حمــــاس لها منطقها الخاص فأين منطق إسرائيل؟

معهد دراسات الأمن القومي

أودي ديكيل 30 أغسطس 2021

ترجمـة حضــارات

حمــــاس لها منطقها الخاص فأين منطق إسرائيل؟ 


توجه آلاف الفلسطينيين، يوم السبت، 21 أغسطس، السياج الحدودي على الحدود بين "إسرائيل" وغزة، في مظاهرة نظمتها حمــــ اس مع فصائل أخرى في قطاع غزة لإحياء ذكرى إحراق المسجد الأقصى (من قبل شاب أسترالي عام 1969). وبذلك، أوفت حمـــ اس بتهديداتها بإعادة توتير حدودها مع "إسرائيل" وعقدت مظاهرات عنيفة بالقرب من الحاجز الأمني.

اشتبك المئات من الفلسطينيين مع الجيش الإسرائيلي ألقى المتظاهرون زجاجات حارقة ومتفجرات ورشقوا قوة تابعة للجيش الإسرائيلي بالحجارة، وأصيب مقاتل من حرس الحدود بجروح قاتلة على يد فلسطيني من خلال شق في الجدار، وأعلن عن وفاته بعد أيام قليلة. كذلك استشهـــ د شاب فلسطيني واصيب نحو 40 بنيران الجيش الاسرائيلي في الاشتباك. 

منذ ذلك الحين، تواصلت نشاطات الارباك الليلي من قطاع غزة من خلال إطلاق بالونات حارقة باتجاه حقول المستوطنات في منطقة غلاف غزة، وكذلك المظاهرات بالقرب من الجدار الأمني. قال نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حمــــ اس في قطاع غزة خليل الحية: إن حمـــ اس لا تخشى "إسرائيل" وإن على الأمة العربية تكثيف جهودها لإنهاء الاحتــــ لال. أضاف أن المعركة منذ المواجهة الأخيرة متجددة ومستمرة.

كان هذا الحدث هو الأعنف منذ جولة القتال الاخيرة- فترة ثلاثة أشهر، ساد الهدوء النسبي خلالها رغم القيود التي فرضتها "إسرائيل" على قطاع غزة لحرمان حمــــ اس من أي إنجاز مقارنة بالوضع عشية المعركة.

بدأت حمــــ اس في إطلاق المظاهرات ضد "إسرائيل" (إطلاق صاروخين، اطلاق بالونات حارقة، إطلاق نار على الطائرات واشتباكات فوق الحاجز الأمني) في نفس الأسبوع الذي حققت فيه إنجازًا عندما أعلنت "إسرائيل" عن تخفيف كبير لسياسة الحصار: إيجاد آلية لتحويل الأموال القطرية عبر الاتحاد الأوروبي والموافقة على دخول 1800 عامل يومي إلى "إسرائيل"، بالإضافة إلى نية زيادة هذا العدد بآلاف آخرين في الأسابيع المقبلة، توسيع نطاق البضائع التي تدخل القطاع (مواد بناء لأول مرة منذ المعرك، سيارات وشاحنات، قطع غيار، أجهزة خلوية) وزيادة الصادرات من قطاع غزة (في مجالات الزراعة والمنسوجات والأثاث).

سارع المتحدثون باسم حمــــ اس، وفقًا للطريقة المألوفة في شرح اطلاق الصواريخ لـ"إسرائيل" على أنه "عطل"، إلى توضيح أن إطلاق النار على مقاتل من حرس الحدود كان مبادرة فردية، وليس عملية مخططة مسبقًا، وأنه لا توجد اشتباكات عنيفة، وجاء ذلك من غضب الجمهور الفلسطيني بسبب الأوضاع الإنسانية المتردية السائدة في قطاع غزة.

لكنهم أعلنوا في نفس الوقت عن تنفيذ خطة منظمة لسلسلة من الأنشطة في المستقبل، للمطالبة برفع "الحصار" عن قطاع غزة وتعبيرا عن التزام المنظمة بالقدس، بالشعار: "سيف القدس لن يعود الغمد".

واستمرت آلة الدعاية التابعة لحمــــ اس في توجيه وابل من الرسائل: "غزة لن تصمت في وجه العدوان الاقتصادي الإسرائيلي ولن تقبل الابتزاز الإسرائيلي".

"إن تهرب "إسرائيل" من الالتزامات التي تم تحقيقها وتهربها من رفع" الحصار "عن قطاع غزة سيؤدي إلى عودة الأنشطة الشعبية التي توقفت في بداية عام 2021".

إن "استمرار" الحصار "على قطاع غزة قد يدفع الفلسطينيين إلى مزيد من الأعمال التي لا يمكن التكهن بها" وأكثر من ذلك.


في "إسرائيل"، الذي يبدو ظاهريًا الجانب "العقلاني" من المعادلة، يسعون إلى المنطق الذي يوجه سلوك حمــــ اس وقائدها في قطاع غزة يحيى سنور، وينسبونه إلى اضطراب في الحكم ويقدرون أنه مدفوع بمشاعر مسيانية.

كما أن مصر غاضبة من أن حمــــ اس أسقطت إنجازا لها عند إدارة بايدن، يتمثل في قدرتها على تهدئة قطاع غزة.

تصاعد الغضب المصري على قرار حمـــ اس بـ "ركل الدلو"، في انتهاك لالتزامها بمنع التصعيد في قطاع غزة، وبالتحديد مع تقدم جهود الوساطة. وعقب الأحداث، أغلقت مصر معبر رفح لعدة أيام.

أما بالنسبة للسنوار، فيبدو أن فهمه للواقع قد تغير جذريًا. بعد انتخابه زعيما لحركة حمـــ اس في قطاع غزة، حاول تحسين الوضع المدني والاقتصادي في المنطقة من خلال ثلاث قنوات: مع محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية - في مبادرة المصالحة بين المنظمات في عام 2017، أظهر استعدادا إعادة الإدارة المدنية إلى قطاع غزة (وإن كان ذلك بدون رقابة أمنية)، مع "إسرائيل" محاولة صياغة تفاهمات من أجل وقف إطلاق نار طويل الأمد مقابل إعادة إعمار القطاع ورفع "الحصار" (بشروطه) وصفقة تبادل الأسرى والمفقودين. 

مع مصر - محاولة لتحسين صورته مع تقديم نفسه كلاعب مسؤول لن يتحدى المصريين ويتوقف عن مساعدة العناصر "الإرهابية" في سيناء. 

كما تم حجب القنوات مع عباس و"إسرائيل"، وفشلت أيضا محاولات مصر للمضي قدما في رفع "الحصار" وصفقة لتبادل الأسرى بين حمــــ اس و"إسرائيل". 

ليس ذلك فحسب، لكن السنور كاد أن يُطاح به في انتخابات قيادة حمــــ اس في قطاع غزة، التي أجريت في وقت سابق من هذا العام. 

لقد علمته التجربة أنه عندما يكون الوضع هادئًا، ليس لدى "إسرائيل" أي سبب لتخفيف القيود المفروضة على قطاع غزة أو المضي قدمًا في التفاهمات، وطريقة "ابتزاز" التسهيلات من "إسرائيل" هي الشروع في أحداث غير متوقعة و استخدام القوة من قطاع غزة.

على وجه التحديد فيما يتعلق بدوافع حمــــ اس الحالية للتصعيد، تفاقم استياء المنظمة من الوضع؛ لأن نجاحاتها في جولة القتال الأخيرة لم تُترجم على ما يبدو إلى إنجازات في إعادة اعمار القطاع. بالإضافة إلى ذلك، فإن آلية تحويل الأموال القطرية عبر الأمم المتحدة قد تخطت تحويل الأموال إلى مختلف موظفيها وهيئاتها في قطاع غزة. وهكذا، بالنسبة له، فإن الوسيلة الوحيدة للضغط المتاحة له هي القوة، التي تعتمد على سلوك غير متوقع، ويتم التعبير عنها، على سبيل المثال، في إطلاق الصواريخ باتجاه القدس، والتي كانت بمثابة الطلقة الافتتاحية لجولة القتال الأخيرة، أو في التصعيد الذي حدث في الأيام الأخيرة.

تسعى حمــــ اس إلى إنهاك "إسرائيل" بل وحتى تآكلها من خلال معركة مستمرة من المضايقات المستمرة والمتقطعة ومن عدة ميادين المظاهرات الشعبية من قطاع غزة، والتحريض على المواجهات في القدس، وإطلاق الصواريخ من لبنان، وتشجيع النشاطات في الضفة الغربية.

كل هذا بناء على تقديره بأن "إسرائيل" لا تنوي الدخول في مواجهة عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة في الوقت الحالي.


ملخص وتوصيات

لقد حان الوقت لـ"إسرائيل" لتغيير قواعد اللعبة، والتوقف عن التنبؤ بها، والسعي وراء المبادرة والسياسة العدوانية.

في لعبة الكفاح الحالية من أجل التفاهمات وحتى التسوية مع حمــ اس، تعزز "إسرائيل" في الواقع مكانتها كقوة سياسية رائدة في المعسكر الفلسطيني وتضعف حتما السلطة الفلسطينية وتساهم في تصويرها كشريك غير ذي صلة في التسوية السياسية وذلك بتقويض شرعيتها. 

من أجل تجنب هذه العواقب السلبية وغير المرغوب فيها، وفي نفس الوقت لتحييد قوة حمـــ اس، يجب على "إسرائيل" أن تدرس بديلين لم يتم بحثهما بعمق حتى الآن:

فصل كامل لقطاع غزة عن "إسرائيل" إغلاق كامل للمعابر بين القطاع و"إسرائيل". يتماشى هذا البديل مع سياسة التمايز بين أراضي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة الذي تسيطر عليه حمـــــ اس، وفي الوقت نفسه يتطلب تعزيز وظيفة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. 

وسيتعين على حمـــ اس إعطاء الأولوية للاهتمام بالمناطق المدنية والاستثمار فيها، بسبب التدهور المتوقع للوضع، على السعي لتحقيق رؤيتها المقـــــاومة.

لهذا البديل نقاط ضعف، فهو لن يمنع استمرار الاحتكاك بين حمـــــ اس والفصائل الأخرى الناشطة في قطاع غزة وسكانه و"إسرائيل".

وستلزم "إسرائيل" ببدء تخفيف الحصار البحري بسبب الضغط الدولي للسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة من البحر.

قد يتسبب ذلك في توترات مع مصر، والتي ستصبح حتما "أنبوب الحياة" الوحيد للقطاع والمسؤولة عمليا عن الوضع هناك.

معركة مستمرة ضد البنية التحتية للتنظيمات في قطاع غزة، وذلك من خلال الاستفادة من الأحداث الهجومية التي بادرت بها حمــــ اس لزيادة حدة الهجوم الإسرائيلي وتنويع خصائصه، بهدف الإضرار ببنيتها التحتية، وقدرات إنتاج الصواريخ وإطلاقها وبذراعها العسكري، سيتطلب هذا التصميم والصبر والقدرة على تلقي الضربات.

قد يؤدي البديلان، معًا وبشكل منفصل، إلى ثلاثة مسارات تنموية: الإيجابي ستتراجع حمــــ اس، وتتفق على تفاهمات فترة تهدئة طويلة وتفي بالتزاماتها. ستلزم التفاهمات "إسرائيل" بتخفيف الحصار وإصدار تصاريح لمشاريع إعادة إعمار قطاع غزة. 

قد يكون المسار الثاني للتطور هو التدهور الى معركة عسكرية، الأمر الذي يتطلب من الجيش الإسرائيلي المناورة على الأرض في قطاع غزة، إلى حد الإضرار بشدة ونزع سلاح حمـــ اس العسكري؛ والثالث هو استمرار إدارة الصراع، حيث ترد "إسرائيل" عادة للتحدي الذي تقوم به حمـــاس، بينما تتكيف بشكل متقطع مع فترات الهدوء والتصعيد.

إذا لم تكن هناك رغبة من جانب "إسرائيل" في تغيير قواعد اللعبة والمجازفة التي ينطوي عليها سلوك استباقي وغير متوقع، فيجب أن يكون مفهوماً أن المسار الثالث لإدارة الصراع واستمراره قد تم اختياره وفقًا لـ قواعد الابتزاز التي تحددها حمــــ اس.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020