تقدير الموقف في اليوم التاسع من العدوان على غزة

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

طوفان الأقصى:

 الموقف في اليوم التاسع/ الأحد 15/10/2023 الساعة: 09:00 صباحأً


أولاً: الموقف:

حافظ الموقف القتالي في اليوم التاسع لانطلاق معركة " طوفان الأقصى " على رتابته الميدانية ، فقد بقي العدو يمارس القتل والتهجير القصري ، فبعد أن لم تفلح جهوده النارية والدبلوماسية في حمل أهل شمال قطاع غزة على هجر بيوتهم وأحيائهم ؛ حوّل العدو جزءاً من جهده الناري للاستهداف المباشر للعوائل والسكان ، فبعد أن كان يتذرع بوجود أصول قتالية ـ بشرية أو مادية ـ للمقاومة في أماكن المدنيين ، الأمر الذي يؤدي إلى استشهادهم من جراء قصفه ؛ ظهر في الـ 24 ساعة الماضية أن هذه التبرير لم يكن إلا ذريعة لممارسة القتل والتهجير القصري لأبناء شعبنا ، فضغط عليهم بالنار ليجبرهم على الخروج من بيوتهم ومنازلهم ، الأمر الذي لم يفضي إلى الآن إلى تحقيق هدفه الذي أعلن عنه بالأمس رئيس مجلس الأمن القومي للعدو " تساحي هنغبي " عندما قال : " أن الهدف من هذه العملية أكبر من حماس وحكمها ، الهدف هو : القضاء على القطاع " . 

هذا وقد بقي العدو في حالة حشد مزيد من قدراته القتالية في محيط غلاف غزة ، وهي قدرات شارفت على الوصول إلى استعداد قتالي يزد عن الثلاث فرق قتالية معززة ، بكامل قدراتها النارية والإدارية . كما بدأ العدو بالكشف عن بعض الخسائر التي لحقت به في بداية المعركة ؛ حيث أعلن عن تدمير طائرة نقل جنود من طراز " يسعور " كانت تقل مجموعة من القوات الخاصة جاءت لنجدة قواته المشتبكة مع المقاومين في اليوم الأول للمعركة 07 10 2023 ، حيث أجبرت على الهبوط الاضطراري بعد أن استهدفها المقامون بقذيفة مضادة للدروع . كما كشف العدو أن عدد جنوده الذين خسرهم في هذه المعركة حتى كتابة هذا التقرير بلغ 265 جندياً وضابطاً . وفي السياق ؛ فقد خرج أهالي أسرى العدو في مظاهرات أمام وزارة الدفاع الإسرائيلية ، مطالبين بالكشف عن مصير أبناءهم ، ومحملين رئيس وزراء العدو " بنيامين نتنياهو " الذي شوهد في زيارة ميدانية لقواته في غلاف غزة في ساعات نهار الأمس ، ملقين عليه مسؤولة هذه الهزيمة ، وهذا العار الذي لحق بالكيان المؤقت. 

ولم يزل العدو يتعامل مع أي قرينة تهديد على أنها تهديدٌ فعلي يتطلب إجراء عملي ، الأمر الذي أوقع قتيلاً في صفوفه ، أعلن ـ العدو ـ أنه سقط بنيران صديقة . كما أعلن أن خلافاً بين أعضاء مجلس الوزراء المصغر نشب على إثر أخذ قرار العمل البري من عدمه . 

وفيما يخص جهود المقاومة العسكرية ؛ فقد بقيت المقاومة تمطر مستوطنات غلاف غزة ، والعمق الفلسطيني المحتل بوابل من قذائف المدفعية والصواريخ ، مستهدفة مناطق حشد العدو وقواعد عملياته في بعض مغتصبات غلاف غزة ، حيث قصفت ـ س : 1030 ـ المقاومة مناطق حشد العدو في " جفار عام " شرق قطاع غزة ، كما سُجل نشاط لافت بالأمس لقوات المقاومة ؛ حيث قامت مجموعات قتالية بالاشتباك مع العدو في كل من " صوفا " و" كوسوفيم" جنوباً و " بيري " و " نير عام " شمالاً ، كما بادر المقاومون بالتعرض ـ س : 1310 ـ لموقع عسكري في " أشكول " وقصفه بمضاد للدروع . كما قصفت المقامة ـ س : 200 ـ موقع " ياد مردخاي " جنوب عسقلان ، بنيران المدفعية المناسبة ، هذا وقد طاول قصف المقاومة للعمق الفلسطيني المحتل مدن " تل الربيع " ومطار " بن غورن " و " اللد " و " الرملة " و " كفر قاسم " و " مدن المثلث " في الجليل . 

وقد بلغت حصيلة شهداء شعبنا حتى كتابة هذا الموقف ما ناهز الـ 2329 شهيداً و 9042 جريحاً.

كما أعلن العدو أنه يحتفظ بأجساد ما يقارب الـ 1000 شهيداً ارتقوا في عمليات التعرض الأولى للمعركة . 

كما بقيت الضفة الغربية مشتبكة مع قوات جيش العدو المنتشرة فيها ، فقد تعرض المقاومون لجنود العدو ومستوطنيه في أكثر من بقعة جغرافية في هذا المنطقة ، خاصة في محيط مدينة " جنين " و " العيساوية " ، مما أدى إلى ارتقاء 6 شهداء في هذه الاشتباكات . 

ولم تشهد مدن الثمانية والأربعين جهوداً ذات بال يمكن أن تشكل تهديداً على العدو يفرض عليه تثبيت قوات عسكرية للتعامل معها . 

هذا وقد أعلن في مساء أمس ـ س : 2345 ـ عن استشهاد ثلاثة من المقاومين المنتمين لحركة المقاومة الإسلامية " حماس " في لبنان ، على أثر استهدافهم بقصف من طائرة مسيرة أثناء تقدمهم للاشتباك مع العدو في مغتصبة " مرغليوت " . 

كما قصفت المقاومة الإسلامية " حزب الله " مواقع العدو في " الرادار" و"رويسات العلم " والسماقة " و " زبدين " و " رمثا " ، بقذائف المدفعية ومضادات الدروع المناسبة ، في رد على استهداف الأرضي اللبنية أول أمس واستشهاد الصحفي " عصام عبدالله" من وكالة أنباء "رويتر " ، الأمر ـ قصف المقاومة ـ الذي رد عليه العدو بقصف ـ س : 1515 ـ محيط مصادر النار في كفار شوبا بوابل من قذائف المدفعية بلغت الـ 30 قذيفة . 

كما بقيت الجهود السياسية والدبلوماسية منصبة على البحث عن سبل تأمين ممرات آمنة لإيصال العون الطبي والإنساني لأهلنا في قطاع غزة ، والبحث عن فتح ممرات آمنة لخروج بعضاً من حملة الجنسيات الأجنبية من سكان القطاع على خارجه ، كما باشرت الدول الأجنبية بتسيير رحلات جوية عسكرية لنقل رعاياها من فلسطين المحتلة وإعادتهم إلى مواطنهم الأصلية .

وفي سياق العمل الدبلوماسي ، فقد التقى وزير الخارجية الإيراني " عبد اللهيان " بقادة الفصائل الفلسطينية في لبنان ، وفي مقدمتهم الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي " زياد نخالة " ونائب رئيس حركة المقاومة الإسلامية " حماس " الشيخ " صالح العاروري " مؤكداً ـ عبد اللهيان ـ على مواقف الجمهورية الإسلامية الداعمة للمقاومة الفلسطينية واللبنانية وما أخذته وما يمكن أن تأخذه من قرارات ، سابقاً أو مستقبلاً . 

كما بقيت مظاهرات التأييد والدعم العربي والإسلامي وبعض الغربي للمقاومة الفلسطينية ، وأبناء شعبنا في  قطاع غزة ، تجري في أكثر من عاصمة ومدينة ، في محاولة لتشكيل رأي عام ضاغط لوقف عدوان العدو على أهلنا وناسنا في القطاع . 

أما عن أهم سمات الموقف في الـ 24 ساعة الماضية فيمكن ذكر الآتي

  1. دوام عدوان العدو وقصفه للمدنيين في قطاع غزة بمختلف أنواع الأسلحة وصنوفها . 
  2. دوام قصف المقاومة الفلسطينية لمغتصبات غلاف غزة ، ومدن العمق الفلسطيني .
  3. الساعة 1301 تسلل مجموعة من المقاومين إلى موقع للعدو في شرق خان يونس وتدمير ثلاث آليات عسكرية . 
  4. الساعة 1500 قصف " حزب الله " لمواقع العدو في مرتفعات "الجولان" و " مزارع شبعا ".
  5. تسجيل اتصال بين رئيس سلطة الحكم الذاتي " محمود عباس " والرئيس الأمريكي " جون بايدن " . 
  6. الإبلاغ عن وجود قائد شعبة التكنلوجيا والمعلومات والاتصالات للعدو مع قائد فرقة مناورة العدو في منطقة العمليات . 
  7. الساعة 1630 حديث تلفزيوني لقائد حركة المقاومة الإسلامية " حماس " شحذاً للهمم ورفعاً للمعنويات . 
  8. الساعة 1900 الإعلان عن استشهاد شخصين جراء قصف العدو لمنزل في مزارع شبعا. 
  9. الساعة 1930 مؤتمر صحفي لرئيس مجلس الأمن القومي للعدو " تساحي هنغبي " أعلن فيه عن خطأه في تقديره أن " حماس " لن تقوم بالمبادرة للعمل ضد كيانه المؤقت ، وأن هدف العملية أكبر من القضاء على قدرات " حماس " وحكمها . 
  10. الساعة 2230 إطلاق صاروخ من سوريا ورد العدو عليه بقصف مطار دمشق ومحيط مصدر النار . 
  11. الساعة 2345 الإعلان عن استشهاد ثلاثة من عناصر النخبة في كائب " عز الدين القسام " في لبنان على أثر قصف طائرة مسيرة لهم أثناء التقدم للاشتباك مع العدو قبالة مغتصبة " مرغليوت " . ز


ثانياً : التحليل والتقدير

لا يزال العدو في حالة من عدم العزم على المضي في العمل البري الذي اكتمل حشد قدراته النارية والإدارية ، الأمر ـ عدم أخذ القرار ـ يرجع لما قلناه سابقاً من عدم يقين العدو من كفاءة القدرات ، وطبيعة المفاجآت ، وما يمكن أن ينجم عن التقدم البري من خسائر ، تفضي إلى مزيد من الإخفاقات وتحمل المسؤوليات ، الأمر الذي بقي يستعيض عنه العدو بعمليات القصف والتدمير الممنهج ، الذي لم يفضي إلى عمليات نزوح جماعي لأهل غزة بالتجاه الجنوب ، كما كان يؤمل العدوويظن ، فبادر ـ العدو ـ بتركيز نار أسلحته لاستهداف المدنيين العزل في منازلهم في إجراء الهدف منه ممارسة مزيداً من الضغط على المواطنين لحملهم على النزوح قسراً من منازلهم وبيوتهم . كما أن مبادرة المقاومة بالقيام بعمليات تعرض على خطوط العدو ، وقصف مراكز حشده وقواعد ناره المنتشرة في محيط غلاف غزة ، يشي بأن المقاومة ما زالت تمارس قيادة وسيطرة مناسبة على قواتها ، متحكمة في الموقف ، بدليل دفعها لقوات لتشتبك مع العدو ثم تعود إلى قواعدها دون تسجيل خسائر فيها ، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن عمليات تعرض المقاومة على الحافة الأمامية لمناطق قتال العدو ، وقصف تجمعات حشده وتعبئة قواته وقواعد نارها يحقق للمقاومة الأهداف والمصالح الآتية : 

  1. كسر حاجز الرتابة والتهيب لدى القوات المقاومة من التعرض بعمل هجومي لقوات ـ قوات العدو ـ في حالة الدفاع . 
  2. استطلاع بالنار المعرفة قدرات العدو وطبيعة انتشاره وإجراءات رد فعله على فعل المقاومة . 
  3. إعاقة عمليات إعادة تنظيم قوات العدو وترميم جهازه الدفاعي في منطقة العمليات .
  4. تأخير أو إعاقة العمل البري الذي يهدد العدو بالقيام به . 


وعليه فإننا ... 

نعتقد أن العدو سيبقى يمارس مزيداً من عمليات القتل والتدمير الممنهج للسكان والمساكن ، ليكوّن وسائل ضغط يستطيع أن يضغط بها على قيادة المقاومة ، ليخرجها عن حالة التوازن المطلوبة للتعاطي مع المواقف القتالية المختلفة ، كما أنه ـ العدو ـ قد يبادر في عمليات تحرك لتحقيق التماس أو الاستطلاع القتالي مع قوات المقاومة ومجاميعها المنشرة على الحافة الأمامية لمناطق القتال الصديقة ، في جهد الهدف منه كشف الاستعداد والانتشار وتقيم القدرات ، ليبني على الشي مقتضاه من إجراءات .


كما نعتقد أن المقاومة الإسلامية " حزب الله " في لبنان سيعاود قصفه لمواقع العدو واستهدافها بالأسلحة المناسبة رداً على استشهاد بعض المواطنين جراء قصف العدو لمنزل في " شبعا " الجنوبية .


كما نعتقد أنه ـ حزب الله ـ سيبقي مستوى تعامله مع مجريات الجبهة في الجنوب اللبناني ضمن معادلة الفعل ورد الفعل ، المحكوم أصلاً بمدى أثر الفعل الواقع عليه وعلى مواطنيه ، مخلّياً بين قوى المقاومة الفلسطينية المنتشرة في لبنان وبين الاحتكاك أو الاشتباك مع العدو ، مع تقديم المساعدة والمساندة لمن يطلب ذلك . 


أمام هذا الموقف فإننا نوصى بالآتي

  1. المحافظة على أصول المقاومة البشرية والمادية من وصل ضرر مؤثر فيها . 
  2. الاقتصاد بالقدرات البشرية والمادية للمقاومة منعاً لإرهاقها أو استنزافها قبل بدء العمل البري للعدو في حال قرر المضي في هذا الخيار .
  3. عدم الاستجابة لاستفزازات العدو وتعرضاته الهادفة إلى الاستطلاع القتالي وجمع المعلومات المداني . 
  4. التحسب من السيطرة والتشويش الالكتروني للعدو والهادف إلى قطع التواصل وإرباك منظومة القيادة والسيطرة للمقاومة . 
  5. مزيداً من الاشتباك والاحتكاك والتعرض لقوات العدو ، خاصة في مناطق وسط وجنوب القطاع . 
  6. إدامة ضرب مناطق حشد العدو وقواعد ناره في غلاف غزة والعمق الفلسطيني . 
  7. العمل الحثيث على فتح (جبهة ) قتال ضد العدو في مناطق الضفة الغربية ، وبقاء الاحتكاك معه والاشتباك مع قواته فيها ، خاصة في مدينة الخليل لما فيها من قدرات قتالية ـ تنظيمية وعائلية ـ قادرة على تشكيل تهديد ذو مصداقية على العدو ، ينعكس سلباً على قواته في جبهة غزة . 
  8. تفعيل عمل المقاومة الشعبية في مدننا وقرانا المحتلة في مناطق الثمانية والأربعين . 

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .


عبد الله أمين 

15 10 2023

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023