من غزة إلى كراكاس: القرصنة والوقاحة قاعدة في النظام الدولي
بقلم/ إبراهيم صالح
إن ما حدث مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليس ليس مجرد حادثة معزولة في العالم، بل أنها حلقة جديدة ومفزعة في منطق دولي يعرفه الفلسطينيون جيدا منذ أكثر من سبعة عقود، الفارق الوحيد أن ما يُمارَس ضد الفلسطينيين يومياً وبلا انقطاع، جرى تنفيذه هذه المرة دفعة واحدة، وبصورة وقحة، ضد رئيس دولة ذات سيادة في أميركا اللاتينية.
اختطاف رئيس دولة بالقوة العسكرية، وخارج أي تفويض دولي أو مسار قضائي، ليس “تطبيقاً للقانون” بل إعلان صريح أن القانون الدولي لم يعد مرجعية، بل أداة انتقائية. هذا بالضبط ما يعرفه الفلسطينيون جيداً: حين تُقصف غزة باسم “الامن والدفاع”، ويُحاصَر ويجوع شعب كامل باسم “الأمن”، ويُقتَل المدنيون باسم “ااديمقراطية”، يصبح القانون غطاءً للعدوان لا قيداً عليه.
في فلسطين، لم يكن انهيار القيم الغربية والنظام الدولي حدثاً واحدا او مفاجئاً، بل كان مساراً طويلاً من االتآمر والصمت. فهيئة الأمم المتحدة التي تُهمَّش اليوم في كراكاس، جرى تعطيلها في فلسطين منذ زمن، وقراراتها يتم تكديسها في الأدراج، ومحاكمها تُشلّ، ومؤسساتها تُستخدم كشاهد زور على نظام يسمح بالاحتلال، ويُدين مقاومته، ويُجرّم ضحيته.
ما حدث مع مادورو يفضح جوهر المعادلة ذاتها: من يمتلك القوة يملك تعريف “الشرعية”، ومن يفتقدها يُصنَّف خارج القانون، في الحالة الفلسطينية، لم يُكتفِ بإنكار السيادة، بل جرى إنكار الوجود نفسه. الأرض تُصادَر، والبيوت تُهدم، والناس يُقتَلون أو يُهجَّرون، فيما يُطلب من الضحية دائماً أن “تحترم القانون الدولي” الذي لا يحميها.
الأكثر خطورة أن الخطاب المستخدم في الحالتين واحد. في فنزويلا كما في فلسطين، تُستدعى لغة “حقوق الإنسان” لتبرير انتهاكها، وتُرفع راية “الحرية” فوق الدبابات والطائرات، هذا ليس تناقضاً عرضياً، بل بنية أيديولوجية متكاملة تُعيد تعريف العدوان بوصفه رسالة أخلاقية، والاحتلال بوصفه إجراءً إصلاحياً.
وحين يتحدث المسؤولون الأتراك عن أن العالم بات يُدار بمنطق “القوة مقابل القوة”، فإن الفلسطينيين يدركون معنى ذلك عملياً، فحين تُغلق كل أبواب العدالة، وتُفرَّغ المؤسسات الدولية من مضمونها، لا يبقى أمام الشعوب الواقعة تحت الهيمنة سوى أدوات الصمود والمواجهة، مهما اختلفت أشكالها، المسؤولية هنا لا تقع على من يرفض الخضوع، بل على من دمّر الإطار الذي كان يفترض أن يحميه.
لقد كان اعتقال الرئيس مادورو نسخة مكثفة ومسرّعة لما يجري في القدس والضفة وغزة منذ عقود، أي نزع للشرعية عن قيادة الشعب الفلسطيني، وكذلك تجريم الإرادة الفلسطينية، واستخدام القوة الغاشمة من أجل إعادة تشكيل الواقع السياسي وفق مطامع الهيمنة، وإذا كان العالم قد صُدم اليوم لأن الضحية رئيس دولة، فإن الفلسطينيين يسألون بمرارة: ماذا جرى لي ياسر عرفات، و أحمد ياسين، وأبوعلي مصطفى، وخليل الشقاقي، والقائمة طويلة، وكم طفلاً قُتل، وكم مدينة دُمّرت، قبل أن يدرك العالم أن ما يحدث ليس استثناءً بل القاعدة؟
ختاما من غزة وفلسطين إلى فنزويلا وكاراكاس، الرسالة واحدة: النظام الدولي لم يعد مكسوراً… بل منحازاً، ومن يراهن على حمايته، دون امتلاك عناصر القوة والصبر والثبات والمقاومة والصمود، يراهن على أوهام، وما الصمت على هذه الجريمة والقرصنة إلا مشاركة فيها.