انهيار سلطة الحكم الذاتي- الفرص والتهديدات

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

أرضية " تقدير موقف "
بقلم: عبد الله أمين

يكثر الحديث وتتعدد الآراء وتتباين حول اتفاق أوسلو الذي وقع عام 1993 وما انبثق عنه من ترتيبات حكم ذاتي لشعبنا الفلسطيني تتولى إدارته والإشراف عليه منظمة التحرير الفلسطينية بما تملكه من أجهزة وأطر أمنية في الضفة الغربية وغزة وأريحا، ثم تطور هذا الاتفاق وبرز تقدم شقه الأمني على باقي مندرجاته إلى الدرجة التي بقي هذا الجزء منه قائم غير معطل نشط، في كل الأحوال والأزمنة، وفي كل الأزمات التي مرت بها سلطة الحكم الذاتي مع هذا المحتل. بل إن أكثر الجهات الداعمة خاصة الغربية منها، فضلاً عن أجهزة أمن العدو بمختلف تشكيلاتها عندما تتحدث عما يجب أن يوقف وما لا يجب أن يتوقف من أوجه الدعم لهذه السلطة؛ تراها مجمعة على أن ما هو متعلق بالأجهزة الأمنية من دعم مادي وفني وتنسيق إداري يجب أن لا يتوقف، لما يمثله هذا التداوم وعدم الانقطاع من مصلحة للعدو الإسرائيلي والجهات الداعمة الأخرى. ومن يتابع الشأن الصهيوني، السياسي منه والأمني والعسكري؛ لا يجد عناء في البحث عما يسند الرأي القائل أن هذه السلطة القائمة حالياً تشكل مصلحة للعدو وحلفائه أكثر بكثير مما هي مصلحة للشعب الفلسطيني، فعلى سبيل المثال، هذا العميد "درور شلوم " مسؤول وحدة الدراسات والأبحاث في جهاز أمان ـــــــ المقدر القومي للكيان ـــــــ يقول في أحد تصريحاته : "إن انهيار السلطة خطر... الضفة الغربية قنبلة موقوته ولمنعها من الانفجار يجب المحافظة على تماسك هذه السلطة " وغيره كثر ممن يصرحون بنفس العبارات أو نفس المضامين، من عاموس يدلين إلى غيورا آيلاند مروراً بعمرام لفين، وكلهم من الأسماء الوازنة التي يرجع لها العدو عند كل مفصل وكل منعطف لأخذ الرأي والمشورة. فإن كان بقاء هذه السلطة مصلحة للعدو؛ فإن زوالها ـــ حكماً وعلى قاعدة مفهوم المخالفة ــ مصلحة للشعب أولاً ولحركات المقاومة وفصائلها المختلفة أولاً وأخيراً. 
إن هذه الورقة تناقش هذه المسألة على قاعدة تفصيل الفرص المتصورة من انهيار هذه السلطة وما يمكن أن يشكله هذا الانهيار من تهديدات، دون الغوص في الحديث والاستفاضة فيه، انطلاقاً من أن هذه الورقة ليست " تقدير موقف "، لذلك قيل في العنوان أنها أرضية لـــ "تقدير موقف "، على أن نختم بخارطة طريق متصورة لتحويل هذه الورقة إلى " تقدير موقف " إن رأى أصحاب الشأن في ذلك فائدة أو يترتب عليه مصلحة. وستتطرق هذه الورقة إلى بحث هذا الموضوع من خلال عدة عناوين: الفرص، التهديدات، تهديدات يمكن أن تخلق فرصاً، التوصيات، خارطية طريق تطوير الورقة لتصبح " تقدير موقف ". 

أولاً : الفرص:

  1. وقف التنسيق الأمني: إن أول الفرص الممكن تصورها من انهيار هذه المنظومة هي: فرصة وقف التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني الذي يُعد من أهم أسباب تردي الحالة التنظيمية وبناء البيئة المناسبة لعمل المقاومة في الضفة الغربية، فقد شكل هذا التنسيق أهم روافد وقنوات المعلومات للعدو عن المجتمع الفلسطيني بكل شرائحه وعناوين عمله؛ من السياسة إلى الاقتصاد مروراً بالأمن، فما تعجز عن جمعه مصادر العدو البشرية والفنية من معلومات؛ تتكفل فيه أجهزة السلطة الأمنية، وما لا تقدر على تنفيذه قوات العدو من أعمال تنفيذية وتعبوية، يوكل أمره إلى هذه السلطة، بل إن هذه السلطة في بعض أعمالها تشبه سلاح المدفعية الذي يمهد ويسند سلاح المشاة للإطباق على أهدافها بعد أن تُلّين وتتضعضع تحت قصف هذا السلاح.   
  2. حماية منظومة القيادة والسيطرة: ينبثق عن وقف التنسيق الأمني ــ سيء الذكر ــ فرصة توفير بيئة عمل آمنة يمكن أن تحمي منظومة القيادة والسيطرة C2 المطلوبة لبناء أي عمل وإدارته في الداخل و / أو بالتواصل والترتيب مع الخارج، إن وقف التنسيق الأمني من أهم لوازم بناء مثل هذه المنظومة وتوفير متطلبات النجاح لها، فهي وهو، على النقيض ولا يجتمع أحدهما بوجود الآخر.
             
  3. حماية خطوط الدعم والاسناد بكل أشكاله: وفي ظل وجود منظومة قيادة وسيطرة تعمل في ظروف وبيئة آمنة نسبياً، فإن بناء خطوط الدعم والإمداد والاسناد بمختلف صنوفه وأنواعه المادية والبشرية، الداخلية منها والخارجية، يصبح أكثر إمكانية وقابل للتحقيق والنجاح، ويرتفع منسوب أمن إجراءات توفيره ــ الدعم ــ وإيصاله وتخزينه وتسليمه لأصحاب الحاجة، أكثر بكثير مما لو بقي هذا التنسيق وخطوط التواصل تلك.
     
  4. وقف المطاردات الداخلية والخارجية مما يطيل عمر خلايا المقاومة: وفي ظل وجود شبكات دعم وإسناد مادي وبشري تعمل تحت رقابة وإشراف منظومة قيادة وسيطرة تتحرك في ظرف أمن نسبي عالية؛ ستقل عمليات المطاردة الداخلية والخارجية لعناصر المقاومة، وستبوء أكثرها بالفشل، وسيطّلع المقاومون على إجراءات العدو قبل خروجها إلى حيز العمل، أو على أقل تقدير سينفذ العدو إجراءاته وعنده نقص في المعلومات والمعطيات، كل هذا سيصب في مصلحة إطالة عمر خلايا عمل المقاومة، الأمر الذي يعني مراكمة خبرات ومعارف تزيد في فتكها بعدوها وتضيق هامش المناورة عليه. 

  5. إمكانية بناء عمل وإدارته في 48: كما أن من شأن انهيار سلطة الحكم الذاتي وما يتبعها من وقف عمليات التنسيق الأمني وبناء منظومة قيادة وسيطرة أكثر أمناً مما لو بقيت هذه السلطة بعلاقاتها مع العدو، من شأن هذا التطور أن يساعد في بناء عمل مقاوم في أراضي فلسطين المحتلة عام 48 بشكل أكثر كفاءة وفاعلية وقدرة على تشكيل تهديد ذا مصداقية على العدو وبالقرب من قلبه ومناطقه الحيوية والحساسة، وقد شاهدنا في معركة " سيف القدس " كيف خرجت مناطق في الداخل الفلسطيني عن سيطرة العدو دون أن يحركها أحد أو يوجهها موجه،  وإنما بفعل شعبي ذاتي، فكيف لو كانت هذه الفعالات والأنشطة مرتبة بشكل مسبق ومدارة ومهدفة من قبل قيادة تُجند وتُدرب وتُكسِب المعرفة والخبرة، ثم تستثمر القدرات في الزمان والمكان المناسبين الذين تحددهما هذه القيادة ولا يفرضان عليها فرضاً ؟ 

  6. توفير الفرصة والبيئة المناسبة للوطنيين من أبناء الأجهزة الأمنية لقرن القول بالفعل: لقد أصبحت سلطة الحكم الذاتي وما انبثق عنها من هيكليات وإدارت مدنية وأمنية أكبر مشغل في الضفة الغربية، وهي في شقها الأمني وفرت من الوظائف والأعمال التي توفر لمنتسبيها الاستقرار المالي والرضى الذاتي، ما جعل بعضهم يركن لها ويطمئن لفعلها، إلا أن هذا لا يعني أنه ليس هناك جزء غير معروف الكم ممن يعملون في السلك الأمني والعسكري السلطوي بدافع طلب لقمة العيش، ولا يعني هذا أنه لا يعتري بعضهم ما يعتري أبناء وطننا من ضيق وحنق وعدم رضى على العدو أولاً وعلى سلوك السلطة ثانياً، الأمر الذي شاهدناه ينعكس على سلوك بعضهم بالخروج وتنفيذ عمليات ضد العدو بالسلاح الحكومي الذي في عهدته، كما وأن بعضهم يتصدى أحياناً وتحت ذرعية عدم معرفة الطرف المقابل، لاعتداءات العدو، فيشتبكون معه وتكون به، لذلك يشكل انهيار السلطة فرصة مناسبة يمكن أن تقدم لهؤلاء الوطنين والشرفاء، للتعبير عن وطنيتهم وحبهم لأهلهم وأرضهم. 

  7. تَقدم الخيار البديل: إن انهيار السلطة يعني غياب العنوان الذي يُقصَدر وصندوق البريد الذي تودع فيه الرسائل، وحيث أن طبيعة الأشياء، فضلاً عن أن طبيعة العمل السياسي، تقتضي البحث عن البديل الذي يُتحدث معه ويُقصد لإعادة ضبط الأوضاع،لذلك فإن البديل الذي سيتقدم ويفرض نفسه على الجميع حال انهيار السلطة هو أكثرهم شعبية وتغلغلاً في المجتمع وانضباطاً وتنظيماً وقدرة على تنفيذ ما يلتزم به، ولن يكون هذا البديل إلا حركات المقاومة وحلفاؤها؛ أصحاب المشروع والرؤية الوطنية، عندها سيفرضون أنفسهم على الجميع ويضعون جدول الأعمال الوطني الذي لا يضيع المصالح ولا يساوم على المبادئ.   

  8. كشف الغطاء عن العملاء: إن أسوأ أنواع العمالة ـ وكلها سيء مدان ـ هي تلك العمالة التي تتدثر برداء (الوطنية )، فصاحبها لا يتصل بالعدو ـــــ حسب زعمه ــــ إلا لتقديم خدمة لأهله ووطنه، عن طريق تسهيل عيشهم وتأمين ما يحتاجون من متطلبات الحياة الكريمة التي تتوفر عند الطرف الآخر، فتصبح العمالة وكأنها عمل مطلوب ومقدر صاحبها، متناسيين أنهم لا يأخذون شيءً من العدو إلا وقد قدموا ما هو أهم منه، كما أن بعض العملاء غطائهم غطاء رسمي لا يتسترون ولا يستحيون من التواصل مع العدو ما بقيت فوق رأسهم تلك المظلة التي يتظللون بها ـ السلطةـ، فإن انهارت هذه المظلة وطارت من فوق رؤوسهم، تكشف قبحهم وخطرهم وسهل التعامل معهم من قبل المقاومين فضلاً عن المواطنين العاديين. 

هذه بعض الفرص التي يمكن أن تتحقق بانهيار هذه السلطة الوظيفية التي يقول رأسها أن التنسيق الأمني مقدس وأن صواريخ المقاومة عبثية، ويتفاخر بأن يده لم تمس يوماً سلاحاً !! فماذا عن التهديدات ؟ يمكن تصور بعض التهديدات التي ستنجم عن انهيار هذا الهيكل؛ حيث لا يمكن تصور أن لا يكون هناك أي تهديدات أو مخاطر من انهيار أو زوال هذه الهيكلية الإدارية، والتي منها ــ التهديدات ــ على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:  

ثانياً: التهديدات: 

  1. تسيّد حكم العائلات: إن أول هذه التهديدات تسيّد حكم العائلات والعشائر، فجزء من العقد الاجتماعي الذي توافق عليه الناس تحت حكم هذه السلطة وغيرها من السلطات؛ أن يتنازل البعض عن جزء من مصالحة الذاتية في سبيل تقديم المصلحة العامة، وأول هذه المصالح، الأمن الذي يناط بالسلطات الحاكمة، وأول ردة فعل عن تلاشي أو ضعف أو تفكك أي منظومة حكم ــ صغيرة كانت أو كبيرة ــ عودة الناس إلى مبادئ وطرق عمل العشائر والعائلات في تأمين أمنهم وحفظ مصالحهم، فتتقدم العائلة والعشيرة  لتحل محل الدولة في تقبل هذا العبيء، فتسود العائلة بعد أن تبيد الدولة، ويصبح الأمن الفردي مقدم على الأمن الجماعي، والأمن العائلي والعشائري مقدم على أمن الدولة والكيان، وهذه أحد مخاطر زوال سلطة الحكم الذاتي. 

  2. انعدام الأمن المجتمعي: وينبثق عن التهديد السابق، تهديدٌ آخر متمثل بانعدام الأمن الجماعي والمجتمعي، فأنت آمن ما دمت في بيئتك وبين أهلك وناسك وفي حيك وحارتك، ولكن إذا خرجت خارج هذا الإطار وذاك الحيز، فقد تقع في المشاكل وتكون في معرض التهديد، ومجرد تَكُون مثل هذا الشعور لدى الفرد أو الجماعة، فهو كفيل بأن يبني جدر الفصل والعزل بين الناس والأحياء والمدن والحارات، ونظراً للآخر بعين التهديد وعلى أنه مصدر خطر محتمل، وهذا أيضاً تهديد متصور لانهيار جهة الردع الرئيسية ــ السلطة ــ التي تُهاب فَتردع. 

  3. استيقاظ الثارات: كما أن من شأن انهيار هذه السلطة بروز تهديد متمثل في استيقاظ الثارات النائمة، فالمجتمع الفلسطيني في بعضه مجتمع عشائري قبلي لا يموت الثأر عنده ولا ينطفئ، وإن خبى وتراجع أحياناً، وما يُهدئ نار أصحاب الثأر؛ أنهم يرون أن هناك سلطة تأخذ حقاً لهم اغتصب أو دماً لهم سفك، فإن غابت هذه القوة، نادى كل صاحب ثأرٍ بثأره، وسعى كل صاحب دم خلف حامل دمه. 

هذه بعض أهم التهديدات المتصورة التي تشكل مصدراً لكل خطر ومنبعاً لكل تهديد، وقد يَعُد العادين مثلها وزيادة، ولكننا اختصرنا الحديث على أمهاتها، ونترك الباب مفتوحاً لعد إخوتها وأخواتها. إلا أن هناك بعض التهديدات التي تخلق في ذاتها فرصة مع أنها في ذاتها تهديد، ومنها على سبيل المثال أيضاً لا الحصر : 

ثالثاً: تهديدات تخلق فرصاً: 

  1. إعادة انتشار العدو في كامل مناطق الضفة: إن العدو ما خفف من انتشاره وتوغلاته في مناطق الضفة، إلا لأنه يرى أن هناك جسماً وكيلاً يقوم بما يريد وينفذ ما يطلب، فيؤمن له مصالحه ويحقق له أهدافه، فإن رأى هذا العدو أن هذا الوكيل لم يعد له وجود أو لم يعد قادراً على القيام بالمهمة التي يريد؛ تقدم الأصيل لغياب الوكيل، وعندها من المرجح أن يعيد هذا العدو انتشاره في كل مدن وقرى الضفة، فإن حصل هذا؛ فهذه مصلحة محققة يمكن اختصارها بتشتيت قواته ونشرها على جغرافيا ممتدة لا يمكن السيطرة عليها بنفس الفاعلية والقدرة، وستكثر الأهداف الممكن أن تستهدفها قوى المقاومة، وسينخفض مستوى الإجراءات أمنية المتوفرة للمغتصبات، هذه كله في ظل حالة من التسلح وتوفر الإمكانات لدى الفلسطينيين كنتيجة كما قلنا لانهار هذه السلطة وغياب سطوتها وسيطرتها على البشر والحجر. 

  2. تفعيل الدور الدفاعي للمغتصبات: في مثل هذا الموقف سوف يقوم العدو بتفعيل الدور الدفاعي المقر للمغتصبات ضمن خططه الدفاعة، الأمر الذي سيكشف زيف ما يدعي من أنها مدن قاطنوها مدنيين وساكنوها مسالمين، وسيظهر الكيان كله كمغتصبة كبيرة، من بابه إلى محرابه، مما يسهل نزع الشرعية عما يدعي وما يزعم، هذا من جهة، أما من الجهة الثانية، فإن تفعيل دور هذه المغتصبات وفي ظل تشتت قوة العدو سيجعل منها أهدافاً من الممكن التعرض لها والحاق الخسائر فيها، بل أكثر من ذلك، قد يقوم العدو بإعادة تموضع وتجميع لمغتصبيه ومغتصباته، مخلياً بعضها لاعتبار عدم القدرة على تأمين الأمن للجميع، وفي هذا مصلحة متحقق لنا كشعب ومقاومة. 

  3. صدام مع أجهزة السلطة الأمنية والعسكرية: كما يتوقع أن يُصطدم مع أجهزة السلطة المختلفة، فوجود هذه السلطة كما أنه مرتبط بمصالح العدو وأهدافه، فإنها أيضاً أصبحت تمثل لدى الكثيرين من مسؤولها وقادتها مصلحة شخصية، تؤمن المال والجاه المكانة، ولا يتصور أن تتخلى هذه الشريحة التي ارتبط وجودها بوجود هذه السلطة عن (مكتسباتها ) الذاتية ومصالحها الشخصية، وسيقاتلون دفاعاً عنها، الأمر الذي يعري هذه الطبقة الفاسدة أمام شعبها وناسها، ويزيل كل مساحيق التجميل التي غطت قبح فعلها وسوء قصدها، وعندها سيكونون أمام خياريين؛ إما التنحي جانباً وترك الشعب يقرر مصيره بيده، أو الالتصاق بمشغليهم، فيسهل عندها التعامل معهم، ويبرر السلوك ضدهم؛ شرعاً وقانوناً وعرفاً. 

في ظل مثل هذا الموقف المتصور لابد من بعض التوصيات التي تساعد في السيطرة على الموقف وجعله لا يخرج عن السياق الذي يخدم أهداف الشعب والمقاومة، والتي يمكن أن يختصر بعضها بالآتي: 

رابعاً: توصيات: 

  1. عمل لجان أمن للأحياء: إن أول ما يمكن تصوره لضبط الأوضاع والحيلولة دون انفلاتها وخروجها عن السيطرة هو تصغير مساحات الجغرافيا التي المراد ضبطها والسيطرة عليها حتى لا تنتقل عدوى الانفلات إلى ما يجاورها، لذلك فإن عمل لجان أمنية في الأحياء، تضبط أمنها وتمنع التجاوزات وتحد من المخالفات؛ سوف يشكل النواة الأولية المطلوبة للبناء عليها وتعميمها، ليضبط الأمن ويستقر الوضع إلى حين وصول الموقف إلى خواتيمه المرجوة. 

  2. عمل لجان تنسيق مناطقية: إن لجان الأحياء تلك سوف تكون المقدمة الرئيسية المطلوبة لعمل لجان التنسيق المناطقية، التي ستوحد المسار وتضبط الاتجاهات، فلا يُغنياً كل على ليلاه، ولا تغرد الطيور خارج أسرابها، فلجان الأحياء مع لجان التنسيق المناطقية، هي الكفيلة بخلق جسم صلب، عصي على الخرق، سوف يكون هو العنوان الذي يقصدر للحديث معه، والذي ويُسأل عن المطالب، وهو من سيحدد الشروط ويضع الأوليات ويخصص القدرات، ويقود الموقف إلى ما رسم له من مآلات. 

  3. تفعيل الأعراف العائلية والعشائرية: إن المحافظة على الأمن المجتمعي في ظل غياب سلطة القانون؛ ليس له من طريق إلا تفعيل أعراف المجتمع التي قام عليها، بل إن الأعراف العشائرية والعائلية في بلادنا لديها من القوة والإلزامية ما لا تتوفر في كثير من نصوص القوانين والدساتير، لذلك فإن تفعيل هذه الأعراف والعمل بمقتضياتها؛ سوف يوفر أمناً نسبياً وبيئة عمل مريحة إلى حين وصول الأمور إلى خواتيمها وتحقيق الشعب والمقاومة أهدافها. 

  4. قمع المخالفات والتجاوزات بلا هوادة: يجب أن توضع الخطوط الحمر التي يراها الجميع، ويجب أن يعرف الجميع أن جزاء تجاوزها لا يُغض الطرف عنه، وأن من تسول له نفسه قطع هذه الخطوط أو التغافل عنها لن يُرحم ولن ينظر له بعين العطف أو الشفقة، كائناً من كان، ولأي سبب كان، ففي مثل هذه الظروف؛ يمثل التهاون أو الاستنسابية في تطبيق القانون باباً ينفذ منه كل مخرب وكل معتد وكل صحاب نية سيئة، وعندها سينحرف المسار ولا تصل بنا السبل إلى ما نرجو من حسن عقبى الدار. 

خامساً: الخاتمة:

نختم فنقول: حتى تتحول هذه الورقة إلى " تقدير موقف " يبنى عليه، لابد لها من الإجراءات الآتية: 

  1. إعادة مناقشة ما جاء فيها خلف أبواب موصدة.
  2. توصيف البيئة السياسية؛ المحلية والإقليمية والدولية لمعرفة ما فيها من : نقاط قوة، نقاط ضعف، فرص وتهديدات.
  3. أخذ القرار المناسب، ليبنى على الشيء مقتضاه، على أن يتصف القرار بالمواصفات الآتية : 
  4. أن يحقق مصلحة أكيدة.
  5. أن يدفع مفسدة أكيدة. 
  6. أن تكون المصلحة أو المصالح أكثر جدوى من المفاسد. 
  7. وضع الخطط والإجراءات لتحويل القرار إلى برنامج عمل. 

هذه كانت الأرضية التي قد تشكل مقدمة لــ " تقدير موقف "، زاعمين أن هذه الورقة إن وُضِعت على طاولة البحث وتحت مجهر التدقيق ومبضع التشريح؛ فيضاف عليها ويُنقَصُ منها، ويُؤخَذُ بسمينها ويلقى غثها، ستكون خطوة من ضمن الخطوات التي تسير بنا في الاتجاه الصحيح، وتَفتح أشرعة سفننا لنستفيد مما يهب علينا من رياح."والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " 


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020