قرار خفض الفائدة الإضافي الذي اتُّخذ هذا الأسبوع، إلى جانب تحسّن توقعات النمو الصادرة عن شعبة الأبحاث في بنك إسرائيل، أثارا أجواءً متفائلة في المستوى السياسي. رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش احتفلا بالفعل بالمعطيات المحدّثة ونسباها إلى سلوكهما الاقتصادي وإلى “المسؤولية” التي أظهراها، لكن الحقيقة هي أنه لم تكن هنا سياسة فعلية، الضرر الذي لحق بالاقتصاد الإسرائيلي ما زال قائمًا، وقد يتفاقم.
1. نمو؟ تصحيح بعد الجمود
شهدت توقعات النمو الصادرة عن بنك إسرائيل تحسّنًا كبيرًا، يقدّر البنك أن الاقتصاد نما بنسبة 2.8% في 2025، بزيادة قدرها 0.3 نقطة مئوية مقارنة بالتوقع السابق في أيلول/سبتمبر، كما رُفعت توقعات النمو لعام 2026 إلى 5.2%، وكذلك توقعات 2027 التي عُرضت للمرة الأولى، وهي مرتفعة نسبيًا، 4.3%.
تبدو هذه التوقعات اليوم متفائلة، لكن عند النظر إلى الخلف يتبيّن أنها ليست سوى “تصحيح” بطيء وزاحف لحالة الجمود التي سادت الاقتصاد خلال سنوات الحرب، كان من المفترض أن ينمو الاقتصاد في تلك السنوات بالمعدل المعتاد، 3%–4% سنويًا، فعليًا، وحتى بعد الربع الثالث الممتاز من 2025، لا يزال الفارق بين الناتج الفعلي ومستوى الناتج الذي كان متوقعًا وفق الاتجاه طويل الأمد يبلغ 3.5%، بحسب بنك إسرائيل.
دلالة تحسّن التوقعات حاليًا ليست نموًا غير مسبوق كما وعد سموتريتش مرارًا، بل مجرد إغلاق للفجوة في النمو التي نشأت خلال سنوات الحرب، وينسب بنك إسرائيل ذلك أساسًا إلى العودة المتوقعة لقوة العمل إلى الاقتصاد نتيجة تقليص عدد المجنّدين في الاحتياط، هذه العودة ستؤدي إلى تسارع النشاط، لا إلى إدخال متغيّر جديد لم يكن محسوبًا من قبل.
كل ذلك لا يمنع سموتريتش من التباهي بـ“السياسة الاقتصادية” التي ستنتج نموًا، وحتى في تحليل بارد، يصعب فهم أي قرار “سياساتي” واحد اتخذه خلال السنوات الثلاث الماضية وحسّن وضعنا، هناك بعض القوانين التي كانت مطروحة في وزارة المالية ودُفعت في عهده، مثل صندوق ضريبة الأملاك وقانون البنى التحتية الوطنية (الذي يسمح بإزالة عوائق أمام تطوير بنى تحتية وطنية)، لكن تأثيرها هامشي.
السياسة الوحيدة التي دفع بها سموتريتش لم تكن في وزارة المالية بل في المجلس الوزاري الأمني، فقد قاد طوال عامين ضغطًا سياسيًا لمواصلة القتال في غزة دون جدوى، هل كان لذلك أي إسهام اقتصادي إيجابي على المدى الطويل؟
الأضرار التي خلّفتها الحرب وطريقة إدارة سموتريتش للاقتصاد، حيث بعثر الأموال على كل هدف فئوي قريب، ستثقل كاهل جميع مواطني إسرائيل في السنوات القادمة أيضًا، والجانب الأكثر تشاؤمًا في توقعات بنك إسرائيل هو ذاك الذي يفيد بأن الحكومة لن تنجح في خفض نسبة الدين إلى الناتج، وهو أهم مؤشر كلي يعكس مستوى الاستقرار المالي لإسرائيل.
حتى الآن، وعلى الرغم من الإنجازات العسكرية، لم تُزل الحرب التهديدات الفورية عن إسرائيل، حماس ما زالت حيّة وتسيطر على غزة، وحزب الله لم ينزع سلاحه في لبنان، والإيرانيون يستعدون للجولة المقبلة، وليس عبثًا أن شركات التصنيف لا تسارع إلى رفع تصنيف إسرائيل، وتؤكد أن المخاطر الجيوسياسية ما زالت قائمة.
لم يستغل سموتريتش الحرب حتى الآن لقيادة تغيير عميق في الاقتصاد الإسرائيلي، لم يمسّ غلاء المعيشة، ولا كفاءة القطاع العام، ولا التأخر في رأس المال البشري والبنى التحتية، بل على العكس، الائتلاف الحالي زاد من تدهور منظومة التعليم عبر الحوافز للتعليم الحريدي.
2. الدين ما زال يهدد
القرارات الأساسية لسموتريتش وللحكومة عمومًا كانت مالية، توسيع العجز لتمويل الحرب وتحفيز جنود الاحتياط على الخدمة في جولات إضافية بدل تجنيد آخرين، وقد فعلت الحكومة ذلك أساسًا عبر زيادات ضريبية، كان معظمها مؤقتًا وغير طويل الأمد. وسقطت معظم إجراءات الضرائب على كاهل الطبقة الوسطى، مثل رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 18% وتجميد شرائح ضريبة الدخل.
الأضرار التي خلّفتها الحرب وسلوك سموتريتش الاقتصادي ستثقل كاهل المواطنين في السنوات القادمة، والجانب الأكثر تشاؤمًا في توقعات شعبة الأبحاث في بنك إسرائيل هو عدم قدرة الحكومة على خفض نسبة الدين إلى الناتج.
عشية الحرب نجحت إسرائيل في خفض الدين إلى أقل من 60% من الناتج، في 2024 ارتفعت هذه النسبة بسبب القتال إلى 67.6%، وفي 2025 بلغت 68.5% وفق تقدير بنك إسرائيل. ووفق التوقعات ستبقى عند هذا المستوى في 2026 و2027، وربما فقط في 2028 نبدأ برؤية تغيير، وكلما ارتفعت مستويات الدين، ارتفعت كلفة الدين والفوائد التي سندفعها.
وقد انعكست هذه الكلفة بوضوح في الإصدار العام الكبير الذي نفّذه المحاسب العام في وزارة المالية هذا الأسبوع، حيث جُمِع 6 مليارات دولار عبر إصدار سندات دولارية لخمس وعشر و30 سنة.
المؤشر الأهم هنا هو علاوة المخاطر التي تضطر إسرائيل لدفعها مقارنة بسندات الحكومة الأميركية، أي هامش الفائدة الإضافي الذي ندفعه للمستثمرين.
صحيح أن الهوامش انخفضت في الإصدار الأخير مقارنة بذروة فترة القتال، لكنها ما زالت تبلغ 100 نقطة أساس في السندات لعشر سنوات، و125 نقطة أساس في السندات لثلاثين سنة، وعند مقارنتها بإصدارات كانون الثاني/يناير 2020 قبل صدمات كورونا والحرب، نجد أنها كانت أقل بكثير آنذاك، بمعنى آخر، مخاطر إسرائيل ما زالت أعلى بكثير، ونحن مضطرون لدفع فوائد أعلى بكثير مقابل القروض.
3. عجز مؤقت فقط
سقف العجز المتوقع لعام 2026، بحسب بنك إسرائيل ووزارة المالية، هو 3.9%. لكنه رقم غير نهائي، فالموازنة لم تُعرض بعد على الكنيست، ولم تبدأ النقاشات فيها، وكل شيء قد يتغير حتى إقرارها بالقراءتين الثانية والثالثة حتى نهاية آذار/مارس.
وحتى عندها لن تكون هذه الكلمة الأخيرة، التخوف هو أنه بعد أن جعلت الحكومة الحالية فتح الموازنة أمرًا اعتياديًا، مرة في 2023، ثلاث مرات في 2024، ومرتين في 2025، ستسمح لنفسها بفتح الموازنة مجددًا في منتصف 2026. وفي وزارة الأمن تُسمع أصوات تفيد بأن الموازنة المتفق عليها، 112 مليار شيكل، غير كافية، وسيكون لا بد من زيادتها عبر “صندوق”، خصوصًا إذا تفاقم الوضع الأمني في إحدى الساحات.
قليلون انتبهوا إلى أن طريقة إدارة الحكومة لإقرار موازنة 2026 عكست استخفافًا بإطارات الموازنة، وبأهمية مسارات اتخاذ القرار في القضايا الاقتصادية، في الظروف العادية، تمتد مناقشات الحكومة لإقرار الموازنة على ثلاثة اجتماعات منفصلة تفصل بينها أسابيع، أما هذا العام، فاكتفت الحكومة باجتماع واحد فقط، مقتضب ومبتور، بدل ثلاثة.
وبما أنه لم تُحدَّد أطر الموازنة مسبقًا، ومع تصاعد الضغوط لنهب الخزينة من كل جانب، ارتفع العجز من 3.2% من الناتج في الاقتراح الأولي، إلى 3.6% في الصيغة التي عُرضت على الحكومة، وصولًا إلى 3.9% في الإقرار النهائي.
ما بدأ كمهزلة قد يتبيّن أنه مهزلة أكبر بكثير. فإذا لم تكن هناك أهمية للحفاظ على أطر الموازنة، فقد ينتفخ العجز خلال نقاشات الكنيست أو بعدها، ولهذا السبب شدّد محافظ بنك إسرائيل مرارًا على أهمية الالتزام بسقف عجز قدره 3.9%، لكن الحكومة أثبتت بالفعل أنها لا تُصغي إلى التحذيرات.