السجن الذي تحوّل إلى مفاعل لتخصيب الثقافة الحرّة

وليد الهودلي

كاتب وأديب فلسطيني


بقلم الكاتب والأديب:
وليد الهودلي



صبيحة يوم من أيام سجن عسقلان القاتمة نودي على أسماء عشرين معتقلًا، قالوا كلمتهم المشؤومة: " نقل على سجن هداريم، بسرعة حضّروا حالكم، معكم خمس دقائق".

أتاحوا لك في خمس دقائق أن تنسلخ من ذكرياتك وأجمل علاقاتك في سجن عايشته أكثر من عشر سنوات، تلملم أغراضك: كتبك، دفاترك، ملابسك، تودّع أناس أصبحوا كأهلك أو أشدّ قربًا وحبّاً، من هذه الغرفة الكبيرة التي تتسع لعشرين معتقلًا وتشكّل أسرة متنوعة تنوّعًا جميلًا ومثيرًا، ومن هذه الساحة التي تضخّ لها الغرف كلّ صباح قرابة ثلاثمائة معتقل، يدورون فيها دورة الصباح ودورة المساء، يتناجون ويتناولون أطراف حديث السياسة والصراع مع المحتلّ داخل السجن وخارجه، غرف تشكل مستطيلًا يحيط بالساحة على طابقين، بناء قديم شامت، تعاقب عليه أجيال من الأسرى المعذّبين، من أيام الانتداب البريطاني الى هذا اليوم وهو مكان للتعذيب وحبس البشر، سجن شبّ وشاخ وبلغ من العمر عتيّا وهو على دأبه القاتل المريع.  

على عجالة سريعة حشوت أغراضي خوفا من نسيان شيء مهم ، كادت أن ترسل عيوني دموعها وانا أوشك على عناق أخوتي، رفاق حبستي، اغرورقت ولم أسمح لها بالمطر، انسحبت بهدوء متماسكًا قدر المستطاع.  

نعق السجان طالبا من المنقولين الخروج فورا، وبشكل آلي حيث اعتدت على تصوّر نفسي بأنّي بضاعة سوف يتم نقلها إلى مكان آخر في هذا الفضاء الرحب الذي يدعى سجون! تم دفع البضاعة خارج الغرفة ثم خارج القسم ثم بين لحظة وأختها وبسرعة عجيبة تم سلخي من هذا العسقلان، وجدت نفسي أنتظر على بوابته في غرفة ضيقة حشروا فيها بقية عناصر البضاعة، انتظرنا فيها ثلاث ساعات بين نكت تبدّد قتامة المشهد وتحليلات سياسية عصفت بهذه الغرفة الضيّقة وتوقّعات لشكل هذا السجن الجديد وأحواله الذي سمّوه لنا: " هدريم"، دخلنا عمق الكلمة ومعناها وهل سينطبق الجوهر على المظهر أم هو من باب التهكّم وتسمية الأمور بعكس محتواها، هداريم تعني حقول الحمضيات، ليتنا نشمّ رائحتها هناك كما هو الحال في سجن عسقلان.

بعد أربع ساعات ونحن في شاحنة البوسطة الحديدية التي أطلنا وصفها سابقًا، اشعر برغبة شديدة أن أختصر اليوم وصفها كي لا استعيد آلام العمود الفقري الذي خلخلته نقليات البوسطة وجعلت منه موطنًا لآلام ضيف ثقيل طاب له المقام طويلًا، وصلنا هداريم الذي لم نر من ملامحه إلا بوابته الالكترونية التي تفتح فمها بشكل واسع وكأنها تقول: " هل من مزيد"، جمعونا في قاعة واحدة في سجن هداريم ثم إنهم أرادوا أن يلعبوا لعبة، فكّر ضابط استخبارات السجن بطريقة رياضية، مقابلة مع ثمانين واحدًا من هؤلاء الكفاءات العالية لو جنّدت واحدًا منهم لكان إنجازا عظيمًا، ألا يمكن أن يكون أحدهم قد تعب من آلام السجن العاتية ومرارته القاسية؟  

بدأت اللعبة مع معتقل محكوم بعدة مؤبدات، في العقد الخامس من عمره، يعتبر من قيادات الحركة الاسيرة، أمضى منها خمس عشر سنة، نهاية المقابلة كانت ضربة معلم للمعتقل في عمق هذا الغرّ:

- ألم تتعب من هذه الحبسة الطويلة؟

- هل شكوت لك من هذا؟

- لا، لكني أودّ أن أعرض عليك مخرجًا من هذا النفق المظلم الذي أنت فيه والذي من المعروف أنّه لا نهاية له.

- تفضّل، أنا أسمعك.

- من الآخر، أعرض عليك فرصة ذهبية، اشتغل معنا على طول نحدّد لك المؤبد، وقد نعيد المحكمة لتخرج بحكم مخفّف.  

" حدّق في عينيه بعيون صقر، طالت قليلًا، ارتجف قلبه، ثم انقضّ عليه انقضاضه صقر لحظة الإمساك بفريسته:"

- كم هو راتبك؟

- ما لك ولراتبي؟ أعطني جوابك على عرضي.

- وأنا لديّ عرض، نعطيك ضعفي راتبك وتشتغل معنا، وتخرج من دوّامة الظالمين المستعمرين، هل تعلم أنّك في سجن أشدّ مرارة وقسوة وسوادا من سجننا؟

" نهض كمن لدغته أفعى كوبرا بسمّها القاتل:"

- هيّا مع السلامة، أتمنى لك إقامة جيدة في هذا السجن.  

- وأنا أتمنّى لك خلاصا جيّدا من هذه الوظيفة التي تقودك الى نار جهنّم.

" خرج هذا المؤبّد، صفق الباب خلفه، وقال بأعلى صوته:  

- يعرض علي أن أشتغل معهم هذا المعتوه.  

" قهقه كل من في القاعة، وعقب بردّه عليهم."  

سجن هدريم تصل اليه عبر ممرّ طويل يفضي إلى أقسام للسجناء الجنائيين، ثم تصل الى بوابة حديدية تفتح على الكهرباء ككلّ الابواب فهو سجن مكهرب من ألفه إلى يائه، مبنيّ على الطريقة الامريكية كالسجون التي نراها في أفلامهم، القسم مؤلف من طابقين على شكل دائري تحيط بساحة داخلية، كل طابق من عشرين زنزانة كل واحدة تتسع لسريرين وحمّام وبين السريرين نافذة مقطّعة بدوامر حديدية تأخذ نصف المساحة المتاحة في النافذة.

فرحنا كثيرا في هذه الزنازين بداية الأمر، فإن تجد نفسك مع شريك واحد في غرفة مهما ضاقت خير من تلك الغرفة العسقلانية التي يشاركك فيها عشرون نفرًا، الحمام هنا لاثنين بينما هناك لعشرين، هذه ميزة تكفي لتجعل من هذا السجن خمس نجوم، عدا عن أنه جديد لا رطوبة متعفنة من عشرات السنين في جدرانه ولا ما يحزنون رغم أنه شديد البرودة والحركة فيه ضيّقة داخل الزنازين وذو ساحة أيضًا ضيّقة بشبه منحرف لا تكاد تتسع لثلاثين أسيرا يتحركون فيها حركتهم الدائرية الضيّقة.  

وبدأ الصراع مع إدارة السجن، من نوعية الطعام ومن سيقوم بطهيه، على ساعات الخروج للساحة وساعة الرياضة الصباحية، وزيارات الاهل وإدخال الكتب لإنشاء مكتبة  وووو، وكانت إدارة السجن تريد لهذا السجن أن يبدأ من المربّع الاوّل دون اعتماد الاستحقاقات التراكمية التي حقّقتها الحركة الاسيرة في السجون.  

وكانت كلّ مسألة تشكّل نقطة صراع، فصلاة الجمعة مثلا كانوا يريدونها على مرحلتين كي لا يخرج كل الاسرى معًا؛ لأنّ هذا (على زعمهم) يشكّل خطرًا أمنيًا عليهم، خطب مرّة الشيخ الضرير عز الدين عمارنة؛ فشلّ عرضهم وغربل كيانهم بصوته الجهور الذي أراد لتل أبيب أن تسمعه، سمعه ضابط الأمن جيّدًا فقرّر زنزنته أسبوعين، أخذ معه مصحفه المطبوع على بريل وذهب راضيا منشرح الصدر، مبتسم الوجه أن عجّب عليهم وسجّل لحظة انتصار.  

وكان لا بدّ من اضراب مفتوح عن الطعام كي يثبت هذا السجن الجديد أرادته في معادلة صراع الارادات، صوّتت هيئة الحوار الفصائلية على الاضراب وتقرّر أن يبدأ مع الفاتح من شهر أيار عام 2000، في اليوم الرابع للأضراب، حيث يبلغ صداع الراس مبلغه، تتلوّى الأمعاء غاضبة، تضج المعدة بأحماضها القاتلة، وفي مرحلة حرجة حيث البداية المريعة لهذه المعركة الطويلة جاء مدير استخبارات سجونهم المدعو "اتسحاق جبّاي" ليعرض الاستجابة لنصف المطالب، اجتمعت الهيئة وقرّرت بغالبية عضو واحد الاستمرار.

استجابت بقيّة السجون لهذا النبض العالي المنطلق من سجن هدريم ودخلت الاضراب، واشتعل الشارع الفلسطيني بالمسيرات والمظاهرات، اندلعت انتفاضة حامية الوطيس سمّيت بانتفاضة الأسرى، وشهدت اشتباكات في كلّ المناطق، ارتقى شهداء وأوشكت الأمور أن تفلت من عقالها، رفعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تقاريرها للمستوى السياسي، المخاطر أصبحت عالية وكلفة الاحتلال صارت باهظة الثمن، قد تذهب الأمور إلى حالة يصعب الإمساك بها أو السيطرة عليها، وكانت مفاوضات مريرة مع صراع الأمعاء الخاوية القاسية، بدأت في اليوم الخامس والعشرين للإضراب، اضطرت إدارة السجون لجلب قيادات السجون الأخرى إلى هدريم ليكلّل هناك اتفاق تتحقّق فيه أغلب المطالب.  

مدير استخبارات سجونهم "جبّاي" يهوديّ عراقي الأصل، استوطن بلادنا ثم حبسنا في سجونهم ثم جاء يفاوضنا، جلس على رأس دائرة اجتماعات طويلة، وعلى الطاولة امتطى مقاعدها ممثلو الفصائل في سجون عسقلان ونفحة والسبع بالإضافة لهداريم، كانوا كالأسود الشامخة، عين على هذا المفاوض اللعين وعين على مجريات انتفاضة الأسرى التي اشتعل بها الشارع الفلسطيني، كانت بمثابة الرئة التي يتنفّسون منها والقوّة التي يستندون إليها والرافعة لرؤوسهم هنا في هذا الميدان:

" بخبث أدار عينيه محدقاً في عيونهم، كان لا بدّ من ابتسامته الصفراء التي يجيد رسمها، وجهه الناشف ومنطقه الأعوج يخبره الذين يشاركونه الطاولة تماما، هتف بتودّد مصطنع:

- استجبت لأهم مطالبكم في اليوم الرابع للإضراب، تصرون على إرهاق أمعائكم، ماذا كسبتم؟ أناس أزهقت أرواحهم في الخارج، السلام والأمن للشعبين أهم من كلّ شيء، بإضرابكم ضربتم الأمن والسلام، صعدتم شجرة عالية، الآن أنا من سينزّلكم عن هذه الشجرة.

- ما أشطركم في ضرب هذا المثال، لم تتركوا لنا شجراً لنصعد عليه، لو استجبتم لحقوقنا ما أضربنا، " ردّ عليه المخوّل للتحدّث باسم الفصائل، الشيخ صالح، كان متحفّزا بعيون ثاقبة يقف خلفها عنفوان عال وروح متوثّبة، يحاول جمع شتات ذهنه والتغلّب على صرخات أمعائه"  

- جئتكم بأخبار سارّة اليوم، مصلحة السجون استجابت لأغلب مطالبكم.

- " سارع الشيخ صالح بالردّ"

- كلّها دون أيّ استثناء.

- أنتم إذا تصرّون على الموت.

- نعم نصرّ على الموت لتوهب لنا الحياة. يلّا يا شباب هذه الجلسة مضيعة للوقت.  

" وهبّ واقفًا فهبّ معه عشرة رجال."

- اجلسوا اجلسوا يا شباب، أفاوضكم أنا خير من غيري الذين لا يتفهّمونكم جيّدًا، أنا محسوبكم طابخكم وعاجنكم .. " محاولًا تلطيف الأجواء"  

- فقط لن تستطيع هذه الأيام إنهاء عزل المعزولين، الدراسة الجامعية نصرّ على أن لا تكون إلا من خلال الجامعة العبرية، والهاتف، أتركوها للحوار قادم الأيام، وأنا أعدكم أن أبذل قصارى جهدي وأضع كلّ وزني في الموضوع.  

- هذه أصلاً أهم مطالب الإضراب، نحن على يقين أن من يتم تأجيله يصبح في خبر كان وعليه السلام.

" واستمرّ النقاش بضراوة وقوة ومن جانب "جبّاي" بخبث ودهاء ومحاولة التأجيل لبعض النقاط لإماتة موضوعها"  

تم الاتفاق على إنهاء عزل المعزولين والدراسة الجامعية، في حين أجلّ موضوع الهاتف وبهذا تم الاتفاق على وقف الإضراب"        

هذه المعركة كانت على السطح بينما كانت هناك توجّهات في السرّ وضعت نصب عينها أن لا نفرّط في هذا السجن وأن يتحوّل إلى أكاديمية للدراسات العليا، الكفاءات العالية موجودة، تبقى المكتبة وإدخال المراجع، وقد كان للإضراب فضل كبير في التمكن من إدخال آلاف الكتب وعمل مكتبة ضخمة في هذا السجن.
 وبدأت الدراسة من محاضرات وصناعة الأبحاث على قدم وساق، وأصبح هذا السجن مطلباً لكلّ معتقل يرغب في دخول برنامج دراسة الماجستير، وبعد الاتفاق مع جامعة القدس أصبحت شهادة هداريم معتمدة لدى جامعة القدس بعد أن يجتاز الطالب المقرّرات المطلوبة.
 ومع سير سنوات السجن قدماً كانت أفواج الخريجين تترى ليتخرّج كل سنة عدة طلاب دراسات عليا ويصبحوا من حملة الماجستير، كانوا حملة مؤبدات فصاروا يجمعون بين المؤبدات والشهادات العليا بكل استحقاقاتها المعرفية.  

بدأ السجن قصته عام 1999 وحقّق إشراقات عظيمة في عالم الحركة الأسيرة، هو قصة تحويل العقوبة بل أقسى أنواع العقوبة إلى حالة من الرقيّ المعرفي، ووضع المعتقل من العدم الذي أرادوه له إلى أن يضع قدمه على سلّم يوصله إلى أعلى درجات التفوّق العلمي والأكاديمي.  

ومع بداية عام 2023 وصلت إلى سدة الحكم مجموعة من أشدّ الناس جنونا وتطرفا، يرتعبون من الوعي الفلسطيني، كان من بين الوزراء ايتمار بن غفير سليل مئير كهانا على أشد درجات التطرف العنصري، منحوه وزارة الامن لينقض بداية حكمه على سجن هداريم، شتّت من فيه وأعلنن نهاية هذا السجن، أرادوه عقوبة لنا؛ فعاقبونا بإغلاقه.      



جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020