المعايير التعبوية لتقييم المعارك العسكرية

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

بقلم:
الخبير العسكري والأمني:
عبد الله أمين
21 05 2023


أولاً: بين يدي الموقف:  

قيل في الأثر: " قس لكل بمقياس عقله، وزن له بميزان فهمه؛ تسلم منه و ينتفع بك، وإلّا وقع الانكار لاختلاف المعيار " وثبت أن أكثر ما يحمل الناس على الخلاف؛ " مفاهيم لم تقصد، ومقاصد لم تفهم ". ومن الأمور التي تَجر خلفها جدلاً كبيراً وشقاقاً مريراً؛ ما يلي أي حرب أو معركة من نقاشات وحوارات عن النصر والهزيمة، والتقصير في مواكبة الأحداث من هذا الطرف أو ذاك، وحيث أن المنتصر وتحت تأثير نشوة نصره وما يرافقه ـ النصر ـ من (زفات) و(عراضات) لا يكلف نفسه عناء بحث شأن خسائره التي خسر، وأكلافه التي دفع في طريقه إلى النصر الذي حقق؛ فإن الجهة التي تلقت الصفعة، وهُزمت أو استسلمت ـ جزئياً أو كلياً ـ ، هذه الجهة المهزومة؛ يكثر فيها القيل والقال و(النقار)، وتقاذف المسؤوليات عما خَرُبَ من عمارات، وفُقد من الحيوات ! ولأن الموقف كما قيل آنفاً؛ رأينا أن نقدم هذه الورقة التي ستتحدث عبر مجموعة من العناوين حول الحرب وكيفية تقييم نتائجها، وكيف يحدد المنتصر فيها من المهزوم، آملين أن تسد الأفكار الواردة فيها ـ الورقة ـ لبنة في جدار الفهم العسكري لأهم ظاهرة بشرية ـ ظاهرة الحرب ـ التي يختلط فيها العاطفي مع الحسي، والبشري مع المادي، غير زاعمين أننا جئنا على كل تفاصيل هذا الأمر الشائك، تاركين لأهل الاختصاص أخذ ما في هذه الورقة من سمين ــ إن كان فيها ــ، وليطرحوا ما فيها من غث وقُصور، وما أكثر التقصير والقصور.    


ثانياً: تعريف الحرب:  

وحتى يُبنى الموقف الذي نحن في صدده بشكل علمي ومنطقي؛ لابد لنا أولاً من تعريف وتحرير مصطلح " الحرب " ولو بشكل سريع، فالحرب هي: عبارة عن صراع إرادات، وتقابل قدرات، بوسائل خشنة وأخرى ناعمات، يُلجأ لها عندما تنسد كل طرق التواصل والحوار من أجل تأمين المصالح، والدفاع عن المقدرات ـ المادية والبشرية ـ نقطة انتهى وبدون (طول سيرة).  


ثالثاً: تعريف النصر:  

وأيضاً حتى لا نغرق في التفاصيل، فإن من أهم أسباب إطالة الحروب والنزاعات، وتدحرجها وتفاقم مواقفها، ثم خروجها عن السيطرة، وتكبد خسائر بشرية ومادية لم تكن متوقعة أو ضرورية، من أهم أسباب هذه الإطالة؛ عدم التفاهم بين أصحاب القرار في الحرب ــ بشقيهم السياسي والعسكري ــ على تعريف النصر، ومتى يقال أن المهام قد أنجزت وأن الأهداف قد حُققت.

 إن تفاهم واتفاق قادة البلد أو التنظيم أو الحركة على تعريف النصر يعد من أهم الأمور التي تساعد على السيطرة على المواقف الاستراتيجية والتعبوية التكتيكية التي تتخلل الحرب والمعركة، ومن أهم سبل الحد من الخسائر،  وتحديد زمان ومكان وكيفية " قطع التماس " مع العدو؛ انسحاباً للخلف أو تموضعاً في المكان؛ لذلك يجب أن يتم تعريف النصر قبل بدء المعارك؛ فهل النصر في قتل وتحييد أكبر كم ممكن من قدرات العدو البشرية والمادية؟ أم أن النصر باحتلال جغرافيات العدو وطرده منها؟ هل النصر يتمثل بتحرير كامل ما احتُل من الأرض؟ أم يمكن إطلاق مصطلح النصر على التحرير الجزئي لما احتل من أرض وصودر من قدرات ؟ ماذا عمن يقولون أن النصر يتمثل في كوننا آخر من يصلي صلية، أو يرشق رشقة؟ هذه أسئلة يجب على أصحاب قرار الحرب أن يجيبوا عنها قبل أن يصدروا قرارها، وأن يراقبوا قرائن تحققها أثناء خوض المعارك، ومن ثم تكون رائدة لهم وموجهة لسلوكهم في جلسات تقييم الحرب واستخلاص الدروس والعبر منها، وإلّا (بتضيع الطاسة )، وسيدعي كلٌ وصلاً بليلى !!  


رابعاً: أهداف الحرب:

وفي نفس السياق السابق؛ دعونا نتحدث بشكل سريع عن الهدف أو الأهداف من أي حرب تُشن أو معركة تخاض، وهنا لابد من الإشارة إلى أننا نتحدث عن الحرب الخشنة، ولسنا في وارد الحديث عن " الحرب الناعمة " أو " النصف الخشنة " فالحديث عندها سيطول أطول من شارع الـ 65 في وسط فلسطين. 

أما عن أهداف الحرب فيمكن إيجازها بأنها عبارة عن أهداف كلية، وأخرى جزئية، نأتي على التفصيل فيها بشكل سريع على النحو الآتي:  

1. الهدف الكلي من الحرب هو فرض الإرادة على العدو:  

إن الهدف الكلي لأي حرب أو معركة، هو فتح ما أغلق من قنوات حوار ودبلوماسية، عجزت عن تحقيق الأهداف وتأمين المصالح، فتأتي هذه الحرب لتفرض على من رفض الاستجابة للمطالب سلماً؛ أن يُقدّم ما رفضه وتمنع عن أدائه حرباً،  إنها ـ الحرب ـ تخاض من أجل فرض إرادتنا على العدو، عبر تجريده من وسائل دفاعه و/أو هجومه، فتُقلم (أظافره) وتضرس (أسنانه)، ويُجلب صاغراً إلى طاولة المفاوضات التي ستترجم عليها المواقف الميدانية والعسكرية، نصوصاً كتابية وإنشائية، هذه هي بالاختصار الأهداف الكلية من أي معركة عسكرية، أو مواجهة حربية.  

2. الأهداف الجزئية أو الفرعية:  

أما عن الأهداف الجزئية للمعارك العسكرية؛ فهي أهداف أربعة يعرفها كل مبتدئ في العمل العسكري، فضلاً عن محترفي مهنة المخاطر هذه، وهي ـ الأهداف ـ وباختصار شديد لا تتجاوز الآتي:  

أ‌. احتلال أو تحرير:  

الهدف الأول لأي معركة تخاض أو حرب تشن هو: إحتلال أرض أو تحرير جغرافيا، ضمن زمن معين، ومراحل محددة، لا يجب أن ينفد فيها الزمن قبل تحقيق الهدف، وإلّا دخل القادة ومقاتلوهم في مربع الخطر والاستنزاف والإطالة التي قد تفضي إلى تغير المواقف وانقلابها من نصر إلى هزيمة، ومن إنجاز إلى إخفاق.  

ب‌. تأمين:  

أما الهدف الثاني فهو: تأمين أرض أو حاضرة مدنية ذات قيمة استراتيجية أو تعبوية أو تكتيكية، بحيث تَخرج هذه الأرض وتلك الحاضرة خارج مديات التأثير القاتل لوسائط العدو القتالية بمختلف صنوفها البرية البحرية والجوية، فلا تعود منصات وقواعد نار العدو تهدد هذه المدن أو تلك الجغرافيات بما تحويه من بشر وقدرات.  

ت‌. سيطرة:  

والهدف الثالث من المعارك الجزئية في الحروب الكلية، هو السيطرة بوسائط القتال المباشرة وغير المباشرة على جغرافيات مأهولة أو غير مأهولة، تمنح المُسيطر عليها أفضلية قتالية، وتحسن من موقفه الميداني، إن السيطرة تعني حرمان العدو من حرية الحركة والمناورة في المنطقة المسيطر عليها، فيُسلب المبادرة، والروح القتالية، وتستنزف قدراته، ويدفع إلى التسليم بمطالبنا، وتُخضع إرادته لإرادتنا.    

ث‌. تعزيز أو اسناد:  

أما آخر أهداف المعارك فهو: تعزيز تشكيل قتالي هنا، أو إسناد قوة هناك، فما يوضع من قدرات قد لا يكفي للقيام بما هو مُحوّل من مهمات، فيُستنجد بالقريب من القوات، أو بالاحتياطي الذي بقي مستريحاً متوثباً في العقبات والمؤخرات، فيهب للنجدة إذا تطلبت المواقف والمناورات.  

هذه هي الأهداف الكلية أو الجزئية ـ باختصار شديد ـ  لأي حرب أو معركة خيضت سابقاً، أو تُخاض حاضراً، أو سَتخاض مستقبلاً، وما دون ذلك؛ تفصيل.  

خامساً: معايير التقييم:  

وحتى (نغمس) في أصل صحن ورقتنا هذه، نختم بمجموعة من المعايير التعبوية التي نعتقد أن التالي من نقاط يعد من أهمها، والذي يجب أن يُستحضر عند التقييم، للتقويم واستخلاص العبر والدروس من أية حرب أو معركة ضروس، وفيما يلي التفصيل:  


1. تحقيق الأهداف ( المهمة )  الكلية أو الجزئية:  

إن أول ما تُقيّم على ضوئه المعارك هو تحقيقها للأهداف أو المهام التي من أجلها خيضت، ولتحقيقها شُنت، فالسؤال الأول الذي يطرحه القادة في غرف العمليات بعد أية مناورة أو حركة تعبوية هو: هل حققت هذه المناورة أو تلك الحركة الهدف الذي من أجله تمت؟ فإن كانت الإجابة "نعم " قيل أن هذه الخطوة قد تمت بنجاح، وأن نصراً جزئياً قد تم، لتراكم عليه فيما بعد انتصارات أخرى، وصولاً إلى تحقيق المهمة الكلية، والهدف الرئيسي من الحرب. 

إذن فإن أهم ما يجعل تقييم الحرب سهلاً ميسوراً غير مختلف عليه هو: تحديد "المهمة"  أو الأهداف بشكل واضح ودقيق ومفهوم وغير حمال لأوجه، تعريفه وفهمه من قبل الجميع ـ قادة وجنود ـ، وإلا وقع (النقير) بعد كل نفير.  


2. منع العدو من تحقيق أهدافه القتالية:  

فقد لا تكون أنت المبادر بالحرب، أو المسعر لنارها ـ دون الخوض في الأسباب ـ فتكون في مقام المدافع الذي يصد هجوم عدوه عنه، وهنا فإن المعيار الرئيسي لتقييم معركتك ومناوراتك القتالية فيها هو: منع العدو من تحقيق ما يصبو له من أهداف، وما يقاتل من أجل تحقيقه. فإن تحققت غايتك في المنع والصد؛ فقد حققت هدفك من خلال منع عدوك من تحقيق هدفه، وهنا أيضاً يجب على القادة معرفة و/أو تقدير الأهداف الكلية والجزئية لحرب عدوهم، حتى يستطيعوا رسم خططهم وتخصيص قدراتهم، وإلّا فإن الـ (تَبصير) لا يصلح لإعلان النفير.  


3. تحسين المواقف القتالية الميدانية:  

ومن المعايير المستخدمة لتقييم المعارك والحروب؛ ما تفضي إليه من نتائج عبر تحسين الموقف القتالي لأحد طرفيها؛ فقد يكون أحدهم في موقف قتالي صعب وخطير، فيتعرض لعدوه من أجل تحسين موقفه الميداني، فيخرج ــ على سيبل المثال ـ من تحت سيطرة ناره ومراقبة راداره، محسناً موقفه محصناً صفوفه، متحضراً لحملة أو هجمة على عدوه، متموضعاً في جغرافيا تمكنه من شن هجومٍ يملك فيه زمام المبادرة، وصولاً إلى تحقيق النصر وإنجاز المهمة. 

وهنا أيضاً يُسأل السؤال المعهود والمتكرر؛ هل تحسّن الموقف القتالي بعد المعركة أم ساء؟ وعلى ضوء الإجابة تُقيّم المعركة، وتُحدد المسؤوليات.    


4. تدمير القدرات البشرية والمادية للعدو:  

 وقد لا يكون الهدف من المعركة أو الحرب احتلال أرض أو تحرير جغرافيا والسيطرة عليها ـ الغارات مثلاً ـ ، وإنما هدفها النهائي هو قتل أكثر عدد ممكن من قوات العدو، أو تدمير أكبر كم من أصوله الاستراتيجية، من مطارات ومستودعات ومباني ومنشآت، فإن تحقق هذا التدمير، وتحققت في العدو تلك الخسائر، فإن جواب سؤال إنجاز " المهمة " الذي يعني النصر أو الهزيمة، يكون إيجابياً، وإن لم تُحقق الخسائر المتوقعة أو المقدرة عند التخطيط،  أو كان ما وقع في صفوفنا من خسائر ـ بشرياً ومادياً ـ  أكبر بكثير مما ألحقناه بعدونا من أضرار وخسائر، عندها ستدور الدوائر، على القائد الذي كان بالحرب مبادر!!    


5. التأثير على القرارات المستقبلية:  

كما يُعد هدف التأثير على قرارات العدو المستقبلية هدفاً مشروعاً للمبادرة بالحرب، يقيم النجاح فيها بناء على مستوى تحقيق هذا الهدف من عدمه، فهل ما قمنا به من عملية أو عمليات  عسكرية " أرعبت العدو "؛ فانثنى عن أخذ قراره بحربٍ كنا نظن أنه سيبادر إليها؟ أم أن تشغيل بعض من قدراتنا القتالية " ردع " العدو فأحجم عن تهديد مصالحنا أو التعرض لها؟ إن مقدار الرعب أو الردع المتحقق من أية عملية عسكرية يعكس نفسه ـ حكماً ـ على أية قرارات معادية مستقبلية، وتقيّم بناء عليه إخفاقات أو نجاحات أية عملية عسكرية.  


6. إحباط التهديدات الفعلية والحد من الأخطار المستقبلية:  

وقد تتجمع نذر خطر فعلية يرى المراقب والمتابع أنه إن لم يتم إحباطها في مهدها فإنها ستتبلور على شكل تهديدات ومخاطر، يصعب التعامل معها أو العيش تحت ظلالها، وأن أفضل طريقة للتخلص من سيف " ديموقوليس " هذا هو المبادرة إلى ضرب التهديد في مهده، والتعرض له ابتداءً، ومن موقف قوة ومبادرة؛ فيُقضى على التهديد الفعلي، ويُحد من الخطر المستقبلي، وما لم تكن الإجابة عن سؤال إنجاز هذه المهمة ـ احباط التهديد والحد من مخاطره ـ وتحقيق هذا الهدف، ما لم تكن " نعم "، فإن الموقف يعني " هزيمة " محققة وليس نصراً مُدّعىً.
  

7. تحسين الموقف السياسي الكلي:  

وحيث أن الحرب هي استمرار للعمل السياسي ولكن بوسائل أخرى كما قال " كلاوزيفتز " فإن الهدف الكلي لأية حرب أو معركة تخاض هو: تحسين الموقف السياسي الكلي للدولة أو الحركة أو الجماعة، فالسياسة تَحصد ما زرعته البنادق، والمعاهدات والمواثيق، إنما هي انعكاسٌ لموازين القوى، وما يعقب الحروب من جلسات ومفاوضات، وما يكتب من وثائق ومستندات إنما هو حصيلة ما حققته القوات في الميدان من إنجازات؛ لذلك فإن أردت أن تحدد المنتصر من المهزوم، أو الضارب من المضروب، في أية معركة أو في الحروب؛ فما عليك إلّا أن تقرأ وتدقق فيما كُتب بعدها من صكوك، أو (تُفوهم) عليه من تفاهمات؛ تحريرية كانت أو ( جنتلمانات )، ولا يلتفتن أحدنا إلى ما يلي الحروب من (زفات) و(عراضات) فشمس الانتصار لا تغطى بغربال، والهزيمة لا تخفى على كل ذي عقل شغال.    

كانت هذه بعض الأفكار والمفاهيم حول الحرب وأهدافها، وكيف يمكن أن تقيّم ابتداءً لتُقوّم وتستخلص منها العبر والدروس انتهاءً. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.  





جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023