صادر عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى
ضمن قسم تحليل السياسات
بقلم: ديفيد شينكر وسايمون هندرسون
ترجمة حضارات
تُعد موافقة إسرائيل على اتفاقية التصدير المتأخرة تطوراً إيجابياً، غير أنه يتعين على المسؤولين الأميركيين النظر إليها باعتبارها نقطة انطلاق، وليست محطة وصول للجهود الهادفة إلى تخفيف حدة التوترات بين شريكي سلام أساسيين.
في السابع عشر من كانون الأول، كشفت إسرائيل النقاب عن أضخم صفقة غاز طبيعي في تاريخها، وهي اتفاقية بقيمة 35 مليار دولار لتوسيع نطاق الصادرات إلى مصر من حقول بحرية تشرف على إدارتها شركة طاقة أميركية كبرى.
وسارع المسؤولون في القدس المحتلة وواشنطن إلى الترحيب بالصفقة ووصفها بقصة نجاح استثنائية، إذ اعتُبرت «إنجازاً كبيراً للأعمال الأميركية والتعاون الإقليمي».
كما أُشير إلى أنها ستكون حاضرة على جدول أعمال زيارة مرتقبة لرئيس وزراء الاحتلال إلى الولايات المتحدة، بل طُرح احتمال تنظيم لقاء احتفالي ثلاثي يضم القيادة المصرية.
غير أن القمة الثلاثية لم ترَ النور، فيما عمدت القاهرة إلى التقليل علناً من أهمية الصفقة الجديدة، مؤكدة أنها صفقة تجارية بحتة أُبرمت حصرياً بناءً على اعتبارات اقتصادية واستثمارية دون أي أبعاد سياسية.
ويكشف غياب أي إشارة إلى مصر في التصريحات الرسمية اللاحقة أن عقد الغاز أو العلاقات الثنائية لم تحظَ بمناقشة معمقة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من تراجع مستوى الإلحاح الذي يحيط بهذا الملف في خضم قضايا إقليمية أخرى، ينبغي لواشنطن أن تبدي قلقها إزاء المسار التنازلي المتواصل في العلاقات المصرية الإسرائيلية منذ اندلاع حرب غزة، فربما نجحت صفقة الغاز في إرجاء مزيد من التدهور مرحلياً، إلا أن التوقعات على المدى البعيد تبقى مقلقة.
تأخر التوقيع
جرى توقيع الصفقة مبدئياً في آب/أغسطس، لكن الخطوة النهائية المتمثلة في منح ترخيص التصدير أُرجأت لأشهر، ما أثار امتعاضاً أميركياً واضحاً، ويُعزى هذا الاستياء جزئياً إلى اعتبارات تجارية، نظراً لحصص الشركات الأميركية الكبيرة في حقول الغاز البحرية الإسرائيلية، ودورها في إدارة مرافق الاستخراج وخط الأنابيب البحري الذي ينقل الغاز إلى مصر، الزبون الأبرز لهذه الإمدادات.
وعلى الرغم من كون مصر منتجاً أكبر للغاز من إسرائيل، فإنها تعجز منذ سنوات عن تلبية الطلب المحلي المتزايد، ويشكّل الغاز الإسرائيلي قرابة خمس الاستهلاك المحلي المصري، وهو اعتماد ظل سياسياً حساساً حتى قبل حرب غزة، وعلى غرار الأردن، تسعى القاهرة إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الإمدادات الإسرائيلية، وقد أبرمت بالفعل اتفاقاً لشراء شحنات من الغاز الطبيعي المسال من مصادر بديلة.
تصاعد التوترات
يكتسب التراجع في العلاقات الثنائية دلالة خاصة، إذ كانت قد بلغت مستوى غير مسبوق من التعاون خلال العقد السابق لحرب غزة، شمل تنسيقاً أمنياً واسعاً في سيناء وتجاوزات عملية لبعض قيود معاهدة السلا،. ومع ذلك، شهدت العلاقة منذ عام 2023 تدهوراً واضحاً في ظل تصاعد أعداد الضحايا في غزة، ومخاوف القاهرة من سيناريوهات تهجير جماعي، وحوادث أمنية مباشرة، إضافة إلى تحركات قانونية وسياسية مصرية على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق، جاء تأجيل صفقة الغاز كأداة ضغط إضافية، عكست هشاشة العلاقة ومستوى التوتر المتراكم بين الطرفين.
الحسابات السياسية الإسرائيلية
عند الإعلان عن ترخيص الصفقة، أُشير إلى مراعاة اعتبارات أمنية ومصالح حيوية أخرى، من دون كشف تفاصيلها، ويُرجَّح أن تكون القيادة الإسرائيلية قد سعت إلى انتزاع مكاسب سياسية، تشمل تهدئة التوترات، وإعادة ضبط الوجود العسكري المصري في سيناء، وتعزيز التنسيق حول مستقبل غزة بعد الحرب، وصولاً إلى هدف أوسع يتمثل في تعميق الاندماج الإقليمي.
غير أن نفي القاهرة لأي بُعد سياسي للصفقة يعكس فتوراً واضحاً في الرغبة بالانخراط مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، رغم استمرار التكهنات حول إمكانية وساطة أميركية لإعادة إحياء قنوات التواصل.
الدور الأميركي
مع أن صفقة الغاز أوقفت، مؤقتاً، مزيداً من التدهور في العلاقات، فإنها لم تُفضِ إلى استقرار حقيقي. فغياب اللقاءات السياسية المباشرة منذ سنوات، وتزايد تعقيدات ملف غزة، يجعلان من التعاون المصري الإسرائيلي عنصراً حاسماً وملحّاً، وفي حال استمرار ضعف التنسيق، قد يتحول ملف غزة إلى عامل تفجير إضافي للعلاقة بدلاً من أن يكون مدخلاً لاحتوائها.
لقد شكّلت الصفقة مكسباً للإدارة الأميركية، ورسخت قناعة بأن الاتفاقيات الاقتصادية يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار. إلا أنها يجب أن تُفهم كنقطة بداية لمسار أوسع، لا كنهاية له، فالدبلوماسية الأميركية الهادئة، إذا ما فُعّلت بجدية، قادرة على تحسين العلاقات خلف الكواليس، ونقل الحوار من الإطار التجاري الضيق إلى نقاشات سياسية أعمق تتعلق بمستقبل غزة وسيناء والعلاقة الثنائية ككل.