في ظل الاحتجاجات المتزايدة داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تقوم بعض الأطراف الإسرائيلية إلى طرح سيناريوهات استراتيجية كبيرة تتجاوز حدود التحليل الواقعي، لتلامس حدود التمني السياسي. من أبرز هذه الطروحات ما ورد في مقال للكاتب الإسرائيلي ماتي توشفيلد في صحيفة معاريف، والذي يروّج لفكرة أن سقوط النظام في طهران قد يفتح الباب أمام سلام إيراني–إسرائيلي، بل وقد يجعل إيران “الهدف الجديد” لاتفاقيات أبراهام، بديلاً عن المملكة العربية السعودية!!!.
هذا الطرح، رغم جاذبيته لبعض صناع القرار في إسرائيل، يعكس في جوهره تفكيراً رغائبياً أكثر مما يعكس تقدير موقف استراتيجي متماسك، ويقوم على سلسلة افتراضات غير مضمونة وقد تكون غير واقعية حتى اللحظة على الأقل سياسياً وتاريخياً.
من الاحتجاج إلى تغيير النظام: قفزة غير محسوبة
إن الركيزة الأساسية في هذا السيناريو هي فرضية أن الاحتجاجات الحالية في إيران ستقود بالضرورة إلى سقوط النظام. غير أن التجارب التاريخية، في إيران نفسها وفي غيرها، تظهر أن الاحتجاج الشعبي لا يعني تلقائياً تغيير النظام، خصوصاً حين تكون الدولة مسنودة بأجهزة أمنية متماسكة وبخبرة طويلة في احتواء الأزمات، ولا يعكس هذا التحليل أي نوع من الاستخفاف بخطورة الأحداث الجارية في إيران حاليا.
حتى الآن، تعكس الاحتجاجات الإيرانية غضباً اجتماعياً واقتصادياً عميقاً، ورفضاً للقمع والفساد، لكنها لا تعبّر عن إجماع سياسي على بديل واضح للنظام، ولا عن رؤية موحّدة لشكل الدولة في اليوم التالي ،في ظل بيئة خارجية أمريكية صهيونية مساندة ومعا للنظام،. بناء سيناريو سلام إقليمي واسع على هذه الفرضية هو رهان على المجهول، لا على معطيات صلبة.
إسقاط تاريخي: إيران ليست إيران الشاه
يعتمد الطرح الإسرائيلي على استدعاء نموذج العلاقات بين إسرائيل وإيران في عهد الشاه، وكأن أربعة عقود ونصف من التحولات العميقة لم تقع. هذا إسقاط تاريخي يتجاهل أن المجتمع الإيراني تغيّر جذرياً بعد الثورة، وأن الهوية السياسية لإيران – حتى خارج الإطار الديني – باتت أكثر قومية وحساسية تجاه الغرب وإسرائيل.
العداء لإسرائيل لم يعد مجرد سياسة نظام، بل أصبح جزءاً من الوعي السياسي المرتبط بالصراع الإقليمي والقضية الفلسطينية. لذلك، حتى في حال سقوط النظام الحالي، من غير المنطقي افتراض أن أي سلطة جديدة ستبدأ مسيرتها باتفاق سلام مع إسرائيل، لما يحمله ذلك من كلفة سياسية داخلية عالية.
المعارضة الإيرانية: من يمثل الشارع فعلاً؟
يشير المقال إلى “عناصر من المعارضة الإيرانية” تعمل كوسطاء محتملين لاتفاق سلام مستقبلي مع إسرائيل. هنا يكمن خلط جوهري بين معارضة المنفى والشارع الإيراني في الداخل. فمعظم الشخصيات التي تُبرزها وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية تفتقر إلى قاعدة اجتماعية راسخة داخل إيران، وتتحرك في فضاء سياسي وإعلامي خارجي لا يعكس بالضرورة تطلعات المحتجين.
المواطن الإيراني البسيط وألمحتج في الشارع الآن، لا يرفع شعار التطبيع مع إسرائيل، ولا يرى هذا الملف أولوية مقارنة بالحرية والاقتصاد والكرامة، وقد يكون مناهض للسياسات الأمريكية والصهيونية. ان الرهان على هذه المعارضة لصياغة سياسة خارجية جديدة هو رهان على فراغ سياسي أكثر منه قراءة واقعية.
الهروب من مأزق السعودية، لا صناعة بديل
يبدو أن طرح هذا السيناريو يشكل إحباطاً إسرائيلياً واضحاً من تعثر مسار التطبيع مع المملكة العربية السعودية، ولكن بدلاً من تحليل أسباب هذا التعثر، يقفز المقال إلى بديل أكثر تعقيداً وأقل واقعية. السعودية دولة مستقرة، تفاوض من موقع قوة، وتربط أي تطبيع بثمن سياسي واضح، خصوصاً في الملف الفلسطيني. أما إيران، في هذا السيناريو، فهي دولة بظروف أصعب وبأمر دولي كبير، محاطة بعدم اليقين.
استبدال مسار صعب بمسار شبه مستحيل لا يعكس مرونة استراتيجية، بل ارتباكاً في التفكير ومحاولة للهروب إلى الأمام.
الإمارات والتنافس الإقليمي: توظيف جانبي
يحاول الطرح الإسرائيلي تعزيز فكرته عبر إبراز التنافس السعودي والإماراتي، وتقديم الإمارات كحليف إقليمي بديل وأكثر قرباً من إسرائيل، وهذا ما تؤكده وللأسف الشديد، مواقف الإمارات. غير أن هذا التوظيف يتجاهل حقيقة أساسية: كما ان الإمارات نفسها لا يمكنها تحمّل مغامرة إقليمية تقوم على إيران غير مستقرة، او ان تربط أمن الخليج بمسار سياسي غير مضمون النتائج.
فلسطين… الغائب الذي يُفشل السيناريو
الغياب شبه الكامل للقضية الفلسطينية عن هذا السيناريو ليس مصادفةا، بل نقطة ضعف بنيوية. أي نظام إيراني جديد سيسعى إلى تثبيت شرعيته داخلياً وإقليمياً، ولن يفعل ذلك عبر تجاوز قضية فلسطين أو الدخول في تطبيع مجاني مع إسرائيل. إن تجاهل هذا العامل يعكس استمرار القراءة الإسرائيلية التي ترى التطبيع مساراً تقنياً يمكن فصله عن الصراع الأساسي في المنطقة.
في الختام فإن الحديث عن إيران كهدف جديد لاتفاقيات أبراهام لا يعكس قراءة واقعية للمستقبل بقدر ما يعكس رغبة إسرائيلية في كسر عزلتها الإقليمية بأسرع الطرق. لكنه طرح يتجاهل المجتمع الإيراني، وتعقيدات التحول السياسي، ومركزية القضية الفلسطينية في الوعي الإقليمي.
في هذا السياق، لا تخطط إسرائيل لإيران ما بعد النظام، بل تحلم بها. والفرق بين الحلم والتخطيط هو الفرق بين سياسة قابلة للتحقق، ومغامرة قد تنتهي بفشل استراتيجي جديد.