لماذا تصر إيران على عُمان؟

في فضاءٍ تُصبغ فيه كل لقاءات الدبلوماسية فوراً بألوان حربٍ دينية بين المحور الشيعي الإيراني والمحور السني السعودي، تُعدّ عُمان الفضاء الوحيد المحايد، لذا، بالنسبة لطهران، لا تُمثّل عُمان مجرد وسيط، بل وسيطاً نزيهاً.

بينما يتطلع العالم إلى إسطنبول كمكان محتمل لاستضافة محادثات حاسمة بين طهران وواشنطن، يتصاعد صراعٌ خفيٌّ حول هوية الجهة التي ستجلس حولها هذه المفاوضات، ففي حين تسعى الدول السنية الكبرى والغرب إلى إقامة حوار متعدد الأطراف في تركيا، تُرسل إيران إشارةً واضحة، إنها تريد سلطنة عُمان الهادئة.

إن إصرار إيران على عُمان ليس من قبيل الصدفة، بل يستند إلى رصيد استراتيجي وديني لا تملكه أي دولة أخرى في المنطقة، المذهب الإباضي، فعُمان ليست سنية ولا شيعية، بل تضم مذهباً إسلامياً مستقلاً، عريقاً ومعتدلاً، ما يمنحها مكانة "سويسرا الشرق الأوسط"، في فضاءٍ تُصبغ فيه كل لقاءات الدبلوماسية فوراً بألوان حرب دينية بين المحور الشيعي الإيراني والمحور السني السعودي، تُعدّ عُمان المساحة الوحيدة الخالية من التوتر، بالنسبة لطهران، عُمان ليست مجرد وسيط، بل وسيط نزيه، لا يدخل إلى طاولة المفاوضات مثقلاً بمخلفات الماضي.

لماذا ترفض إيران التقارب التركي أو السعودي؟ يكمن الجواب في التوترات الجيوسياسية، تطمح تركيا بقيادة أردوغان إلى قيادة إقليمية تستند إلى الإسلام السياسي السني، بينما يُنظر إلى السعودية على أنها تابعة للغرب، تخشى إيران من أن تقع، في مؤتمر متعدد الأطراف يُعقد في تركيا، في "فخ السنية" حيث تُملي مصالح جيرانها مسار المؤتمر.

من جهة أخرى، تتمتع عُمان بتقاليد عريقة في الدبلوماسية الهادئة، فالمدرسة الإباضية تُعنى بتعليم التسامح ومنع النزاعات، وهذا تحديداً هو "السلم" الذي تسعى إليه إيران للنزول من سلم المواجهة، لقد كانت حاضرة عام 2015 لتمهيد الطريق للاتفاق النووي الأصلي، وهي حاضرة الآن، مع وجود حاملة الطائرات الأمريكية على مقربة من شواطئها، بالنسبة للمرشد الأعلى خامنئي، تُعدّ مسقط المكان الأمثل لمناقشة "الأعمال" دون الشعور بتهديد أيديولوجي.

يعكس اختيار عُمان أيضاً المأزق الإيراني، فإيران بحاجة إلى وسيط لا يستحوذ على الاهتمام، بل يوفر قناة لوجستية لنقل الرسائل المباشرة إلى إدارة ترامب.

يعكس اختيار عُمان أيضاً قلق إيران، فإيران بحاجة إلى وسيط لا يستحوذ على الاهتمام، بل يوفر قناة لوجستية لنقل الرسائل المباشرة إلى إدارة ترامب، إنها محاولة لعزل الحوار عن ضجيج الشرق الأوسط الجديد.

في نهاية المطاف، تُثبت عُمان مرة أخرى أن الدولة التي تختار عدم الانحياز لأي طرف - لا سني ولا شيعي - تُصبح أهم أصولها. إذا نجحت إيران فعلاً في جرّ الأمريكيين إلى مسقط، فسيكون ذلك أول انتصار تكتيكي لها، القدرة على التفاوض بشأن مصيرها دون أن يتنصّت جيرانها السنّة من وراء الجدار. وكذلك إسرائيل.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025