بمن حمل السلاح وكان رائدًا في مقاومة الاحتلال، لتتصدر المشهد حركة فتح على مدار سنوات طويلة، تقدمت في كل المسارات لتصبح الحركة الأكثر سيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية وصولًا إلى قيادتها حتى اليوم، مرورًا بساحات القتال الجانبية ضد الذات والمتعددة من الأردن شرقًا مع جيشها وملكها، إلى لبنان شمالًا وتعقيداته، إلى قطاع غزة جنوبًا في قتالٍ دامٍ لتثبيت حق الملكية من وجهة نظر حركة فتح لمقاليد الشأن العام، وفي نفس الوقت، ومن وجهة نظر حركة حماس التي تطالب بحق المقاومة بكافة مستوياتها لتحرير فلسطين كل فلسطين.

 إلا أن تعقيدات حركة فتح المسلكية والفكرية المشوشة قادتها ومن خلال سيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية إلى التصالح مع العدو الصهيوني، لينشأ لاحقًا عن هذا التصالح سلطة الحكم الذاتي المتفق عليها في أوسلو، هذه السلطة التي أخذت شرعيتها بشكل أساسي من الاحتلال الصهيوني الذي وافق على إنشائها وشارك فيه، لتعمل حركة فتح من خلال هذه السلطة وبعد خمس سنوات على إنشاء الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967م.

إلا أن الإرادة الصهيونية لم تسمح رغمًا عن الاتفاق السابق بإقامة دولة فلسطين على أراضي عام 1967م، بل أصبح خيار إقامة دولة فلسطين على حدود الرابع من حزيران 1967م هم بعيد الأمد لا يمكن تحقيقه عن طريق هذا المسار، لتصبح هذه السلطة المؤقتة سلطة خدماتية للكيان الصهيوني بشكل أساس من خلال حفظ أمن هذا الكيان عبر التنسيق الأمني، وصولًا إلى تقديس التنسيق الأمني لتكون بحسب بعض المراقبين شبيهة بجيش لحد الجنوبي الغني عن التعريف.

وأيضًا عملت السلطة لأن تكون جهة استنفاع لقيادتها وأنصارهم، وعليه إن لم تكون موجودة فأين سيكون هؤلاء القادة الذين ملأوا الأرض ظلمًا وجورًا؟

وعليه أصبحت هذه السلطة ومن خلفها حركة فتح الأكثر عبئًا على القضية الفلسطينية لعدة أسباب، منها: تقوقعها في مقاطعة رام الله أمام عدوان الاحتلال الصهيوني على عموم شعبنا المستمر، ومعطلةً لأي جهد محلي أو دولي يعمل على إنهاء الاحتلال الصهيوني على امتداد الأرض الفلسطينية بسبب تخوفهم من انتهاء وجودهم لصالح أي طرف يحمل الراية وينجح في جلب المنجزات للشعب الفلسطيني.

وأيضًا هي عبء على القضية الفلسطينية بسبب محاربتها لأفراد المقاومة الفلسطينية من خلال التنسيق الأمني المقدس لديها، الذي يسعى هذا الشعب لأن يتحرر من الاحتلال الصهيوني، إلا أنها امتلكت نقاط قوة ونقاط ضعف، كان من نقاط القوة لديها:

أ‌. امتلاكها للشرعية المستمدة من الاحتلال واعترافه بها.

ب‌. امتلاكها الشرعية العربية وصولًا إلى الدولية المنشئة لها.

ت‌. امتلاكها المال السياسي ومصادره.

ث‌. امتلاكها السلاح المرخص من قبل الاحتلال للسيطرة العسكرية الغاشمة على رقاب شعبنا الصابر تحت ظل حكم الطوارئ العسكري الذي فرض بشكل واضح على إثر الانقسام الفلسطيني وانقلاب حركة فتح والسلطة على نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2007م، وصولًا إلى بعض الجماهير المستنفعة من حضور السلطة على هذه الشاكلة.

أما نقاط ضعفها:

أ‌. انتهاء شرعيتها القانونية بحسب القانون الأساسي الفلسطيني.

ب‌. انتهاء شرعيتها الشعبية بسبب تعاونها مع المحتل الصهيوني الغاشم.

ت‌. وصولًا إلى أن مصادر قوتها هي مصادر ضعفها، كونها تدلل على أنها سلطة وظيفية كما هو ظاهر للعلن.

الانقلاب في المسار السابق للمنظمة وسلطتها كان في عام 2006م عندما فازت حماس بالأغلبية البرلمانية، وهذا بالإضافة إلى شرعية المقاومة وحمل السلاح في وجه العدو الصهيوني، حصولها على الأغلبية في المجلس التشريعي، لذلك سعت فتح من خلال أجهزتها الأمنية ومشروع دايتون الجديد في حينه في المنطقة وبدعم غربي غير محدود إلى سحب الشرعية الشعبية والتشريعية التي حصلت عليها حماس بعدة طرق، وما زالت حتى اليوم تسعى لتثبيت والحفاظ على ملكية الشرعية من خلال اعتبار منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

إلا أن الحفاظ على الشرعية كيفما كان بحاجة إلى تغذية مستمرة ومتنوعة، وهذا ما لم تستطع فتح تحقيقه على مدار السنوات الماضية من خلال محاربتها كفكرة ونهج، ففقدانها الشرعية الشعبية والبرلمانية في الانتخابات جعلها في موقف لا تمثل إلا نفسها أو ما تبقى منها بعد الانشقاقات الأخيرة وخروج ناصر القدوة ومن معه ومروان البرغوثي ومن معه من الإطار الفتحاوي، عدا عن وجود التيار الإصلاحي التابع لدحلان والذي يعتبر نوع من أنواع الانشقاق الداخلي لفتح.

من بين كل ما سبق، تقف حركة حماس بشرعية الشعب، والتي حصلت عليها من خلال المقاومة فكرًا ونهجًا، لتَثبت في الميدان، ولتُثبت أحقيتها في قيادة قوى المقاومة الفلسطينية، ومن خلفها الشعب الفلسطيني، وتصبح منظمة التحرير ومعها فتح والسلطة في زاوية المشهد الفلسطيني.

من بين كل تلك الإمكانيات التي توفرت للمنظمة وفصائلها على مدار تحكمها بمصير الشعب الفلسطيني، تقف اليوم عاجزة عن تحرير شبر من فلسطين أو التخفيف من آلام شعبنا الصابر، ليعود مصطلح الوطنية كعلامة مميزة وفارقة فقط لمن حمل السلاح في وجه العدو الصهيوني وقام بحمل الشعب الفلسطيني وناصر قضاياه المصيرية.

حماس، وبعد معركة سيف القدس البطولية التي غيرت الكثير من المعادلات، تفرض نفسها وبجدارة لقيادة المشروع الوطني الفلسطيني لتكون المرشد الروحي والسياسي للقضية الفلسطينية، والخيار الأكثر صوابية لإدارة دفة النظام السياسي الفلسطيني الجديد بعد معركة سيف القدس.


                                                                                                    

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020