مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
مقدمة
قد تبدو سوماليلاند، للمتابع من بعيد، اسمًا هامشيًا في الجغرافيا السياسية العربية، أو مجرد فصل جانبي في القصة الطويلة للصومال مع الدولة المنهارة. غير أنّ إعادة إدخال هذا الاسم إلى واجهة النقاش السياسي، عبر الاعتراف الإسرائيلي بها وربطه بتسريبات عن ملفات سكانية متصلة بغزّة، تكشف أنّ المسألة أبعد بكثير من خطوة دبلوماسية مع كيان غير معترف به. نحن أمام لحظة تلتقي فيها الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابك فيها الحسابات الأمنية مع السرديات الإنسانية، في منطقة باتت تشكّل أحد مفاتيح النظام الإقليمي الجديد.
يحاول هذا المقال قراءة قصة سوماليلاند من جذورها التاريخية، ثم يشرح باختصار لماذا أصبح البحر الأحمر – وباب المندب تحديدًا – مسرحًا لصراع نفوذ متصاعد، قبل أن ينتقل إلى السؤال الأهم: ماذا تريد إسرائيل من هذا المسار؟ وكيف يمكن للفلسطينيين وللإقليم التعامل معه، دون السقوط في فخ اللغة الجافة أو الخطاب الانفعالي، وبمنظور إنساني رصين يعيد الإنسان إلى مركز التحليل.
أولًا: سوماليلاند… تاريخ دولة لم تكتمل
تعود جذور سوماليلاند إلى الحقبة الاستعمارية، حين كانت المنطقة تُعرف باسم “الصومال البريطاني”. وعلى خلاف الصورة الشائعة، لم يكن هذا الإقليم هامشًا إداريًا بسيطًا، بل كيانًا ذا حدود واضحة ونظام إداري مستقل نسبيًا عن “الصومال الإيطالي” في الجنوب. في يونيو/حزيران 1960، نالت سوماليلاند استقلالها رسميًا، لكنها لم تلبث سوى أيام قليلة قبل أن تتحد طوعًا مع الجنوب لتشكيل جمهورية الصومال.
كان هذا الاتحاد، في لحظته، تعبيرًا عن حلم قومي صومالي جامع، لكنه حمل في داخله بذور أزمة طويلة. فالدولة الجديدة سرعان ما اتجهت نحو مركزية شديدة، تعمّقت في عهد الرئيس سياد بري، ورافقها شعور متزايد في الشمال بالتهميش السياسي والاقتصادي. ومع اندلاع الصراع بين النظام والحركة الوطنية الصومالية في ثمانينيات القرن الماضي، تحوّلت مدن الشمال، وعلى رأسها هرجيسا، إلى مسرح لعنف واسع النطاق، خلّف جروحًا عميقة في الذاكرة الجمعية لسكان الإقليم.
وعندما انهارت الدولة الصومالية عام 1991، لم يكن إعلان سوماليلاند انفصالها مجرّد نزوة سياسية، بل ردّ فعل على تجربة دولة فاشلة، ومحاولة لبناء نظام محلي يحمي المجتمع من الفوضى. ومنذ ذلك الحين، سارت سوماليلاند في مسار مختلف عن بقية الصومال: مؤسسات سياسية محلية، تداول نسبي للسلطة، أجهزة أمن، وعملة خاصة. لكنها بقيت، رغم كل ذلك، بلا اعتراف دولي، عالقة في منطقة رمادية بين الدولة والكيان.
ولا يرتبط هذا الرفض الدولي بسوماليلاند وحدها، بل بالخوف من سابقة إفريقية. فالاعتراف بها يعني فتح الباب أمام عشرات الحركات الانفصالية في القارة، وتقويض مبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهو مبدأ يشكّل أحد أعمدة النظام الإفريقي منذ ستينيات القرن الماضي.
ثانيًا: باب المندب… حين تصبح الجغرافيا سياسة
لفهم عودة سوماليلاند إلى الواجهة اليوم، لا بد من التوقف عند موقعها الجغرافي. فالإقليم يمتد على ساحل طويل مطل على خليج عدن، بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. هذا المضيق يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتعبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية، بما في ذلك الطاقة والبضائع المتجهة إلى أوروبا وآسيا.
خلال السنوات الأخيرة، لم يعد باب المندب مجرد معبر تجاري، بل تحوّل إلى مساحة صراع مفتوح. فالهجمات على السفن، والتوترات الإقليمية، والحروب المحيطة بالبحر الأحمر، جعلت من أمن هذا الممر مسألة دولية بامتياز. وتسعى كل دولة إلى موطئ قدم قريب من هذه العقدة البحرية، سواء عبر قواعد عسكرية، أو اتفاقيات أمنية، أو شراكات مع كيانات محلية.
في هذا السياق، تكتسب سوماليلاند قيمة خاصة. فهي منطقة ساحلية مستقرة نسبيًا مقارنة بجوارها، وتضم ميناءً رئيسيًا هو ميناء بربرة، الذي شهد خلال السنوات الماضية استثمارات كبيرة، لا سيما من الإمارات. ولم يعد هذا الميناء مجرد منشأة تجارية، بل عنصرًا في معادلة لوجستية وأمنية أوسع، تُغري الفاعلين الإقليميين والدوليين الباحثين عن نفوذ هادئ، بعيدًا عن عناوين السيادة الثقيلة.
ثالثًا: لماذا تُغري إسرائيل؟
من هنا يمكن فهم الاهتمام الإسرائيلي بسوماليلاند. فدولة الاحتلال الإسرائيلي، التي تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، تسعى منذ سنوات إلى تأمين خطوط الملاحة التي تربط ميناء إيلات بالعالم. ومع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، بات أي حضور أو شراكة قريبة من باب المندب ذات قيمة استراتيجية عالية.
غير أنّ الإغراء لا يتوقف عند الجغرافيا وحدها. فسوماليلاند كيان يبحث عن اعتراف، وإسرائيل دولة تبحث عن شركاء خارج الإجماع الدولي التقليدي. وهذه المعادلة تخلق قابلية للمقايضة: اعتراف سياسي مقابل أدوار وظيفية، سواء كانت أمنية، أو لوجستية، أو حتى رمزية.
والأهم من ذلك هو البعد المتعلق بغزّة. ففي لحظة تواجه فيها إسرائيل ضغطًا دوليًا متزايدًا بسبب الحرب والكارثة الإنسانية، يصبح فتح مسارات دبلوماسية جديدة وسيلة لإعادة تقديم الذات بوصفها دولة “توسّع علاقاتها”، لا دولة معزولة. وحين يُقحم اسم سوماليلاند في نقاشات تتعلق بالسكان أو “الاستقبال”، نكون أمام محاولة لإبقاء فكرة “الخارج” حيّة في النقاش الدولي: فكرة أنّ حل مأساة غزة قد يكون خارج فلسطين، لا داخلها.
وحتى لو لم تتحول هذه الفكرة إلى سياسة معلنة، فإن مجرد تداولها يغيّر طبيعة النقاش. إذ ينتقل السؤال من: كيف نوقف الحرب ونحمي المدنيين؟ إلى: أين يمكن أن يذهب هؤلاء الناس؟ وهذا التحول بحد ذاته مكسب سياسي لإسرائيل، لأنه يخفف من مركزية سؤال المسؤولية.
رابعًا: غزّة… حين يُختزل الإنسان إلى خيار
من زاوية إنسانية، تكمن خطورة هذا المسار في ما يحمله من اختزال. فغزّة ليست كتلة بشرية تبحث عن مكان، بل مجتمع فلسطيني أصيل له جذور وذاكرة وعلاقة عضوية بالأرض. والحديث عن “الاستقبال” أو “إعادة التوطين”، مهما بدا ناعمًا في لغته، يعيد إنتاج منطق قديم في التاريخ الفلسطيني: تحويل الاقتلاع إلى حل، واللجوء إلى قدر.
لا يعني هذا التقليل من حجم المأساة أو من الحاجة إلى حلول إنسانية عاجلة، لكن الفرق جوهري بين حماية الإنسان في مكانه ودعم صموده على أرضه، وبين نقله خارج سياقه بوصفه مخرجًا سياسيًا. في الحالة الأولى، تكون الإنسانية مدخلًا للعدالة. وفي الثانية، تتحول إلى غطاء لتجاوزها.
خامسًا: كيف يُواجه هذا المسار فلسطينيًا وإقليميًا؟
لا تكون المواجهة هنا بالصراخ ولا بالرفض اللفظي السريع، بل بالصمود ومقاومة المخططات الاستعمارية الإسرائيلية، وبإعادة ضبط السردية. فلسطينيًا، المطلوب تثبيت فكرة بسيطة وعميقة في آن: غزّة ليست مشكلة سكانية، بل قضية شعب يخضع لاحتلال إسرائيلي غاشم وحصار ظالم ومستمر. وأي حل لا يبدأ من هذا الاعتراف سيبقى حلًا ناقصًا، مهما حمل من عناوين إنسانية.
إقليميًا، تقع مسؤولية خاصة على الدول العربية والإسلامية، ولا سيما تلك المنخرطة في مسارات الوساطة. فالصمت أو الغموض يفتحان المجال أمام تطبيع الأفكار الخطيرة. أما الموقف الواضح، الذي يربط أي نقاش إنساني بحقوق السكان في أرضهم ويرفض الاحتلال، فيعيد ضبط حدود المقبول سياسيًا وأخلاقيًا.
أما دوليًا، فيبقى الرهان على إعادة مركزية القانون الدولي، لا بوصفه نصوصًا جامدة، بل كحد أدنى من الحماية للإنسان في زمن الحروب. فقبول استثناء غزّة اليوم يفتح الباب أمام استثناءات أخرى غدًا.
خاتمة
سوماليلاند ليست مجرد إقليم منسي عاد فجأة إلى الأخبار، بل مرآة لتحولات أعمق في الإقليم، حيث تُستخدم الجغرافيا أداةً للسياسة، وتُختبر السرديات الإنسانية في لحظات الضعف. وبالنسبة لإسرائيل، تمثل سوماليلاند إغراءً مزدوجًا: موقعًا قريبًا من عقدة بحرية حساسة، وفرصة لإعادة تدوير النقاش حول غزّة. أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في هذه الخطوة بحد ذاتها، بل في المعنى الذي تحمله: هل يُسمح مرة أخرى بتحويل الإنسان إلى حل؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تُكتب في البيانات فقط، بل في القدرة على الدفاع عن فكرة بسيطة لكنها جوهرية: أن الإنسان لا يُنقل ليُحلّ، بل يُحمى ليعيش.
وهو ما لا تفهمه دولة الاحتلال الاستعماري، إسرائيل.