هآرتس
ترجمة حضارات
شلومو بن عامي – مؤرخ
عام 2016، كتب المؤرخان البارزان من جامعة هارفارد، غراهام أليسون ونيل فيرغوسون، مقالًا دعيا فيه لتأسيس "مجلس مؤرخين" في البيت الأبيض، مستشهدين بجهل إدارة جورج بوش قبل غزو العراق عام 2003، حين تجاهلت التحذيرات بأن بغداد ستقع تحت سيطرة شيعية برعاية إيران. وبالمثل، اعتبرا أن الجهل التاريخي ممزوجًا بالغرور، كما عند باراك أوباما الذي قلّل من أهمية كتابات جورج كينان عن روسيا، أدى إلى عمى استراتيجي تجاه العلاقة بين روسيا وأوكرانيا. وصاغ الاثنان مصطلح "التاريخ التطبيقي"، أي استخدام السوابق التاريخية لتوجيه قادة الحاضر، مستلهمين منهج هنري كيسنجر.
كيسنجر أدرك من خلال اتفاقيات السلام بعد الحروب النابليونية أن أي نظام دولي مستقر يجب أن يكون مقبولًا من القوى الرئيسية. ورغم عدائه لحركات التحرر مثل منظمة التحرير الفلسطينية أو حماس، فهم أن القوى الثورية ترى الوضع القائم عدائيًا وتعمل على كسره بكل الوسائل. لهذا سلّم أمام فيتنام الشمالية والفِيتكونغ حين أدرك أن الحرب دخلت دوامة قاتلة مع "عائد متناقص".
الحروب التي تستمر بلا هدف سياسي، كما حذر كيسنجر، تخضع لقانون "التراجع بالعائد". حتى عام 1973 أوقف الحرب قبل أن تصل إلى نقطة اللاجدوى السياسي. لو سمح للجيش الإسرائيلي بمحاصرة الجيش المصري الثالث حتى الموت أو دخول القاهرة، لكان "النصر المطلق" منع السلام. تجربة إسرائيل أثبتت أن كل "انتصاراتها المطلقة" منذ 1948 وحتى 1967 لم تحقق سلامًا، بل غذّت رغبة الانتقام.
التاريخ يوضح أن الأمم المهزومة لا تقبل الهزيمة، بل تعيد صياغة روايتها لتستمد تفوقًا أخلاقيًا على المنتصر. هذا الدرس مطروح اليوم أمام إسرائيل، الغارقة في حرب بلا جدوى تحولت إلى فعل تدمير ذاتي وفقدان بوصلة أخلاقية. استمرار الحرب بلا استراتيجية خروج كيسنجرية يجعل الحكومة الإسرائيلية كالمقامر في الكازينو يراهن بالمزيد: جنود مرهقون، أسرى يموتون جوعًا، وآلاف الضحايا المدنيين الفلسطينيين، في صورة إسرائيل كقوة شر أمام العالم.
هذا النمط يشبه رهان أمريكا الخاسر في فيتنام وأفغانستان، حيث لم ينفع تعزيز القوات لأن العدو لا يخشى الموت ويكتسب دعمًا شعبيًا ودوليًا مع مرور الوقت. أمريكا خسرت في فيتنام وأفغانستان أيضًا بسبب الرأي العام، تمامًا كما انهار الفيرماخت في روسيا ليس فقط بسبب الشتاء، بل بفضل قدرة ستالين على استنزافه.
اليوم، الجنود الإسرائيليون المنهكون في غزة يتساءلون: بعد سنتين من القتال، لماذا ما زالت قوات حماس كما كانت؟ السبب أن الحركة قادرة على تجنيد بدائل بالقسر أو عبر دفع المال وتوفير الحماية من الجوع. كما في فيتنام، يُقدَّم تحليل "الخبراء" ببرود عقلاني، لكن في الحروب غير المتكافئة، العامل الأخلاقي يحسم بقدر لا يقل عن الدبابات والقصف.
إسرائيل اعتمدت استراتيجيات مثل التجويع والسيطرة على الأرض "لإيلام حماس"، لكنها تغفل أن هذه الحروب تُحسم في الوعي لا في الميدان. بعد حرب 7 أكتوبر، سيُدرَّس ليس "عبقرية" إسرائيل العسكرية، بل كيف أن أضعف أعدائها صمد لعامين وفرض شروطه. حتى لو هُزمت حماس، فإن صمودها، الخسائر الإسرائيلية، الأسرى المفرج عنهم، التكلفة الاقتصادية، العزلة الدولية، والانقسام الداخلي كلها تشكل "نصرًا معنويًا" فلسطينياً طويل الأمد.
الفلسطينيون قد فشلوا في بناء مؤسسات دولة، لكنهم أثبتوا قدرتهم على تحويل "جنة" إسرائيل إلى جحيم. إذا واصلت إسرائيل الاحتلال، فستعيش دائمًا على السيف، تحت تهديد أن تنشأ نسخة جديدة من 7 أكتوبر. فشل إسرائيل في استيعاب طبيعة ميدان القتال غير المتكافئ جعلها عاجزة عن فهم معنى النصر والهزيمة.
النتيجة أن حماس، التي تُصوَّر كعدو أيديولوجي لحل الدولتين، أعادت هذا الحل إلى مركز أجندة العالم. سحق قدرات حزب الله فتح المجال للبنان لاستعادة سيادته، وسقوط النظام السوري فتح نافذة لتسويات جديدة. هذه فرص محتملة لكنها تحتاج حكومة جديدة تتحرر من وهم أن الحرب والسياسة لعبة صفرية.
الخلاصة: العبرة من التاريخ أن السيطرة على الشعوب المحتلة لا تدوم. إسرائيل اليوم آخر قوة "بيضاء" تحكم شعبًا بالقوة والاحتلال. بلا تغيير سياسي داخلي، لا يمكن إنهاء الاحتلال ولا وضع حد للحرب التي تحولت إلى تدمير أخلاقي واستراتيجي شامل.