كان ياما كان

أسامة سعد

مستشار قانوني

​​​​​​​

بقلم المستشار/
 أسامة سعد
11/05/2022م

كان يا ما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، هي عبارات كانت تسردها أمهاتنا لنا ونحن صغار عندما تحدثننا حكايات الماضي الغابر الذي لا يعود، وما حمل هذا الماضي من آمال وآلام من سعادة وشقاء وفرح وبؤس، ومن أجمل الحكايات التي كانت تحكيها الأمهات والجدات هي حكايات الوطن والأرض والحصاد، تلك الحكايات التي كانت تثير في النفس السعادة والبهجة، ثم يعقبها قصة الاحتلال والمجازر والهجرة وما تورثه في النفس من هم وغم وحزن، كان السؤال الملح الذي يقرع أدمغتنا الصغيرة بشدة لماذا لم ندافع عن أرضنا عن حقنا عن شعبنا؟، وكان جواب الأمهات والآباء البسيط لم يكن لدينا سلاح ندافع به عن أنفسنا ولم تسعفنا الجيوش العربية التي دخلت لنصرتنا فسلمت البلاد للصهاينة وهُجرنا عن مدننا وقرانا وسكنّا مخيمات اللاجئين.

اليوم بعد 73 عاماً من النكبة التي حلت بشعبنا نحن أيضاً نحكي لأطفالنا حكايات الوطن ولكنها ليست مثل تلك الحكايات التي كنا نسمعها ونحن صغار، وإنما نحكى لأطفالنا حكايات العز والشرف والكرامة، نحكى لهم حكايات يتغنى بها العرب والمسلمون في كل بلادهم، بل إن حكاياتنا هي حكايات العزة والكرامة المفقودة في بلاد العرب والمسلمين، ومن أجمل حكاياتنا التي نحكيها هذه الأيام هي حكاية تحطم أسطورة جيش الاحتلال الذي كان لا يقهر فقهرناه، وكان لا يهزم فهزمناه، وكان لا يذل فأذللناه.

نحكى لهم كيف يهزم بطل من أبطالنا دولة، وكيف يهرب أمام ثائر من ثوارنا جيش، وكيف يفرض مجاهد من أبنائنا منع التجول على عاصمة الاحتلال، نحكى لأبنائنا ونقول لهم كان ياما كان أن عَطّلت المقاومة مطارات وموانئ العدو وقصف بمئات الصواريخ مدن العدو ومستوطناته، ونحكى لهم بكل فخر كيف نقلت عدسات الإعلام مشاهد الدمار والخراب من مدن العدو ليشاهدها العالم أجمع، تلك المشاهد التي لم يكن يشاهدها العالم إلا في المدن الفلسطينية، نحكى لأبنائنا بكل عزة كيف أن النار تواجه بالنار، والدم يواجه بالدم، والقصف بالقصف، وكيف أن الاحتلال الذي لم يكن يهدد زمن الآباء والأجداد ولكنه كان يفعل مباشرة كيف أصبح هذه الأيام عاجز عن اتخاذ قرار فيجتمع مجلس وزرائه المصغر لأربع ساعات كاملة دون القدرة على اتخاذ قرار وهي ليست المرة الأولى، وكيف دفعه عجزه لاستخدام التهديد وسيلة لمداراة عجزه عن الفعل، وكيف أن تهديداته لقيادة شعبنا لم تهز شعرة من رأس أصغر طفل فلسطيني وأن تهديداته تهديدات العاجز الجوفاء الخاوية التي يطلقها ليكذب بها على شعبه الذي أصبح شعوره الطاغي هو شعور فقدان الأمن، نقول اليوم لأطفالنا كان يا مكان، كان قبل سنوات يجتاح جيش العدو جباليا والزيتون والشجاعية وخانيونس ورفح فيقتل وينسف البيوت ويعتقل ويعود، وكيف أصبح اليوم عاجز عن التقدم ولو أمتار قليلة في أرض غزة، وكيف صنع ثورانا هذه المعجزة الذي بدأها من سبقهم من أسلافهم، نقول لأطفالنا كان ياما كان أن أنطلق المجاهدون لقتال العدو في زمن الضعف والهوان العربي لا يملكون إلا بضع رصاصات في مسدس وبضع طلقات في رشاش كارلو وكيف أصبح اليوم صاروخ عياش يضرب كل شبر في مدن العدو من أم الرشاش وحتى رأس الناقورة، أجل نحكي لأطفالنا اليوم كيف فرض ثوارنا قواعد اشتباك على العدو وكيف فرضوا معادلة توازن الرعب، وكيف جعلوا من قرار الحرب الذي كان يتخذه قادة العدو بكل بساطة ليرفعوا أسهمهم الانتخابية بالدم الفلسطيني كيف أصبح هذا القرار من أصعب وأخطر القرارات التي يمكن لزعيم صهيوني أن يتخذه وذلك لعدم القدرة على تحمل تبعاته، وفي ذات الوقت كيف أصبح قرار قصف عاصمة العدو أسهل عند المقاومة من شربة ماء.

إذا كنا اليوم نحكي لأطفالنا قصص البطولة والفداء فأنني على يقين أنا قريباً جداً سنحكي لهم كان يا مكان أن كانت فلسطين محتلة من الصهاينة وحررها أبطالنا من هذا العار بالدم والنار.

سنحكي حكاية تحرير فلسطين وسنروي لهم الحكاية من البداية حتى النهاية ولكن بصيغة الماضي الذي لا يعود، أجل ستحرر فلسطين والاحتلال سيصبح جزءً من التاريخ الذي لا يعود.





جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020