من غزة إلى الضفة: حين يصبح "الأمن" قناعاً للإبادة

قراءة ‏عميقة في تحوّلات الخطاب الأمني الإسرائيلي

لا يمكن النظر إلى التقارير الأمنية الإسرائيلية التي تتحدث برتابة عن "إحباط الإرهاب في الضفة الغربية" كأنها مجرد أخبار ميدانية عابرة. إنها في جوهرها امتداد لغوي وسياسي لحرب الإبادة التي بدأت في غزة ولم تنتهِ فصولها بعد. ما نشهده اليوم هو انتقال لآلة القتل من "الإبادة الشاملة" في القطاع إلى "القمع المتدرج" في الضفة، حيث يتم استبدال القنابل الثقيلة بالاقتحامات الليلية، والمجازر الجماعية بالاعتقالات التي تنهش بنية المجتمع.

عسكرة الوجود وتجريم المكان لقد فقد الخطاب الأمني الإسرائيلي آخر أقنعته بعد السابع من أكتوبر. لم يعد الاحتلال يتكلف عناء الحديث عن "إدارة الصراع" أو "الأفق السياسي"؛ بل انتقل كلياً إلى منطق الاستئصال الوقائي. في هذا الخطاب، لا يُنظر إلى الضفة الغربية كفضاء جغرافي يسكنه بشر لهم حقوق، بل كـ "امتداد أمني" لغزة. الفلسطيني هنا ليس إنساناً يقاوم احتلالاً، بل هو مجرد "ملف أمني" أو "رقم" في قائمة المطلوبين، يُشتبه بوجوده ويُدان مسبقاً قبل أي فعل.

سحر الأرقام ووظيفة التضليل كما في غزة، تُستخدم الأرقام في الضفة كأداة للإقناع لا كأداة للحقيقة. مئات المعتقلين، ملايين الشواكل المصادرة، وعشرات المسيّرات التي تجوب السماء.. هذه الأرقام تهدف لصناعة "إنجاز وهمي" يرمم صورة الجيش المنكسرة. هي لغة تختزل مأساة عائلات كاملة في خانة "الإحباط الناجح"، وتخفي وراءها حقيقة الاعتقال الإداري الذي يبتلع أعمار الشباب دون تهمة أو محاكمة، محولةً القانون إلى "إجراء شكلي" يخدم السيطرة المطلقة.

الضفة.. غزة المؤجلة الأخطر في هذا التحول هو استنساخ "نموذج غزة" في مدن وقرى الضفة. فبينما كان التدمير الشامل هو معيار النجاح في غزة، تُمارس في الضفة سياسة "عقاب البيئة". الاقتحامات التي تستهدف البنية التحتية، وإغلاق المنازل، والتنكيل الجماعي على الحواجز (كما تظهره صور المعاناة اليومية)، كلها تهدف لإيصال رسالة واحدة: المجتمع الفلسطيني كله مُجرم حتى يثبت العكس. إنها محاولة لتحويل الضفة إلى "غزة مؤجلة"، تُستنزف يومياً ببطء بانتظار لحظة الانفجار الكبير.

الإعلام كغرفة عمليات في هذا المشهد، لم يعد الإعلام العبري ناقلاً للخبر، بل صار جزءاً من هيئة الأركان. وظيفته تخدير المجتمع الإسرائيلي وإقناعه بأن "القبضة الحديدية" هي الضمان الوحيد للأمن، وفي الوقت ذاته، ترهيب الفلسطيني بأن نموذج الإبادة في غزة قابل للتعميم في أي لحظة.

خلاصة القول من منظور مركزنا إن هذا الخطاب الإسرائيلي يسعى لغلق باب السياسة نهائياً، وإحلال "لغة القوة" مكان "لغة الحق". إننا أمام احتلال يعيد تعريف نفسه كآلة أمنية محضة، تطلب من العالم أن يرى الضحية بعيون القاتل. إن صمود الفلسطيني في الضفة اليوم ليس مجرد صمود أمام اقتحام عسكري، بل هو مواجهة مع خطاب يسعى لمحو وجوده الإنساني وتحويله إلى مجرد "هدوء مطلوب" في معادلة أمنية لا تنتهي

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025