صحيفة هآرتس
علاء حيدر – محامٍ، دكتور في القانون، محاضر وباحث
العربي الذي أنقذ يهودًا في سيدني لم يفعل شيئًا استثنائيًا. المشكلة في مَن انبهر به
في الشهر الماضي، وثّقت وسائل إعلام حول العالم رجلًا مسلمًا يُدعى أحمد، قام بجسده بمنع إطلاق نار على يهود أبرياء في سيدني بأستراليا. إن مجرّد وصول هذا الفعل إلى عناوين الصحف يكشف المشكلة الإدراكية: عمل إنساني إنقاذي جرى التعامل معه بوصفه غير معقول، لا بسبب الفعل نفسه، بل بسبب هوية المُنقِذ. الصدمة، والدهشة، والإعجاب لم تكن ردًّا على شجاعة أحمد، بل على كونه خرج عن التوقّع المرسوم له. هذه ليست زلّة بريئة؛ بل لائحة اتهام إدراكية.
أحمد نفسه لم يطلب أن يكون جزءًا من هذا العرض. لم يغلّف فعله بالشعارات، ولم يستدعِ أيديولوجيا، ولم يحاول تلبية التوقعات التي فرضها عليه الجمهور ووسائل الإعلام. قال في أحد اللقاءات: «روحي قالت لي أن أفعل ذلك». هذه الجملة، ببساطتها، تقوّض منظومة كاملة: فهي ترفض الإطار الأمني أو الديني أو القومي، وتعيد الفعل إلى مكانه الطبيعي — استجابة إنسانية لضيق إنساني. غير أنّه في عالم يُطالَب فيه المسلم بأن يشرح لماذا يتصرّف أخلاقيًا، يُعدّ مجرّد رفض الشرح فعلًا استثنائيًا.
حذّر إدوارد سعيد، المفكّر الفلسطيني، من عالم يحلّ فيه التمثيل محلّ الواقع. لا الواقع هو الذي يملي الصورة، بل الصورة هي التي تحدّد كيف يُفهم الواقع. ردود الفعل على فعل أحمد تُظهر إلى أي حدّ ما تزال هذه التحذيرات راهنة: فالقالب النمطي لا يُختبَر أمام الوقائع، بل يفرض عليها معناها. وهكذا تتحوّل الإنسانية إلى استثناء، والاستثناء إلى تهديد للنظام المألوف.
عندما ينقذ مسلم أو عربي يهودًا، وتكون الاستجابة الأولى هي الصدمة، يتّضح أن المشكلة ليست في المُنقِذ بل في المُشاهِد. فالعرب والمسلمون لا يُنظَر إليهم، بحكم طبيعتهم، بوصفهم أصحاب اختيار أخلاقي، بل كفئة مشبوهة. تُنسَب إليهم العنف سلفًا؛ أمّا الإنسانية فلا تُمنَح إلا إذا «أثبتوها». وحتى حينها، لا تكون الإثباتات كافية أبدًا.
حتى رفض أحمد للقب «بطل» يكشف عمق التشوّه. قال في أحد اللقاءات: «كل ما في قلبي وعقلي عمل من أجل إنقاذ حياة إنسان». لا حسابات، ولا رغبة في تدوين الاسم في كتب التاريخ. ثم أوضح لاحقًا أنه تصرّف بدافع «الرغبة في حماية أبرياء، وليس بالضرورة بدافع البطولة». لكن في الخطاب العام السائد، يُنظَر إلى المسلم الذي لا تحرّكه الكراهية أو العنف بوصفه انحرافًا يحتاج إلى تفسير وتأطير وتحييد.
هنا يعمل آليّة الاستشراق التي كتب عنها سعيد. «الشرقي»، وفي حالتنا «العربي أو المسلم»، لا يُدرَك كإنسان مركّب، بل كنمط: عنيف، غير عقلاني، مشبوه، خطِر، طابور خامس. ليس إنسانًا بل صورة. داخل هذه الآلية، يؤكّد العربي أو المسلم الذي يرتكب فعلًا عنيفًا القاعدة؛ أمّا الذي ينقذ حياة فيناقضها — ولذلك يُعرَّف بوصفه استثناءً. لكن الاستثناء لا يهدم القالب؛ بل ينقذه. فهو يسمح بالقول: ها نحن نعرف كيف نُقدّر الاستثناءات — وبذلك نحافظ على القاعدة.
هذا الخلل لا يقتصر على العامة. حتى رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، وجد صعوبة في البداية في تصديق واستيعاب هوية المُنقِذ. ليست زلّة لسان ولا حكاية هامشية، بل دليل على عمق ترسّخ الصورة: العرب والمسلمون بوصفهم مُهدِّدين، «يتدفّقون»، لا مُنقِذين. حين يعجز قائد دولة عن تخيّل مسلم أو عربي ينقذ يهودًا، فهذه ليست مجرّد قناعة شخصية — إنها أيديولوجيا. هنا تتوقّف كلمات سعيد عن كونها نصًا أكاديميًا، وتغدو تشخيصًا للحاضر.
وهكذا تتحوّل كراهية العرب والمسلمين إلى فعل «عقلاني»، والعنصرية ضدّهم إلى «واقعية». لكن لا واقعية هنا — بل نزع للإنسانية. عندما تُربَط هوية كاملة تلقائيًا تقريبًا بالعنف، تنتفي الحاجة إلى التفاصيل، والقصص، والسياق. الجميع مشبوهون حتى يثبت العكس — وحتى حين يثبت، يبقى الإثبات مؤقتًا، مشروطًا، هشًّا.
الضرر ليس نظريًا. إنه يتسرّب إلى السياسات، وإنفاذ القانون، والخطاب العام، واللقاء اليومي: مع سائق حافلة، أو عنصر أمن في ملعب كرة قدم، أو طبيب في مستشفى، أو عامل نظافة، أو امرأة تسير على جانب الطريق في يافا. وما يجمعهم هو كونهم عربًا أو مسلمين، وأن الأذى الواقع عليهم يُنظر إليه بوصفه «ليس بالضرورة» فعلًا خاطئًا. في إسرائيل اليوم تتسارع هذه الظاهرة. صحافيون ومعلّقون مثل تسفي يحزكئيلي، وينون مغال، وإلياهو يوسيان وغيرهم، يحرّضون بلا رادع أو مساءلة، شبه يوميًا، ضد المواطنين العرب، ويحذّرون من «7 أكتوبر جديد»، ويستغلّون الخوف والصدمة للحفاظ على صورة مشوّهة لـ«الآخر» — وتحويل جمهور كامل إلى مشتبه دائم.
ونعود إلى أحمد. لعلّ أقوى جملة قالها هي تلك التي ترفض أي سردية انتصار: «أعرف أنني أنقذت كثيرين، لكن قلبي مع من فقدوا حياتهم». لا احتفال هنا، ولا تفاخر، ولا فخر قومي أو ديني. بل حزن، ومسؤولية، ووعي أخلاقي عميق — وعي لا ينسجم مع القالب النمطي، ولذلك يصعب ابتلاعه.
فعل أحمد لا «يلهم». إنه يكشف إلى أي حدّ نجحت أنظمة التمثيل، والإعلام، والقوة في جعل إنسانية العرب والمسلمين أمرًا مُفاجئًا. حذّر سعيد من اللحظة التي يحلّ فيها التمثيل محلّ الإنسان. يبدو أن تلك اللحظة قد وقعت منذ زمن. والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كان القالب النمطي كاذبًا، بل كم من الوقت سيواصل حاملوه الكذب على أنفسهم، وإنكار إنسانية الآخر.