واي نت
رون بن ييشاي
*ما دامت هذه المبادئ لم تُحسَم، فلن تسفر المحادثات مع سوريا عن نتيجة حقيقية*
هجوم جهادي مفاجئ من سوريا يمكن أن يُنظَّم خلال ساعات هو سيناريو واقعي، وليس هذا هو السبب الوحيد الذي يجعل الجيش الإسرائيلي بحاجة إلى البقاء في أراضي الجارة الشمالية. ترامب يريد من إسرائيل الاستجابة لمطالب السعودية وقطر والإمارات وتركيا، لكن المصلحة الأمنية تفرض التمسك بعدة قضايا حاسمة لا يمكن التوصل إلى اتفاق من دونها.
ظاهريا، لا توجد حاجة ملحّة لدى إسرائيل في الوقت الحالي للتوصل إلى اتفاق أمني أو أي اتفاق آخر مع سوريا بقيادة أحمد الشرع (المعروف لدينا بلقبه الجهادي “أبو محمد الجولاني”). أولًا، لأنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان الشرع – الرجل الذي ظهر ببدلة رسمية وتلقى مدحا من الرئيس الأميركي دونالد ترامب – مختلفا فعلا عن الجولاني الذي قاد تنظيم “جبهة النصرة” الإرهابي حتى وقت قريب.
ثانيا، لأنه لا يسيطر فعليا على كامل الأراضي السورية، وسلطته غير مستقرة. في الواقع، لا يسيطر إلا على ما لا يزيد عن 60% من مساحة سوريا، وهو يواجه صعوبة حتى في فرض سلطته على مجموعات ميليشياوية جهادية متطرفة تندرج ضمن “هيئة تحرير الشام”، التنظيم الذي يقوده. هذه الميليشيات غير راضية عن الإسلام المعتدل الذي يفرضه الشرع في سوريا، ولا عن سياسته المؤيدة للغرب.
لذلك، في الوضع الحالي، لدى إسرائيل مصلحة واضحة في الإبقاء على انتشار الجيش الإسرائيلي القائم في المنطقة العازلة، والذي يتمثل أساسا في تسعة مواقع عسكرية متقدمة داخل أراضٍ سورية ذات سيادة (من دون توغل عميق، بضعة كيلومترات فقط). تقع هذه المواقع أساسا في شمال القطاع عند جبل الشيخ، وفي جنوبه بمنطقة مثلث الحدود بين إسرائيل وسوريا والأردن.
إضافة إلى ذلك، يُقام نظام آخر من المواقع داخل أراضينا، بحيث يمنح الانتشار الحالي إسرائيل قدرة مثالية على السيطرة بالنار والمراقبة، ومتابعة استخبارية وتكنولوجية ليس فقط لما يجري في حوض دمشق وشماله، بل أيضًا للزاوية الشمالية الشرقية من لبنان، المحاذية للحدود مع سوريا، حيث ينشط حزب الله وتنظيمات فلسطينية. كما تعمل إسرائيل حاليا على إقامة عائق عميق ضد المركبات وضد تسلل الأفراد، يمكنه أن يؤخر بشكل كبير هجوما مفاجئا من الجولان، شبيها بالهجوم الذي تعرضت له بلدات غلاف غزة في 7 أكتوبر.
كل ذلك يشكل عنصر ردع ويوفر حماية معينة لبلدات هضبة الجولان، ولا يقل أهمية عن ذلك أنه يشكل ورقة مساومة في أي مفاوضات مع النظام السوري، الذي يرغب بشدة في إزالة هذه المواقع من أراضيه ذات السيادة.
هذا الوضع، كما ذُكر، مريح لإسرائيل، لكن الرئيس ترامب معني بإجراء مفاوضات والتوصل إلى تسوية دائمة، أو على الأقل إلى ترتيب أمني، بين إسرائيل وسوريا. السبب الأول هو أن ذلك يخدم خطته لتحقيق الاستقرار والتهدئة والسلام في الشرق الأوسط، وهو موضوع بالغ الأهمية بالنسبة له، من بين أمور أخرى بسبب رغبته في اعتراف دولي وربما الفوز بجائزة نوبل للسلام.
السبب الثاني هو أن لترامب مصلحة في تلبية مطالب السعودية وقطر والإمارات، وبشكل خاص تركيا. هذه الدول معنية بإعادة إعمار سوريا لأسباب اقتصادية ودينية (سنية). كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يرى في سوريا منطقة نفوذ خاصة به، يعتقد أنه يستطيع ويحق له أن يفرض فيها سياساته، وأن الشركات التركية التي ستشارك في إعادة الإعمار المدني، وكذلك الجيش التركي الذي سيساهم في إعادة بناء الجيش السوري، سيتمكنون من جني مليارات الدولارات من التمويل القادم من السعودية وقطر والإمارات.
ومن هنا، فإن لهذه الدول الثلاث، وخاصة تركيا، مصلحة في أن تعترف الولايات المتحدة بحكم الشرع وتساعده على ترسيخ سيطرته على كامل سوريا، بما يخدم مصالحها. ففي تركيا، على سبيل المثال، يرتبط الأمر أيضا بإمكانية أن يفرض الشرع سلطته على الأكراد السوريين، الذين تعتبرهم أنقرة تهديدا.
في الوضع الراهن، وبعد لقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الرئيس ترامب في مارالاغو، وبعد التحرك الأميركي في فنزويلا، لا مصلحة لإسرائيل في الدخول في مواجهة مع ترامب، بل في التماشي معه، رغم عدم وجود مصلحة فورية أو ملحة لها في تسوية مع سوريا، خاصة في ظل المطالب السورية التي تسعى إلى تقييد تحركات إسرائيل في هضبة الجولان.
أرسل نتنياهو إلى المفاوضات في باريس ممثلين من مستوى منخفض نسبيا، مقارنة بالممثلين الذين أرسلهم الحاكم السوري – وزير الخارجية ورئيس جهاز الاستخبارات – وبالمقارنة مع الممثلين الأميركيين، ومن بينهم سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم باراك، إضافة إلى مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
الممثلون الإسرائيليون غير مخوّلين باتخاذ قرارات فعلية، بل يقتصر دورهم على الاستماع إلى المواقف الأميركية والسورية ونقلها إلى بنيامين نتنياهو لاتخاذ القرار.
هذا التباين ينعكس أيضا في التقارير حول اللقاء في باريس: مصادر أميركية تحدثت للصحفيين عن آلية تنسيق لإعادة الإعمار في الأردن، وقالت إن 90% من القضايا قد جرى الاتفاق عليها. في المقابل، اكتفى بيان رئيس وزراء إسرائيل بالحديث عن الحاجة إلى مفاوضات لتثبيت الوضع في سوريا، وتلبية المتطلبات الأمنية لإسرائيل، والالتزام بمطالب الرئيس ترامب، من دون ذكر أي خطوات عملية.
ولفهم ما يجري فعليا في المفاوضات وما المتوقع أن يحدث بين إسرائيل وسوريا، بل وبين إسرائيل وسوريا والولايات المتحدة، لا بد من فحص خريطة المصالح. المصلحة الإسرائيلية الحيوية يمكن تلخيصها بجملة واحدة: إسرائيل تريد الحفاظ على إنجازاتها في حرب «السيوف الحديدية» على الساحة السورية، وتحسين وضع أمنها القومي مقارنة بما كان عليه قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر.
المصلحة الإسرائيلية الأولى والرئيسية هي منع إمكانية شن هجوم مفاجئ من الأراضي السورية باتجاه بلدات، ومعسكرات، ومنشآت عسكرية وبنى تحتية في هضبة الجولان. ففي سوريا تنشط جهات جهادية قريبة من تنظيم داعش، وجهات شيعية موالية لإيران تمتلك مركبات، ويمكنها، بدعم من ميليشيات شيعية عراقية ومن الحوثيين، تنفيذ هجوم مفاجئ كهذا خلال ساعات.
المطلب الثاني هو منع تمركز جهات معادية مسلحة ضمن مدى نيران مباشرة — مثل قذائف الهاون، وصواريخ مضادة للدروع، وصواريخ قصيرة المدى، والطائرات المسيّرة والدرونز — وإبعادها عن بلدات الجولان ومحاور الحركة. ففي جنوب الجولان توجد قواعد لداعش سبق أن أطلقت النار باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وإذا تطورت من دون عرقلة فقد تشكل خطرا على البلدات.
المصلحة الثالثة هي منع نقل الأسلحة والعتاد والمواد الخام ووسائل تصنيع السلاح إلى حزب الله في لبنان. فعلى الرغم من جهود النظام السوري ونشاط الجيش اللبناني، ما تزال عمليات التهريب من إيران عبر العراق إلى البادية السورية ومنها إلى حزب الله قائمة، وإن كانت بحجم أقل. و تعاظم قوة حزب الله يشكل تهديدا استراتيجيا حقيقيا.
مصلحة استراتيجية إضافية تتمثل في منع وجود عسكري تركي في جنوب سوريا، لما قد يفرضه من قيود على حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا، وفي الأردن، وعموم الشرق الأوسط. محاولة تركية لنشر وسائل رصد وبطاريات دفاع جوي في قاعدة T4 داخل سوريا أُحبطت قبل تنفيذها، بعدما رسمت إسرائيل «خطا أحمر» لتركيا.
إضافة إلى ذلك، هناك التزام إسرائيلي بحماية السكان الدروز، ولا سيما في منطقة السويداء (جبل الدروز)، في حال تعرض حياتهم وكرامتهم لتهديد حقيقي. كما أن من الواضح أنه على المدى البعيد، لدى إسرائيل مصلحة أمنية في تجنب مواجهة طويلة مع النظام السوري، قد تتطور إلى احتكاك مع الولايات المتحدة.
ومن هذه المصالح تنبثق المطالب الإسرائيلية التالية: نزع السلاح من منطقة جنوب سوريا بين دمشق والحدود الأردنية، أي منع دخول مجموعات مسلحة، وأسلحة ثقيلة، ومركبات رباعية الدفع إلى المنطقة القريبة من الحدود مع إسرائيل، حتى مسافة عشرات الكيلومترات شرق الخط البنفسجي في هضبة الجولان؛ حصر قوات الأمن السورية باستخدام أسلحة خفيفة فقط؛ ومنح إسرائيل حق العمل العسكري لإحباط التهديدات والخروقات.
أما بالنسبة للمواقع العسكرية المتقدمة داخل الأراضي السورية — اثنان منها في جبل الشيخ وواحد على الأقل في منطقة مثلث الحدود جنوب الجولان — فهي بالغة الأهمية للسيطرة الاستخبارية، والإنذار المبكر، والرد السريع في مواجهة حزب الله، والتنظيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا، وتنظيم داعش.
لا مطلب بالانسحاب من الجولان
في المقابل، يطالب الشرع إسرائيل بالانسحاب من منطقة العزل والعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، كي يتمكن من الادعاء بأنه ليس متعاونا مع «الاحتلال الإسرائيلي»، وأنه أعاد أراضي إلى السيادة السورية كانت تحت سيطرة إسرائيل. ومن المهم الإشارة إلى أن الشرع لا يطالب — في هذه المرحلة على الأقل — بانسحاب إسرائيل من الجولان أو «غمس قدميه في بحيرة طبريا»، كما كان يطالب حكام عائلة الأسد.
غير أن إسرائيل ترفض أيضا العودة إلى خطوط فصل القوات التي تعود إلى القرن الماضي، بحجة أنها لا توفر ردا مناسبا على تهديدات الهجوم المفاجئ التي ظهرت في الساحة، ولا على وسائل القتال الجديدة التي تمتلكها جيوش الإرهاب والميليشيات، والتي تطورت وأصبحت أكثر دقة وفتكا منذ توقيع اتفاق فصل القوات بعد حرب تشرين عام 1974. كما يدرك الشرع أن دول الخليج لن تستثمر سنتا واحدا في إعادة إعمار سوريا طالما لا يسيطر على كامل أراضيها، وطالما لا يوجد استقرار سلطوي في البلاد المدمَّرة.
وبالطبع، هناك المصلحة الأميركية، التي يمكن تلخيصها بجملة قصيرة واحدة: ترامب معني بإرضاء السعودية وقطر وتركيا — ولا يهمه كثيرا أن يكون ذلك على حساب هوامش الأمن الواسعة التي تطالب بها إسرائيل لنفسها في الجولان.