احتكار مصر لإعادة إعمار غزة يخدم إسرائيل وحمــــاس

هـــآرتـــس

تسيــفي بارئيـــل

ترجمــة حضــارات

احتكار مصر لإعادة إعمار غزة يخدم إسرائيل وحمــــاس 


لوحات إعلانية ضخمة عليها صورة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تزين شارع الكورنيش في غزة الذي يربط الشريط الشمالي بالجنوب، بعد أسابيع قليلة من جولة القتال الأخيرة، وبعد مفاوضات بين حمـــ اس ومصر و"إسرائيل"، دخلت عشرات الجرافات المصرية إلى هناك، برفقة حوالي 70 مهندسًا بهدف البدء في إعادة إعمار غزة.

أولاً، قاموا بإزالة أنقاض المنازل المتبقية من القصف الإسرائيلي. أعادت شاحنات الحصى والقطران رصف شارعين رئيسيين. بعد ذلك، سيساعد المصريون في بناء بنية تحتية إضافية للطرق، كجزء من مساهمة معلنة قدرها 500 مليون دولار لإعادة إعمار القطاع.

المستفيد الرئيسي من برنامج إعادة الإعمار هو شركة بني سيناء، وهي شركة مملوكة لرجل الأعمال البدوي إبراهيم العرجاني، والذي يشغل أيضًا منصب زعيم قبيلة ترابين وجمعية زعماء العشائر في شمال سيناء، والتي تتعاون مع المخابرات المصرية في الحرب على المنظمات "الإرهابية". 

العرجاني، الذي يمتلك بعض أكبر شركات المقاولات في مصر، تعمل وفق توجيهات المخابرات المصرية، والأخيرة بدورها تأخذ جزء من هذه المساعدات المصرية لقطاع غزة ومرور البضائع من مصر إلى غزة، خاصة تلك التي تعبر الحدود عند معبر صلاح الدين.

ليس فقط في عمليات إعادة الإعمار الأولية في غزة احتكار مصر، بالتشاور مع "إسرائيل" والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، اضطرت قطر للموافقة على آلية جديدة لتحويل أموال المساعدات، والتي بموجبها ستدفع لمصر مقابل النفط والوقود اللذين ستزودهما مصر لحمــــ اس، بينما تبيع حمـــ اس وقود لمحطات الوقود في غزة. وُلد هذا الاتفاق الملتوي من معارضة "إسرائيل" لتحويل قطر نقودًا في حقائب سفر إلى حمـــ اس، وستقوم بتوزيعها على حوالي 100.000 عائلة محتاجة، هذا على أساس أن حمـــ اس تستخدم هذه الأموال في احتياجاتها العسكرية.


لم تكن صور الحقائب فقط هي التي سعت "إسرائيل" إلى إزالتها من الخطاب النقدي، أرادت أن تثبت أنها لا تساعد حمــــ اس طالما أنها ترفض الإفراج عن الأسرى وجثث الجنود الإسرائيليين. كان هذا هو التزام وزير الدفاع بني غانتس، الذي قضى بأن إعادة إعمار غزة سيعتمد على اتفاق للإفراج عنهم، لكنه أيضًا، فهم أن الشرط الذي وضعه كان غير واقعي، بعد "محادثات ذهنية" معنية مع مسؤولين مصريين وأمريكيين، والتي تم توضيحها له أن حجب المساعدة قد يشعل جولة أخرى من الحرب في غزة ويهدد قدرة مصر على القيام بالتوسط.


اقترحت مصر أن تكون الناقل غير المباشر للمساعدات القطرية التي ستصل إلى حوالي 30 مليون دولار شهريًا، ولكن إذا تم تقسيم المساعدات في الماضي إلى ثلاثة أقسام أحدهما للدفع المباشر للمحتاجين، والآخر لشراء الوقود لمحطة الطاقة والثالث للمشاريع المصممة لخلق وظائف جديدة وتخفيف البطالة العميقة التي تصل إلى أكثر من 60٪ وبحسب الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 18 تشرين الثاني (نوفمبر)، سيتم تحويل 10 ملايين دولار للمحتاجين بواسطة مصر، وستشتري الوقود للبيع في قطاع غزة. 

زُعم أن مصر وقطر تعهدتا بعدم استخدام الأموال في أغراض أسلحة ومعدات لحمـــ اس، لكن لا توجد آلية إشراف فعالة، مصرية أو غير ذلك، يمكن أن تمنع حمـــ اس من قضم حصتها من عائدات مبيعات الوقود.


حاولت "إسرائيل" تجنيد الإمارات لتكون وصيفة الشرف بدلاً من قطر، لكن تم رفضها، أوضحت أبو ظبي أنها ستكون على استعداد للمساعدة في إعادة بناء غزة فقط إذا كانت مصر هي الوسيط وهو موقف متفق عليه بين الإمارات والأردن والمملكة العربية السعودية في مايو، عندما التقى  محمد بن زايد، لبضع ساعات مع العاهل الأردني الملك عبد الله في مطار عمان.


إلى جانب عمليات إعادة الإعمار، تعد مصر أيضًا موردًا لمواد البناء والسلع الاستهلاكية التي تصل إلى غزة عبر معبر صلاح الدين، والذي يتم من خلاله استيراد 17٪ من البضائع التي تدخل القطاع. 

ويبلغ حجم التبادل التجاري عبر هذا المعبر نحو 55 مليون دولار شهرياً، تجمع حمــــ اس منها نحو 14 مليوناً كرسوم وتعرفة، المفارقة هي أنه مع زيادة حجم الواردات عبر مصر، تفقد السلطة الفلسطينية المزيد من الإيرادات، حيث يحق للسلطة مدفوعات جمركية على البضائع التي تصل إلى القطاع عبر "إسرائيل". 

وهكذا، بينما يسعى رئيس الوزراء ووزير الدفاع لإقناع الدول المانحة بمساعدة سلطة على وشك الانهيار الاقتصادي، فإنهما يقضيان على عائداتها، وذلك مرة باقتطاع المستحقات من الجمارك التي تجمعها "إسرائيل"، كجزء من قانون منع تمويل عائلات الأسرى والشهــــ داء الفلسطينيين، ومرة ​​ثانية في تقليص حجم التجارة من "إسرائيل" إلى قطاع غزة على حساب التوسع من مصر.

في مقابل السيطرة المصرية على التجارة مع قطاع غزة، زادت مصر عدد قوات حرس الحدود على طول غزة، وتمارس ضغوطًا شديدة على حمـــ اس للتنازل عن مطالب وشروط صفقة تبادل الأسرى والجثث.

في أكتوبر، تم استدعاء مصري لوفد رفيع من حمـــ اس لمناقشة اتفاق التبادل، وبدا أنه تم التوصل إلى اتفاقيات من حيث المبدأ كان من الممكن أن تكون الدافع وراء هذه الخطوة. لكن بحسب مصادر فلسطينية، لم تتأثر "إسرائيل" بهذه التنازلات، وقالت مصادر إسرائيلية لصحيفة "هآرتس" إنها ليست تنازلات بل صياغة مختلفة لشروط غير مقبولة.

على أرض الواقع، يتبين أنه على الرغم من الشرط الإسرائيلي الذي يربط صفقة التبادل بإعادة إعمار غزة، فإن الأموال القطرية لغزة ستستمر في الدخول، وستواصل مصر عمليات إعادة الإعمار بالوتيرة التي تحددها، مع صفقة التبادل أو بدونها. 


أين السلطة؟ 

إن قضية إعادة إعمار غزة ليست منفصلة عن سياسة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي تدرك إدارته أنه لا توجد حاليًا "جدوى سياسية" لدفع عملية سياسية شاملة، ولكن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة يحتاج على استعداد للمساهمة بسخاء في إعادة إعمار غزة مقابل اتفاقية وقف إطلاق نار طويلة الأمد مصحوبة بضمانات بعدم اتخاذ أي من الطرفين إجراءات من شأنها الإضرار بنتائج إعادة الإعمار.


من أجل ترجمة هذا الموقف المبدئي إلى واقع، تحاول مصر الوصول إلى اتفاقات مع حمـــ اس حول القضايا الأساسية، أهمها استكمال المصالحة بين حمـــ اس وفتح. 

وبحسب المسؤول البارز في حمـــ اس طاهر النونو، فقد قدمت مصر إلى حمـــ اس مسودة وثيقة تتضمن تفاصيل ترتيبات المصالحة على أساس محادثات المخابرات المصرية مع شخصيات بارزة في حمـــ اس.

من السابق لأوانه تقييم مدى نجاح مصر في دفع عجلة المصالحة، خاصة وأن محمود عباس يقوم الآن بحملة مستقلة لدفع العملية السياسية مع "إسرائيل".

التقى هذا الأسبوع بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وطلب منه بدء مؤتمر للجنة الرباعية، التي تشارك فيها روسيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، لبدء العملية. 

هذا استمرار للإنذار الذي وجهه لـ"إسرائيل" في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي بموجبه أمامها عام لإنهاء المفاوضات والانسحاب من الأراضي أو أن السلطة الفلسطينية ستناشد محكمة العدل الدولية لإلزام "اسرائيل" بالانسحاب.

في غضون ذلك، لا يبدو أن "إسرائيل" متحمسة، خاصة في ظل موقف واشنطن وعدم اهتمام بوتين بالتدخل في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.


حتى عودة المصالحة بين حمـــ اس وفتح، تحاول مصر إقناع حمـــ اس بالسماح بوجود ممثلين للسلطة الفلسطينية في غزة، ولو بشكل رمزي، وذلك لإظهار أن عمليات إعادة الإعمار لا تتم فقط مع حمـــ اس، وأنها تعمل وفقًا للاتفاقيات السابقة التي تتطلب وجود مسئولي جمارك نيابة عن السلطة الفلسطينية على المعابر الحدودية مع مصر، كما تتأكد مصر من أن جميع أعمال إعادة الإعمار في غزة تتم من خلال شركة بني سيناء التابعة للعرجاني وليس مباشرة من خلال الجيش المصري، على الرغم من أنه مسؤول عمليًا عن الأعمال، بحيث يمكن توقيع اتفاقيات عمل مع مقاولين من غزة دون "تورط" الحكومة المصرية بالتعاون الاقتصادي المباشر مع حمـــاس.

وبهذه الطريقة، ستكون مصر أيضًا قادرة على الاستفادة من التمويل من المملكة العربية السعودية والإمارات، اللتين لا تريدان حاليًا اتصالًا مباشرًا مع حمـــ اس، لكنهما على استعداد لمساعدة مصر في الحفاظ على احتكارها للسيطرة على القطاع.


يتماشى توسيع سيطرة مصر على غزة مع سياسة "إسرائيل"، التي تعرّف غزة على أنها كيان منفصل وبالتالي تضمن استحالة التوصل إلى اتفاق سياسي من الجانب الفلسطيني أيضًا. وبحسب هذا الرأي، طالما أنه لا يوجد تمثيل فلسطيني موحد ومتفق عليه، فإن "إسرائيل" ليس لها شريك فلسطيني، وبالتالي لا ينبغي التعامل معها؛ بسبب الادعاءات بأنها لا تجد أي جدوى من المفاوضات.

يتعارض هذا الموقف ظاهريًا مع نهج مصر الرامي إلى تعزيز المصالحة بين فتح وحمـــ اس، والتي ينبغي أن تؤدي إلى انتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية انتخابات قد تفوز فيها حمـــ اس، لكن "إسرائيل" علمت أن بإمكانها الاعتماد على محمود عباس لشغل دور البواب لها، بعد أن ألغت بالفعل الانتخابات التي كان من المفترض إجراؤها في مايو ولم تحدد موعدًا جديدًا. يمكن لـ"إسرائيل" دائمًا أن تمنع الانتخابات في القدس وبالتالي، فإن سحب شرعية هذه الانتخابات، وخاصة أن الانقسام العميق بين حمــ اس وفتح يخدمها.


مصر ليست عمياء عن الاعتبارات الإسرائيلية ولم تعد تدعو إلى حل شامل للصراع. هدفها "المتواضع" هو إرساء وقف طويل الأمد لإطلاق النار يشمل مسؤولية حمـــ اس الكاملة عن جميع الأسلحة في قطاع غزة، بما في ذلك تلك التي تخزنها وتشغلها منظمات أخرى، ووقف المقـــ اومة العسكرية في الضفة الغربية والقدس الشرقية لضمان إعادة الإعمار والبقاء الاقتصادي، لكن بحسب المتحدثين باسم حمـــ اس، حتى هذه المطالب لا تنزلق بسهولة في حلق المنظمة. سيطرته على الحركات الأخرى غير مكتملة، وتكثف نشاطها في القدس والضفة الغر

بية بعد جولة القتال الأخيرة وهي مقتنعة بأن الردع الذي شنته ضد "إسرائيل" يؤتي ثماره بالفعل، مثل المساعدة التي تتلقاها من مصر وقطر.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020