وصلت الكهرباء؟ ما زال الخلاف بين النواب الأشقاء!

فالح حبيب

محلل سياسي



مكان
فالح حبيب

ماذا بعد التوصل إلى صيغة توافقية حول مشروع قانون الكهرباء والمصادقة عليه؟ هل تسعى الموحدة إلى الانتقال إلى قضايا أشد كهربة على الساحة السياسية الاقليمية؟



يبدو أن "وصول الكهرباء" كهربت الأجواء بين مركبات الائتلاف من جهة، وبين النواب العرب "الاشقاء!

ما أن أدخل النائب عن الموحدة رئيس لجنة الداخلية وليد طه تعديلاته على نص مشروع قانون الكهرباء العام المُقترح لتصب بطبيعة الحال في صالح المجتمع العربي، وذلك لأن المجتمع لطالما عانى من تمييز مُمهنج في كل ما يتعلق بقضايا التخطيط والتنظيم، فبديهي أن يستفيد أكثر من غيره جراء القانون، حتى بدأت تتكهرب العلاقة بين وزيرة الداخلية شاكيد التي أصرّت على عدم طرح القانون لفهمها سريعا أن كثير من هذه التعديلات تسعى لتحجيم حجم صلاحياتها، بل تُصادرها ما دفع بالموحدة إلى ارجاء القانون لماذا؟  



عملية شرقي القدس عقّدت الوضع وزادت الأجواء المتكهربة تكهربًا، وألقت بظلالها على الأجواء السياسية.



العملية في البلدة القديمة من العاصمة كانت لا بد أن تُلقي بظلالها على تعكير الأجواء، فلا يوجد في عصرنا شيئًا اسمه بعيدًا عن السياسة، فكل ما يجري سياسة، وبشكل عام مثل هذه العمليات الأمنية كان لها انعكاسات وتداعيات على الأجواء السياسية، وسرعان ما توقعت أنه سيكون لها تأثير على وزيرة الداخلية التي عملت في هذا القانون "كممثلة لليمين وجمعياته المتطرفة" وليس كوزيرة لكل شرائح المجتمع.  



القانون كان قد صُبغ مسبقا بصبغة سياسية وبُعد قومي وطني، ما يعني أن هذه العملية كانت لا بد من أن تزيد عملية طرح القانون تعقيدًا، وتؤدي إلى تفاقم نقاط الخلاف بين شاكيد المتؤثرة من محيطها، وهذا بالفعل ما كان.  



ظل الخلاف على حاله، ما هدد عدم تمرير مشروع القانون. وخلال حديث لي مع النائب وليد طه، أكشف عنه هنا لأول مرة، يومين ما قبل طرح القانون مجددا في لجنة الداخلية، اِتضح لي أنه يريد أن يُحدث فصلا تاما بين العملية وطرح القانون وبث مواصلة العمل باعتيادية وقطع أي تأثير لها، حاول هل نجح؟ بكل تأكيد لا. ليدخل على الخط هنا بنهاية المطاف سكرتير الحكومة شالوم شلومي ليكون سلما لكلا الطرفين للنزول من على أعلى الشجرة التي صعدا إليها. أجرى محادثة هاتفية، "محادثة مؤتمر ثلاثية"، وقد اتفقوا على الجلوس صباحا للتوصل إلى تفاهمات، جلسا وتوصلا إلى صيغة توافقية كان واضحا مسبقا أن كل طرف لا بد أن يُقدم تنازلات لحساسية الاجواء وانعكاساتها على ائتلاف برمته، وكما جرت العادة في كل قضية خلافية لا بد أن تُقدم الاطراف دائما تتنازل للتوصل إلى تسويات. وهذا ما حدث فعلا، توصل الطرفان لصيغة توافقية بموجبها يعتمد القانون على ثلاثة معايير مهنية أساسية:



1- خطة شمولية مصادق عليها.

2- تقديم خطة مفصلة.

3- تعهد بدفع الاستحقاقات المالية المترتبة للسلطة المحلية.

وتم شطب البند "ب " في الصفحة الثالثة من صيغة القانون بشكل كامل، بمعنى شاكيد أصرّت على عدم ربط البيوت التي صدر ضدها أوامر هدم وأبقت الكفالات البنكية، بالإضافة إلى ابقاء المخطط التفصيلي كشرط حد أدنى لربط البيوت بالكهرباء.



الموحدة تصرّفت بحكمة ومسؤولية معًا، بعيدًا عن تسجيل صور نصر آنية عملت بضبط نفس، وهذا ما اتفقا عليه شاكيد ووليد، التعتيم وعدم الحديث في الموضوع نظرًا لحساسية الموقف.  



الموحدة سرعان ما أدركت أن عليها في ظل الأجواء الأمنية والسياسية العامة الكدرة التي فرضها الواقع أن تُقدم تنازلت، خاصة والقانون صُبغ بصبغة قومية وطنية، وهناك من فهم الموضوع على أنه طعج أيادي بين الطرفين، فمن سينجح العربي أم "اليمينية اليهودية"! ما كان يُعرّض كل القانون لخطر النسف وعدم المرور بتاتا.



وبالنهاية وبعد التوصل للصيغة التوافقية نجح رئيس لجنة الداخلية النائب وليد طه بتمرير القانون بالإجماع، 7 أصوات دون وجود أي معارض لمشروع القانون. أينعم، ربما لم يكن هذا النص الذي أراده النائب وليد طه وليس هو الصيغة المثالية المرجوة، ولكن ما كان أولى أن يفعله؟ التعنت، وبالتالي تعريض مشروع القانون لخطر الاسقاط وذهاب جميع الجهود أدراج الرياح أم الدخول إلى مفاوضات تُقدم خلالها الأطراف بعض التنازلات المتبادلة واستغلال الفرصة السانحة في هذه المرحلة لتمرير صيغة قانون تبقى أفضل بكثير من سابقاتها وغيرها؟ النائب وليد طه مال للشق الثاني وهذا ما كان، وهذا ما كتبه لي ثواني بعد المصادقة على مشروع القانون، معبرًا عن سعادته، نعم وبكل تأكيد، تسجيل صورة نصر تصب في مصالح الموحدة التسويقية السياسية:

"قالوا عني وليد العنيد"!

أنا مصر على ربط البيوت العربية بشبكة الكهرباء بناءً على أسس التخطيط وبذلك ننهي إلى الأبد العذاب الذي يعاني منه الانسان العربي جراء أوامر الهدم وأوامر الإخلاء والمصروفات الباهظة للمحاكم والمحامين!"

ليخرج رئيس الموحدة النائب منصور عباس هو الآخر بالمقابل بتصريحات تتعلق بالخطة الاقتصادية الخمسية "تقّدم" التي عُرضت في كفر قاسم في نفس اليوم، الثلاثاء الماضي، ليُكرّس حصة الموحدة فيها بعد مؤتمر كله علاقات عامة وتقاسم حقوق الملكية "الكريديت" على الخطة وليُثبّت ختم الموحدة عليها كمنجز آخر يُضاف إلى منجزاتها كما تُروج لها، هل خروجهما معا عبثي؟ بكل تأكيد لا، خروجهما معا، وكل من "جبهته"، كان بالتنسيق التام لخلق "عربة الناجح" و "ضربة حاسمة" تعبيرًا عن أن الموحدة تُنهي أحد أهم مراحل عملها في هذه الفترة، وليخرج في ساعات المساء المتأخرة من نفس اليوم، جامعًا بين المُنجزين والتصريحين رئيس المكتب السياسي ابراهيم حجازي مصرحًا: مبروك لمجتمعنا العربي، نفذنا ما وعدنا به.  



لتنتهي بذلك مرحلة وفصل آخر من فصول العلاقات "المتكهربة" بين مركبات الائتلاف، ولكن اندلع في لجنة الداخلية عند التصويت خلاف متكهرب بين النائب غيداء ريناوي زعبي والنائب أحمد طيبي، ما الذي حدث؟  



"اقعدي يا غيداء... عيب عليكِ شو هاذ! بتقارني بين السعدي وستروك، كيف؟!"



عند مداخلة النائب أسامة السعدي وطرحه لتحفظات المشتركة حول قانون الكهرباء، وللحق كانت مهنية ومشروعة، وعلى الرغم من أن المشتركة أكدت مسبقا أنها ستُصوّت مع القانون وصوتت مع بالنهاية، رغم أنها ترى به قانون منقوص وأن قانون الطيبي أفضل منه، بكل تأكيد لاعتباراتهم السياسية. ما أنهى النائب أسامة السعدي مداخلته حتى أبدت النائب غيداء ريناوي زعبي عن ميرتس ملاحظة اعتراضية، باعتقادي وبكل تواضع لم يكن لها أي داع وتُعبّر عن قلة خبرة وعدم فهم ديناميكية العلاقات بين النواب العرب داخل اللجان، مؤكدة أن هناك تتطابق بين موقف النائب "أوريت ستروك" اليمينة والسعدي، لينفجر غضبًا الطيبي ويُعبّر بطريقته عن غضبه صارخا في وجهها: أقعدي ساكته وهاديه، عيب عليك!



الطيبي وضح لي أن المقارنة بين نائب هو "عدو للعرب" والسعدي هي اهانة تستوجب الاعتذار من اسامة وكل المجتمع العربي. 
انتهى السجال؟ طبعا لا؟ النائب غيداء كتبت لي ووضحت أن موقفها جاء من باب لفت الانتباه إلى أن موقف السعدي شبيه بموقف ستروك، وأنها لم تتوقع هذا التصرف المهين من قبل الطيبي الذي لطالما تصرف معها بكل احترام. لم تكتفِ، بل ذهبت وكتبت مدونة على "الفيسبوك": "الله يسامحك يا أحمد".

هنا أدركت أن السجال سيستمر، ليستمر فعلا عبر التويتر وأيضا صباح اليوم التالي، الاربعاء، في لجنة المالية عندما أضافت وقالت: "نحن جيل جديد من النساء السياسيات العربيات، لن نتجاوز تفكير رجال السياسة أنهم هم أصحاب البيت".

لتترسخ لدي القناعة أن السجال يأخذ حقًا الطابع "النسوي" وليس السياسي، فهي سعت لتوظيف واعتماد اللعب على وتر الجندرية والذكورية وتسلطها ضد النساء مبالغةً، وبالتالي تقمص دور الضحية وتأليب الرأي العام على النائب أحمد طيبي، استقواء الرجال على النساء!

أتفهم ألم وغضب النائب غيداء ريناوي زعبي، فصاحب الألم أدرى بوجعه.  

كنت أتمنى أن لا  تصل الأمور بين الطرفين إلى ما آلت إليه، ولكن تماما كما توقعت تحليلا عند نشرها لمدونتها عبر الفيسبوك، أنها ستأخذ الموضوع للبعد النسوي ولماذا؟ واضح، تقمص دور الضحية ليطفو على السطح موضوع "السلطة الذكورية" وقمع الرجال للنساء، والناس تتعاطف مع الحلقة الأضعف وصاحب الفرص الأضعف "underdog" وليس صدفة قالت: "لن نقبل (اي نحن النساء، تحدثت باسم النساء) أن يتصرف رجال السياسة كأصحاب البيت"، لكن ليس مع كل "ضعيف" تتعاطف الناس! توظيف الموضوع ومنحه الصبغة النسوية يُعبّر عن ضعف ويسفّه النضال النسوي، وفي السياسة و "المبنى" كل شيء متوقع، "القتال" بصلابة والكف عن التباكي مطلوب.

ليست هكذا تُورد الأبل النائب غيداء ريناوي زعبي، هذا النشر يُسيء لك مرتين، مرة عندما لجأتِ لحل الاشكال علنا (وهذا حقك)، ومرة عندما لجأتِ لأسلوب لن يُظهر فيكِ، إلا مواطن الضعف، فمن اختار الدخول إلى حقل مليء بالألغام ووكر ذئاب يجب أن يكون أسدا بينهم!

أما النائب أحمد طيبي فكان عليك ضبط النفس والتحلي بالصبر، ونعم، بلع الضفدع وعدم السماح لأن تأخذك الحمية وتدفع بك إلى الخروج مدافعًا، بالذات عن النائب أسامة السعدي، وقد عودت الجمهور العربي أن "تفزع" لكل نائب عربي، ولكن حين يُهاجمه اليمين على وجه الخصوص. 
الموضوع لا يحتاج "فزعة" يا جماعة! أيُعقل أن تنطلي مقارنة النائب أسامة السعدي مع "ستروك" على الناس والجمهور؟!

ليرُد الطيبي الذي بدى أكثر هدوءً في جلسة المالية، يبدو استخلاصا للعبر: "نعم، لا داعي للمس بالأخرين، لكن أيضا لا داعي لإهانة الاخرين. المقارنة بين من تُعتبر عدو لشعبنا واسامة السعدي هي إهانة له ولنا جميعا.

لتبقى المواقف فقط سياسية، ولا داعي لمنحها تأويلات غير صحيحة".  

تكسير مجاديف غيرك بكل تأكيد أبدًا لن يُسرّع سفينتك.  

عالجوا قضاياكم بعيدا عن الاعلام، ولا داعيَ لانتقاص أحدكم من الآخر، كلكم دون استثناء، فكل ذلك فقط يُسيء لكم، ربما أتفهّم الزلّات في لحظات الغضب وعند "ثورة الغضب"، رغم أن الكيس يظهر عند الغضب، أما مواصلتها إلى ما بعد حدوثها فيُعد منقصة لمن يقوم بذلك بعد انتهاء الحدث.

تجاوزوا هذه "الكبوة" والهفوة ولا داعي للوقوف عندها كثيرًا، وبما أنكم تتحدثون عن مصالح الشعب، فالشعب ومجتمعكم يئن تحت وطأة العنف، كونوا نموذجًا، وقدموا صورة علنية مشرّفة له بالتسامح والاثار.  

الموحدة تواصل تقدمها من مرحلة لمرحلة، فهل تصريحات منصور عباس في الشأن السياسي الاقليمي، وكذلك توبيخ النائب وليد طه لشيكلي هي انتقال للمرحلة القادمة؟  

تصدى النائب وليد طه للنائب شيكلي خلال مؤتمر "وقف اعتقال الاطفال الفلسطينيين" أمس الاربعاء في الكنيست، وصاح في وجهه: "اِخجل على نفسك، هناك شعب آخر يرزح تحت احتلال يجب أن ينتهي، لن تخرج بصور جيدة من الاحتلال. لكي تتعزز قيمك لأنك الآن بدون قيم".



هذا التصريح ملفت وهام، والمُلفت أكثر تصريحات النائب منصور عباس أيضا التي جاءت في "چالي تساهل" عندما ألمح خلالها أن الحكومة يجب أن تُبدي الاهتمام بالملف الفلسطيني وعدم تجاهله قبل عدة أيام.
 فهل تصريحات النائب وليد طه تعكس مرحلة جديدة من العمل بعد تجاوز مرحلة الميزانيات؟، والموحدة تعمل وفقا لسلم أولويات محكوم بوقت، بمعنى تنتقل من مرحلة إلى مرحلة أخرى. 
لربما هذا التصريح يأتي في اطار بدء التمهيد لتحريك مياه العملية السياسية الراكدة بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني، رغم أن الموحدة تحاول عدم نبش هذا الموضوع وتهتم بالأمور المدنية فقط وتحاول الابتعاد عن العمل فيه حاليا كمن يُحاول الابتعاد والفرار من نار الهشيم، نظرًا لتركيبة الائتلاف التي لا تُتيح ذلك، أم هو مجرد توبيخ عابر لشيكلي الذي لم يعد له "ظهر" في الائتلاف بعد خروجه منقلبا عليه بشكل علنيّ ويعكس فقط مشاعر وطنية جيّاشة، أم مجرد تصريح عابر؟ عابر؟! لا أعتقد ذلك، في سياسة عالم الرسائل كل شيء وارد.



جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020