قراءة في مقال عاموس هريئيل - هآرتس.
بقلم/ إبراهيم صالح
كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قريبًا جدًا من إصدار أمر بتنفيذ ضربة عسكرية ضد أهداف مرتبطة بالنظام الإيراني، وفق تقديرات متقاطعة في واشنطن وتل أبيب، غير أن هذا القرار جُمّد في اللحظة الأخيرة، بعدما تزايدت الشكوك داخل الإدارة الأميركية بشأن جدوى الهجوم، وإمكانية أن يؤدي فعلًا إلى ترجيح كفة الاحتجاجات الجارية داخل إيران، أو إحداث اختراق حاسم في ميزان القوى الداخلي.
الخيارات العسكرية لم تُسحب من الطاولة، لكنها وُضعت مؤقتًا جانبًا، بانتظار تبلور صورة أوضح حول مسار الأحداث، هذا التريث جاء عقب مشاورات مكثفة ضمت مسؤولين أميركيين وإسرائيليين، إلى جانب أطراف خليجية، في محاولة لتقدير المخاطر والفرص المترتبة على أي تصعيد مباشر.
في إسرائيل، يُنظر بإيجابية مبدئية إلى أي جهد أميركي يستهدف إضعاف النظام الإيراني أو الدفع نحو تغييره، لكن القلق الإسرائيلي يتمحور حول مسألتين أساسيتين، الأولى، احتمال أن ترد طهران بهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة ضد أهداف إسرائيلية أو خليجية؛ والثانية، الخشية من أن تكون الخطة الأميركية غير ناضجة بما يكفي، بما يؤدي إلى ضربة محدودة التأثير قد تمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترتيب صفوفه بدل إسقاطه.
داخل البنتاغون، جرى بالفعل بحث سيناريوهات تشمل ضربات جوية واسعة تستهدف مراكز قيادة وسيطرة تابعة للحرس الثوري وأجهزة الأمن، بالتوازي مع عمليات سيبرانية تهدف إلى شل البنية التحتية الأمنية للنظام. هذه الخطط صُممت للتنفيذ خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، غير أن إعلان ترامب تلقيه “ضمانات” بوقف الإعدامات وتراجع العنف ضد المتظاهرين أتاح له مبررًا سياسيًا لإبطاء القرار.
على الأرض، ورغم الحديث عن انخفاض وتيرة القتل، فإن المشهد داخل إيران يشير إلى نجاح أمني مؤقت للنظام، تحقق عبر قمع شديد وقطع شبه كامل للإنترنت، ذروة الاحتجاجات سُجلت في مطلع كانون الثاني/يناير، حين خرج مئات الآلاف — وربما أكثر — إلى الشوارع، وسقط خلال أيام قليلة عدد غير مسبوق من القتلى منذ الثورة الإسلامية، ومع ذلك، فإن التعتيم الإعلامي، إلى جانب العنف الممنهج الذي مارسته قوات البسيج والحرس الثوري، مكّن السلطات من كبح الزخم الشعبي، ولو مرحليًا.
التقديرات تشير إلى آلاف القتلى وعشرات آلاف الجرحى، كثيرون منهم لم يحصلوا على علاج طبي كافٍ، كما لجأت الأجهزة الأمنية إلى مداهمة المنازل ومصادرة وسائل الاتصال، بما في ذلك معدات الاتصال عبر الأقمار الصناعية، في محاولة لعزل الشارع الإيراني عن العالم الخارجي.
في المقابل، يتنامى قلق داخل صفوف المحتجين من أن يؤدي التردد الأميركي إلى إضاعة لحظة تاريخية نادرة، فقد رفع ترامب سقف التوقعات حين دعا علنًا إلى تصعيد الاحتجاجات، ملمّحًا إلى أن “الدعم في الطريق”، قبل أن يتراجع عمليًا إلى موقع الانتظار والترقب، من هنا، يبدو أن قراراته المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الاحتجاجات على الصمود والاستمرار.
في إسرائيل، يسود اعتقاد بأن الأزمة الإيرانية مرشحة لأن تطول، وربما تمتد لأشهر، لكن مع تآكل متزايد في قدرة النظام على فرض هيبته، اللافت في هذا السياق هو تنامي الحضور الرمزي لنجل الشاه السابق، رضا بهلوي، الذي بات يُنظر إليه، للمرة الأولى، كخيار محتمل للقيادة في مرحلة ما بعد النظام، خلافًا للتقديرات الإسرائيلية السابقة التي قللت من شأنه.
تحسبًا لأي تصعيد، رفع الجيش الإسرائيلي مستوى الجاهزية الدفاعية، في ظل تهديدات إيرانية بالرد إذا ما تعرضت لهجوم أميركي، غير أن تقدير النيات الإيرانية بات أكثر تعقيدًا، نتيجة تراجع وضوح مركز القرار في طهران، فالدور التقليدي للمرشد الأعلى في إدارة الأزمات العسكرية لم يعد حاسمًا كما في السابق، ما يثير تساؤلات حول كيفية عمل سلسلة القيادة في سيناريوهات الطوارئ.
رغم ذلك، يرى بعض التقديرات أن طهران، إذا افترضت أن ضربة أميركية قد تفتح نافذة جديدة لمفاوضات نووية، فلن تكون معنية بتوسيع دائرة المواجهة عبر صدام مباشر مع إسرائيل، فالتورط في جبهة إضافية قد يعقّد حساباتها بدل أن يخدمها.
إسقاط النظام الإيراني — إن تحقق — سيُعد تحولًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في الشرق الأوسط، لكن السؤال الأكثر إلحاحًا داخل إسرائيل حاليًا يتمثل في الثمن الآني: هل ستقود أي ضربة أميركية إلى رد إيراني مباشر يستهدف العمق الإسرائيلي؟ ورغم الصمت الحكومي والحذر الإعلامي، فإن المؤسسة الأمنية تتعامل مع هذا السيناريو بوصفه احتمالًا واقعيًا يستوجب الاستعداد الكامل.
المحقق والمتهم: صورة من داخل مكتب رئيس الحكومة
بالتوازي مع التطورات الإقليمية، تكشف الساحة الداخلية الإسرائيلية صورة مضطربة داخل مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فبينما يمثل هو نفسه مجددًا أمام المحكمة، تتوالى القضايا التي تطال دائرته الأقرب: طعون قانونية، تحقيقات جنائية، وصراعات مفتوحة بين مستشارين سابقين وحاليين.
نتنياهو، المنشغل أساسًا بمحاولات الإفلات من لائحة الاتهام التي تلاحقه منذ سنوات، يجد نفسه أمام تشابك جديد بين قضايا تسريب إعلامي وملفات ذات صلة بقطر، هذه القضايا لا تُدار فقط في أروقة القضاء، بل تتحول إلى مادة يومية في وسائل الإعلام، عبر تسريبات متبادلة وفضائح شخصية.
نشر مراسلات خاصة بين مسؤولين في مكتبه، عقب العثور على جثث مختطفين إسرائيليين قُتلوا في غزة، ألقى ضوءًا قاسيًا على ثقافة الاستهتار والانفصال الأخلاقي داخل الدائرة الضيقة المحيطة برئيس الحكومة، هذه المراسلات، بما تحمله من سخرية فجة في لحظة مأساوية، باتت جزءًا من تحقيق أوسع حول تسريب معلومات أمنية محرّفة لوسائل إعلام أجنبية، بهدف إعادة صياغة الرواية العامة وإبعاد المسؤولية السياسية عن نتنياهو.
لاحقًا، توسعت الشبهات لتشمل علاقات مالية وإعلامية مع قطر، شملت — وفق التحقيقات — تشغيل مستشارين إعلاميين في حملات تأثير تخدم مصالح الدوحة، بما في ذلك تأجيج التوتر مع مصر خلال الحرب عبر معلومات مضللة، ورغم أن الاتهامات لا تصل إلى حد التجسس، فإن توصيف “وكلاء تأثير” بات حاضرًا بقوة في خطاب المحققين.
هذا المسار لم يتوقف إلا بعد فتح التحقيقات رسميًا، ما يعكس حجم الاختراق الذي شهدته إحدى أكثر الدوائر حساسية في الدولة.