متى يفشل الردع ؟

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

أولاً : توطئة : 

منذ بداية حرب " طوفان الأقصى " وما رافقها من حروب إسناد ودعم من قوى المقاومة الحية في هذه الأمة ، بدئاً بالجبهة الشمالية في لبنان ، فالعراق ،وصولاً إلى اليمن ؛ والذي ما زال جيشه الوطني يعلن ؛ بالقول والفعل استعداده للبقاء داعماً ، مؤازر للشعب الفلسطيني ومقاومته التي تصنع المعجزات في غزة ، منذ ذلك اليوم الذي اجتاحت فيه قوى المقاومة خط الدفاع الأول للكيان المؤقت في غلاف غزة ؛ تحطمت مصطلحات ، وتلاشت مفاهيم ، وأعيد ( نحت ) أخرى ، فما عادت مثلاً مقولة " أن لا حرب بلا مصر ولا سلام بدون سوريا " قائمة ! كما (نعفت ) المقاومة ( خرّافية ) ردع العدو للمقاومة في غزة (نعفاً) ، أما في لبنان ؛ فقد تكشف المشهد عن أن مقولة أن المقاومة اللبانية كانت رادعة للعدو أنها كانت غير دقيقة ، وأنها بحاجة لضبط وإعادة تعريف !! وهنا تحضرنا قاعدة ذهبية في مسار بناء القدرات ، ومراكمة الخبرات ، مؤداها أن أفضل القدرات وأحسن الخبرات هي التي تُمكّن صاحبها من تحقيق أهدافه ، وحماية مصالحه ، دون الإضطرار لتشغيلها ؛ كلها أو بعضها ، أو الزج بها في أتون امتحان قد يكشف عدم صدقيتها . كما تحضرنا قاعدة أخرى مرتبطة باصل مبدء الردع تقول : أن أستخدام قدرات الردع يعني أنها لم تكن رادعة أصلا ! وإلّا لما أضطر صحابها لتشغيلها ، ولأدت مهمتها ، وحققت الهدف منها دون اللجوء إلى تفعيلها . وهو ما يعني أيضاً أن قدرات الردع إن تم اللجوء لتشغيلها فهذا يعني أن عملية الردع قد فشلت أصلاً ! الأمرـ فشل الردع ـ  الذي ستحاول هذه المقالة البحث في الأسباب التي تقف خلفه ، حيث سنقارب هذا العنوان الإشكالي من خلال عدة عناوين ، تكون الإطار المفاهمي لهذا المصطلح ، بعد أن يتم ضبطه وتحريره ، ومن ثم التعرف على متطلبات بنائه ، لنختم  بما يعتقد كاتب هذه السطور بأنها الأسباب التي تُفشل الردع ، وتخرجه عن مساره . ثم سنسأل سؤالاً إشكالياً ، نترك الإجابة عليه لأهل الاختصاص ، وحلقات النقاش التخصصي ، كون الإجابة عليه مختلف فيها وعليها !! 

يحضر في خلفية مشهد الردع ، وكأرضية للحديث حول هذا المصطلح ، أن من يملك قدرات أكبر ، ووسائط قتال أحدث ؛ بالضرورة قادر على ردع أعدائه ؛ وهذا أمرٌ ـ إمتلاك قدرات أفضل وأكثر ـإن بدى في وجه من وجوهه صحيح ؛ إلّا أنه لا يوصل إلى فهم حقيقي لمفهوم الردع ، ومقتضياته ونتائجه ، فضلاً عن تحقيق الهدف منه والغاية من محاولة إنشاء معادلاته ، بدليل أن قوى عظمى إقلمية أو دولية لم تستطيع أن تردع أعداء لها لا يملكون عُشر ما تملك هذه القوى من قدرات وإمكانيات ، ولنا في أنصار الله في اليمن خير دليل على ذلك ، فلم تردعهم ، ولم تمنعهم أمريكا وما تملكه من قدرات ، وما تشغله في مواجهتهم من وسائط القتال والنارعن البقاء وحتى كاتبة هذه السطور في مقدمة مساندي المقاومة الفلسطينية بالأفعال العسكرية ، والإجراءات التعبوية . فضلاً عن أن معركة طوفان الأقصى التي خاضتها قوى المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر 2023 ، حطمت أهم ركيزة من ركائز نظرية أمن الكيان المحتل لفلسطين ألا وهي الردع ، فلو كانت قوى المقاومة مردوعة ، ولو كانت قدرات العدو رادعة ، لما كنا أمام معركة طوفان الأقصى أصلاً!! 

ثانياً : ضبط المصطلح وتحريره :

وحيث أن الحكم على الشيء فرع من تصوره ، وحسن تصوره نتاج عن حسن توصيفه وتعريفه ،  وحتى لا تذهب بنا الأمور مذاهب شتى ، كان لا بد لنا إبتداء من أن نضبط هذا المصطلح ، ونخرجه من حالة السيولة الناتجة عن عدم الفهم الدقيق له ولمقتضياته ، لذلك سنلجأ إلى تعريف المصطلح وتحريره أولاً ، فنقول أن : 

الردع في اللغة يعني : رَدَعً ، ورَدَعه رَدعاً ، أي زجره و كفه ومنعه . 

أما الردع اصطلاحاً فيعني : تلك المعادلة الميدانية التي يتم بناؤها ، والمسار الذي يطوى في بناء القوة ومراكمتها ، المفضي إلى بناء تصور لدى الطرف الآخر أن أكلاف ما يفكر به من اعتداء ، أكبر بكثير من جدوى ما سيقدم عليه من إجراء . 

ثالثاً : متطلبات الردع : 

  1. قدرة قتالية مثبتة الأداء : لا بد ابتداءً من توفر قدرة قتالية مثبتة الأداء والفاعلية والكفاءة من أجل تحقيق معادلة الردع مع العدو أو الجهة التي يراد ردعها ، فالردع لا يتم بخطب منبرية أو مظاهرات بشرية ، وإنما لا بد للجهة المردوعة أن يكون لديها قناعة راسخة أن الجهة الرادعة تملك من الأدوات والقدرات المادية والبشرية ، ما يمكنها من استيعاب الاعتداء ومعاقبة المعتد . 
  2. صدقية الاستخدام : ولازمة امتلاك تلك القدرة ؛ امتلاك صدقية لدى الطرف المالك تجعل منه لا يلقى الكلام على عواهنه ، فالكلام والتصريح هنا عليه (جمرك )  ، فإن هدد باللجوء إلى القوة لوقف العدوان أو الرد عليه ؛ فهو يعني ما يقول ، ولديه من القدرة والتصميم والشجاعة والمشروعية ؛ الداخلية والخارجية ما يمكن معها من تحمل أكلاف ما يهدد به إن هو فعّل التهديد ، وفي تاريخه الماضي والحاضر ما يثبت تلك المصداقية . 
  3. خطوط حمر  : في هذا السياق لا بد للجهة التي تبني معادلة ردع مع عدوها من أن تبين ما هي خطوطها الحمر التي لا يُسمح بتجاوزها ، وما هي الأهداف التي لا يمكن أن يتم التنازل عنها ، تحت أي ظرف من الظروف . وهنا لا يجب أن لا يغيب عن بال الجهة التي تنشئ هذه المعادلة ــ معادلة الردع ــ أنها عندما تريد أن تحدد هذه الخطوط ؛ يجب أن تكون دقيقة ومحددة في عملها هذا ؛ فما كل ما تملكه الدولة من أهداف ومصالح يصلح أن يكون خطاً أحمراً لا يجب تجاوزه أو التنازل عنه ، بل هناك أمور يمكن أن يناور بها ويستغنى عنها ، فكثرة الخطوط الحمر وتشعبها يعني أن لا شيء منها مهم .
  4. وسيلة تواصل وتبادل رسائل : وحتى لا تُفهم الأمور على غير ما هي عليه ، وحتى لا تُفسر المواقف بغير ما تحتمل ، لا بد من وجود وسائل تواصل يتم من خلالها تبادل الرسائل بشكل مباشر أو غير مباشر بين الرادع والمردوع ، فلا يقال أننا لم نعرف أن هذا كان خطاً أحمر ، رأيناه برتقالياً فتجاوزناه ! وهنا يجب أن تحمل وسائل التواصل تلك من الرسائل ما يجعل المردوع يرى قمة جبل جليد القدرة مثبتة الفاعلية  فيخشاها ، ولا يراها ـ القدرة ـ  كلها فيتحوط لها .

رابعاً : مسار بناء معادلة الردع : 

إن الوصول إلى معادلة ردع ، تمنع العدو من إخراج تهديده وتجاوزه إلى حيز التنفيذ ، يقتضي طي مجموعة من المراحل ، التي توصل في نهايتها إلى بناء معادلة ردع ، تحقق الأهداف ، وتحمي المصالح ، وتقلل من الخسائر ، ومن أهم هذه المراحل ما يمكن أن يختصر بالتالي : 

  1. سلسلة من الاشتباكات والاحتكاكات الفعلية الحقيقية ، بغض النظر أكانت مع الجهة المراد ردعها ، أو مع جهة ثانية ، تصل من خلالها رسائل محملة بمختلف أنواع الأثمان والأكلاف للاعتداءات . 
  2. تدرج في تشغيل القدرات يرافقه غموض في الإفصاح عن كامل الإمكانات ، فلا تلجأ الجهة إلى الزج بكامل قدراتها ، بكامل طاقتها ، فتترك هامشاً من الغموض واللايقين لدى الطرف الآخر بما هو مستور من قدرات وأمور . 
  3. مستوى إيلام عند العقاب يوصل رسائل ويفرض معادلات ، فإن تجرأ طرف على تجاوز خط أحمر ، لابد من أن يواجه بعقاب مؤلم ، وأن يكبد أكلاف ، تجعله يوقف عدوانه إبتداءً ، وعدم التفكير في تكراره إنتهاءً . 
  4. تحقيق معالة رعب ، فهي المعادلة التي تسبق الردع ، فلا يمكن أن تردع طرفاً لا ترتعد فرائصه منك رعباً ، فغير المرعوب ، وغير الهائب المتخوف ، لا يمكن أن يُردع أو أن يحسب حساباً لسلوكه أو تصرفه . 
  5. تحقيق قواعد اشتباك تخدم أصل الهدف وهو الردع . إن معادلة الرعب تفضي إلى بناء وإقرار مجموعة من قواعد الإشتباك ، تحكم سلوك طرفي الخلاف ، على قاعدة أنه لا يمكن إلا وأن تحصل بين كلا المتخاصمين احتكاكات واشتباكات ، ولكن ما يضبت هذه الأفعال العدائية ، ويمنعها من الخروج عن السيطرة ؛ وجود مجموعة من الضوابط أو ما يعرف عند أهل الفن والـ ( كار ) بقواعد الاشتباك . 
  6. اختبار صدقية الردع ، وهذا لا يتم إلّا من خلال الدخول في ( مغامرة ) محسوبة ، مدروسة بعناية ، تفرضها الظروف والمواقف ، ليُستدل من خلالها على مدى صدقية معادلة الردع ورسوخها . 

خامساً : متى يفشل الردع في أداء مهمته ؟ 

إن التدقيق في مصطلح الردع ومقتضياته ، يساعدنا في معرفة وفهم : متى ؟ وكيف ؟ ولماذا ؟ فشل ولم يحقق الهدف منه ، الأمر ـ فشل الردع ـ الذي قد تقف خلفه أسباب كثيرة ، من أهمها ما يأتي : 

  1. عند الاضطرار إلى تشغيل القدرات خارج قواعد الاشتباك المتفق عليها ضمناً ، فالقدرات الردعية هي تلك القدرات التي تمنع المردوع من الإقدام على الاعتداء ابتداءً ، فإذا لم تمنعه ، فالردع فشل .
  2. عندما لا تتوفر واحدة أو أكثر من ضرورات وملزومات الردع ومقتضياته التي ذكرنها سابقاً . 
  3. عند أخذ الطرف المردوع قراراً بتحمل التبعات ، وخوض المغامرات ، وقبوله بالأكلاف ، وخوضه التحدي . 
  4. عندما لا يكون لدى الطرف المردوع ما يخشى عليه ؛ فظهره للحائط ، وما هو موضوع أمامه من خيارات لا يؤمن له احتياج ، ولا يحفظ له مصلحة .
  5. عندما يوضع المردوع أمام معادلة صراع صفرية ؛ فإما أن يكون أو لا يكون . 
  6. عندما يكون هناك فرق شاسع في ميزان القدرات ، مع وجود شواهد على تصميم المالك على تشغيل ما يملك في حال التجاوز أو الاعتداء . 
  7. عند عدم تلقي الرد المتوقع على التجاوز والتطاول والاعتداء الذي وقع ، وعندما تكسر معادلة الرعب ، حيث أن مثل هذا الموقف يجرّئ الطرف المردوع ، ويرسل له رسائل خاطئة ؛ تقوي من عزمه ، وتضاعف إرداته ، وصولاً إلى كسر معادلات الاشتباك ، والخروج من حالة السكون إلى حيز الفعل . 

الخلاصة :

بعد الحديث عن الردع ؛ مفهوماً ومقتضيات ، لا بد من القول أن الردع يعني حالة سكون بين طرفين ، فالرادع هدفه أن لا يُتجاوز أو يُعتدى على مصالحه ، والمردوع يخشى العقوبة إن أساء الأدب ، فيتولد عن هذا الموقف ، حالة جمود ، وتساكن ، وعدم حركة ، تفضي إلى قتل الروح المعنوية والدافعية القتالية عند الجيوش والتشكيلات العسكرية ـ لذلك تكون المناورات والتدريبات والحركشات حتى لا (تموت ) المعنويات ـ . ولكن ما هو أسوء من هذا التساكن والجمود ، ما قلنا في بداية المقالة أننا سنطرحه كسؤال إشكالي في نهاية هذه الورقة وهو : هل يستقيم أن يقيم طرف محتلة أرضه ، منهوبة خيراته ، يعتدى على مصالحه ، هل يستقيم ان يقنع بمعادلة ردع بينه وبين عدوه ، تضمن للأول الهدوء ، ولا تعيد للثاني الحقوق ؟ 

سؤال نترك الإجابة عليه لأهل الاختصاص ، مع قناعتنا أنه لا يجب أن يرضى المُحتلة أرضه ، بأي معادلة تحمل في طياتها هدوء للعدو ؛ لاشكلأ ولا مضموناً ، وهنا يكمن فن الفنون الحرب . والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون . 

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023