بقلم/ محمد عبد الله
في 29 كانون الثاني 2026 طرح معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي سؤالًا جوهريًا يتجاوز الإطار المتداول عبر وسائل الإعلام، ويطال بنية النظام الدولي نفسه: هل يشكّل مجلس السلام الذي بادر إليه دونالد ترامب أداة لإدارة مرحلة ما بعد الحرب في قطاع غزة، أم محاولة لإقامة بديل عملي عن منظومة الأمم المتحدة؟
سعت الباحثتان "تامي كنر" و"بينينا شربيت باروخ" إلى الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تحليلية في خلفيات إنشاء مجلس السلام، وفي التباين بين التفويض الذي أقرّه مجلس الأمن الدولي، وبين الصلاحيات الواسعة التي منحها له الميثاق التأسيسي، كما ناقشتا ردود الفعل الدولية، وحدود الشرعية، وتداعيات البنية المركزية والشخصانية للمجلس، سواء على مستقبل إدارة قطاع غزة أو على موقع إسرائيل داخل المشهد الدولي المتحوّل.
يقدّم مركز حضارات هذه المادة للقارئ العربي ضمن جهده البحثي المتواصل لرصد وتحليل ما يُكتب في مراكز التفكير الإسرائيلية، ونقله من لغته الأصلية إلى الفضاء العربي في سياقه الكامل دون اجتزاء أو تبسيط.
تنطلق هذه المقاربة من قناعة بأن فهم السياسات الإسرائيلية لا يكتمل دون الاطلاع على النقاشات الداخلية والجدل الأكاديمي والمؤسسي، الذي يصوغ تصوّرات صناع القرار ويكشف حدود الإجماع ونقاط التوتر داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية.
تأتي أهمية هذه المادة من كونها تتعامل مع مجلس السلام بوصفه خطوة تحمل أبعادًا استراتيجية تمس علاقة الولايات المتحدة بالنظام الدولي متعدد الأطراف، ودور الأمم المتحدة، ومن هنا، يضع مركز حضارات هذه القراءة بين يدي القارئ العربي باعتبارها مادة استعراضية تحليلية تساعد على تفكيك المنطق الذي يحكم المبادرات الدولية المطروحة لغزة، وتبيّن ما تحمله من رهانات سياسية وأمنية بعيدة المدى.
ينطلق النص من فرضية أساسية مفادها أن مجلس السلام لم يعد مجرد أداة تقنية لمرافقة تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في قطاع غزة، بل تحوّل وفق صيغته التأسيسية إلى مشروع ذي طموح عالمي يعيد طرح أسئلة عميقة حول الشرعية الدولية وحدود دور الأمم المتحدة وشكل النظام الدولي متعدد الأطراف.
أولًا: من تفويض غزّي محدود إلى طموح عالمي مفتوح
توضح الدراسة أن مجلس السلام أُنشئ في الأصل كجزء من خطة النقاط العشرين التي قدّمها ترامب في أيلول 2025، وجرى تثبيتها بقرار مجلس الأمن رقم 2803 في تشرين الثاني من العام نفسه، منح القرار المجلس تفويضًا محددًا يرتبط حصريًا بإنهاء الحرب في قطاع غزة وبالسياق الإسرائيلي الفلسطيني.
غير أن الميثاق التأسيسي للمجلس، كما عُرض لاحقًا في منتدى دافوس الاقتصادي في كانون الثاني 2026، تجاوز هذا الإطار، حيث لم يرد في الميثاق أي ذكر صريح لقطاع غزة، كما لم تُقيّد صلاحيات المجلس بنزاع بعينه. عرّف الميثاق المجلس كآلية دولية مستقلة لتسوية النزاعات خارج إطار الأمم المتحدة، وهو ما خلق فجوة واضحة بين التفويض الذي أقره مجلس الأمن وبين الصلاحيات التي منحها المجلس لنفسه.
ترى الكاتبتان أن هذه الفجوة لا تمثّل إشكالًا إجرائيًا فحسب، بل تمس جوهر الشرعية القانونية والسياسية للمجلس، إذ لا يمكن من منظور القانون الدولي توسيع ولاية هيئة أنشئت بقرار أممي دون قرار جديد يقر هذا التوسيع.
ثانيًا: مجلس السلام والأمم المتحدة، من التكامل إلى التنافس
تحلل الدراسة البعد المؤسسي للمجلس وتؤكد أن الميثاق لا يقدّم المجلس كإطار مكمّل لمنظومة الأمم المتحدة، بل كبديل عملي لها، فرغم غياب ذكر مباشر للأمم المتحدة في نص الميثاق فإن اللغة المستخدمة تشير بوضوح إلى تجاوز "مقاربات ومؤسسات فشلت" وإلى الحاجة لبناء نموذج جديد أكثر "براغماتية".
تضع الكاتبتان هذا التوجه في سياق أوسع من سياسة إدارة ترامب تجاه النظام الدولي، والتي اتسمت خلال ولاياته السابقة بتقليص التمويل الأميركي للأمم المتحدة والانسحاب من هيئات دولية مركزية والتشكيك في جدوى التعددية، من هذا المنظور يُقرأ مجلس السلام كحلقة جديدة في مسار إضعاف البنية الأممية وإعادة صياغة قواعد إدارة النزاعات وفق منطق القوة والنفوذ الأميركي المباشر.
ثالثًا: بنية شديدة المركزية وإشكالية الشرعية
تتوقف المادة مطولًا عند البنية التنظيمية لمجلس السلام، وتعتبرها أحد أهم مصادر الاعتراض الدولي، يمنح الميثاق الرئيس ترامب صلاحيات شبه مطلقة تشمل:
1. توجيه الدعوات للدول للانضمام إلى المجلس أو إقصائها.
2. تمديد العضوية أو إنهاؤها بقرار فردي.
3. إنشاء الهيئات التنفيذية والاستشارية وتفكيكها.
4. امتلاك حق النقض على قرارات المجلس، رغم اعتماد التصويت بالأغلبية.
إضافة إلى ذلك، يشترط الميثاق دفع مليار دولار للحصول على عضوية تتجاوز ثلاث سنوات ما يحوّل الانضمام إلى مسألة قدرة مالية لا إلى شراكة سياسية متكافئة، ترى الكاتبتان أن هذه الصيغة تخلق مجلسًا انتقائيًا غير ديمقراطي في بنيته ومعرّضًا لإدخال اعتبارات اقتصادية وتجارية في صلب قرارات يفترض أن تكون سياسية وأمنية.
الأكثر إشكالية وفق الدراسة، هو الطابع الشخصاني للمجلس، فالميثاق يعيّن ترامب رئيسًا للمجلس تعيينًا غير مرتبط بمنصبه الرئاسي، ويجعل عزله شبه مستحيل إلا بإجماع كامل مع منحه حق تعيين خليفته، هذا النموذج غير المسبوق يثير شكوكًا عميقة حول استقرار المجلس ومكانته الدولية بعد انتهاء ولاية ترامب.
رابعًا: ردود الفعل الدولية وحدود القبول
تُظهر الدراسة أن هذه الإشكاليات انعكست بوضوح في مواقف المجتمع الدولي، فمن بين نحو ستين دولة وُجّهت إليها دعوات شخصية وافقت نحو ست وعشرين دولة فقط على الانضمام، تضم القائمة دولًا إقليمية ونامية كثير منها غير ديمقراطي وبعضها لا يُعد من الحلفاء التقليديين لإسرائيل.
في المقابل، رفضت غالبية الدول الغربية الانضمام رغم دعمها المبدئي لوقف الحرب في غزة وللقرار 2803، تفسر الكاتبتان هذا الموقف بأن الدول الغربية ميّزت بين دعمها لوقف القتال واستقرار غزة، وبين رفضها منح شرعية لآلية دولية تتجاوز التفويض الأممي وتقوّض النظام متعدد الأطراف.
تلفت الدراسة إلى أن الأمم المتحدة نفسها رسمت خطًا فاصلًا واضحًا حين أعلنت أن أي تعاون لها مع المجلس سيبقى محصورًا حصريًا بسياق خطة غزة، ولن يمتد إلى ولايته العالمية المعلنة.
خامسًا: دلالات خاصة بالنسبة لإسرائيل
تتعامل المادة مع انضمام إسرائيل إلى المجلس بوصفه خطوة متوقعة، فالمجلس من المنظور الإسرائيلي أقل عدائية من مؤسسات الأمم المتحدة ويوفّر قناة تأثير مباشرة على ترتيبات ما بعد الحرب في غزة، خاصة في ملفات الأمن ونزع السلاح وإدارة القطاع.
غير أن الكاتبتان تحذّران من مخاطر كامنة، تركيبة المجلس قد تضع إسرائيل في مواجهة ضغوط من دول إقليمية مثل تركيا وقطر والسعودية خاصة في حال تباين المواقف بينها وبين الولايات المتحدة، كما أن غياب دول غربية وازنة عن المجلس يضعف قدرة إسرائيل على بناء تحالفات داخلية توازن هذه الضغوط.
إلى جانب ذلك، يضع انخراط إسرائيل في إطار يقوده ترامب ويضم دولًا أقل ديمقراطية، في موقع أكثر ابتعادًا عن أوروبا الغربية ما قد يفاقم توتر علاقاتها مع شركائها التقليديين.
سادسًا: انعكاسات على تنفيذ خطة غزة
يؤكد النص أن مجلس السلام يشكّل الإطار الأعلى الذي يدير آليات تنفيذ خطة غزة بما يشمل لجان الإدارة والتكنوقراط الفلسطينيين وقوة الاستقرار الدولية، ورغم أن غياب الدول الغربية لا يُتوقع أن يعرقل التنفيذ الفوري للخطة، فإن ضعف الشرعية الدولية للمجلس يظل عاملًا مقلقًا على المدى المتوسط والبعيد.
تذكّر الدراسة بأن خطة النقاط العشرين نفسها واجهت منذ البداية انتقادات واسعة، بسبب تركيزها على الجوانب الإدارية والاقتصادية وتهميشها للبعد السياسي الوطني للقضية الفلسطينية، غياب غطاء دولي واسع يزيد من حدة هذه الانتقادات ويجعل أي نجاح محتمل للمجلس نجاحًا هشًا يصعب تثبيته أو تعميمه.
تقييم عام
تخلص المادة إلى أن مجلس السلام يمثّل تجربة غير مكتملة الشرعية، عالية المركزية، ومحمّلة بطموحات تتجاوز السياق الذي أنشئت فيه، قد ينجح المجلس في إدارة بعض جوانب خطة غزة على المدى القصير، لكنه يواجه تحديات بنيوية تهدد استمراريته خاصة بعد انتهاء ولاية ترامب.
بهذا المعنى، لا تقدّم الدراسة مجلس السلام كحل مستقر؛ بل كنقطة توتر جديدة في بنية النظام الدولي قد تنتهي إما بتراجع دوره، أو بإعادة تحميل إسرائيل مسؤوليات مباشرة عن قطاع غزة سواء عمليًا أو في الوعي الدولي.