اغتيال الكلمة تحت شجرة البيلسان

جمال الهور

أسير فلسطيني وكاتب


بقلم الأسير الكاتب/ 
جمال الهور "أبو تقي"
2022/5/28م

رن الهاتف في غرفة العمليات السرية في مبنى هيئة الأركان الصهيونية، فهرع رئيس هيئة الأركان "آفي كوخافي" مسرعًا، لعلمه المسبق أن هذا الهاتف لا يقرع جرسه إلا بأمر من رئيس الوزراء الصهيوني.

رفع السماعة وقال بالعبرية "نعم"، كان المتكلم على الطرف الآخر يتنفس بغضب، ثم سأل: "لماذا لم ينفذ الأمر حتى الساعة؟"، فرد كوخافي على رئيس حكومته: "أنتظر اللحظة المناسبة"، فصرخ بينيت: "هذا كلام تافه، منذ عشرين سنة وأنتم تنتظرون اللحظة المناسبة، منذ عام 2002م زمن حكومة شارون اتخذ قرار باغتيالها، وحتى اليوم تبحثون عن اللحظة المناسبة، هذه مهزلة، إنها مهزلة، نَفِّذ القرار قبل طلوع الشمس"، وأغلق الخط.

القناص من بين الركام صاح بارتباك: "سقط الهدف"، قائد الحملة العسكرية على جنين المسماة "كاسر الأمواج" في مكالمة هاتفية إلى رئيس الأركان: "نُفِّذَ الأمر، لقد أرسلتها إلى السماء".

كان الفجر والقدر يعترجان في فم الرصاصة، الفجر يزوي شمسه وراء قطبٍ غيبي لأن شيرين هبطت في أرض المعركة من علياء الشجاعة لتكتب الحقيقة، والقدر ينضح بأزيز رصاصة متعطشة للغدر، وكان الفجر ضعيفًا بقيمه الشفافة، بينما كان القدر وحشيًا بأدواته المستخدمة، كان صوت الفجر شحيحًا مبحوحًا ومبللًا بندى الأمل، بينما كان صوت القدر نعيقًا غرابيًا مجبولًا بالدم، وكانت شيرين بينهما تمشي بخطىً ثابتة فوق تراب الحقيقية، حتى اتخذت من شجرة البيلسان لها ظلًا ظليلًا، ومن الشهداء في مقبرةٍ من وراءها شهودًا على تفاصيل الحقيقة، واتخذت من حائط المقبرة ركنًا منيعًا.

لكن قناص الاحتلال كان قد كمن لها في عب الليل، ينتظرها بين جدران المدرعات حتى تنفس الفجر، وقد ألقم بندقيته رصاصة الغدر المختومة بختم الدولة، وما إن شقشق الصبح وكشف ستاره عن وجهها، وأطلت كشمس ناهدة في عين فلسطين كي تكتب الحقيقة وتروي الحكاية، حتى باغتها الغدر المتوشح بالموت، فارتقت شيرين واغتيلت الكلمة، ولكن الحروف المجبولة بدم الشهيد قلبت السحر على السحرة المستعمرين، ونقشت طُغرَّائية الحقيقة على جبين الكون.

شيرين صوت الحقيقة في زمن الجعجعة السياسية العقيمة، وصدق الكلمة في أذن قواميس اللغات الخرساء ولهجات الدخيل المزيفة، شيرين فلسطينية المذهب وملتقى لجمع البحور الثورية، ففي مذهبها تراتيل الفجر وترانيم المجد تُعزَف معًا على وتر تحرير الوطن المرتقب، وفي حجر ناديها الإعلامي تتساوى رايات الثورة وتختزل ألوانها في علم الوطن، شيرين خبز الفقراء وحليب الرضع وضمادات الجرحى وكفن الشهداء في زمن المستعمرة، وهي دمع الأمهات الثكالى وأنات الآباء المكلومين وانشطار قلوب الزوجات والأخوات وصبايا الوطن السليب في زمن مصادرة الحياة.

شيرين لهيب البنادق الثائرة في جبال فلسطين، ولحن الرصاص الحر المدوِّي يقض مضجع المحتل، شيرين حفيف أشجار الزيتون، وتمايل سنابل القمح وشموخ نخيل الرمل، هي ألوان حَنُّون الجبل المتمرد على جرافة المستوطن، هي زقزقة عصافير الدار وتغريدة الشحارير في زهو الربيع، هي خرير مياه النبعات وبيسان الجليل المتدفق.

شيرين موجات طبريا العصية على الترويض، وهي صمت البحر الميت وهدير المتوسطـ، هي صوت الطبيعة الصارخة إلى الحرية في وجه المستعمر، شيرين عبير الزعفران والقرنفل وعبق بهارات القدس المعبقة في شقوق حجارة الكنعانيين، هي السور المرصوص حامي القبة والمنارة، هي ثوب المدينة المقدسة المطرزة بالمآذن والقباب والمنارات الشامخات شموخ التاريخ في الماضي والحاضر والمستقبل.

شيرين صوت الأسرى الصارخ في وجه السجان، ونبضهم الثائر على القيد، وحلمهم النازع إلى الحرية، وهي حقيقتهم الصريحة في وجه الخداع السياسي والخذلان الثوري، هي وتدهم الثابت في أرض الكثبان السياسية المتحركة في زمن السراب والضباب الخطابي.

اغتيلت شيرين لتموت الحقيقة والكلمة والقلم، فجاءت الحقيقة صريحة، لقد دُبِّرَ الأمر بليلٍ استعماريٍّ طويل، وجاءت الحقيقة الصادقة، صدقت الله فصدقها فكانت شهادة مرضية، وجاء القلم حرًّا بليغًا ومداده الدم، وما كُتِبَ بالدم فلن يمحى من ذاكرة الشعب والتاريخ، فهنيئًا لك الشهادة يا أخت الأسرى ويا وجه الجزيرة.



   



جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020