فاقعدوا مع الخالفين

فاقعدوا مع الخالفين

ماذا لو كان لأبٍ ولدٌ لا يحب المدرسة، ويتحين الفرص للتغيب عنها، ثم إن والده قد حثه على لدوام في يوم مهم لكنه تغيب، فما كان من والده إلا أن قرر عقابه عقابا رادعا. ترى كيف يستقيم أن يقول الوالد لابنه حينئذ: عقابا لك لتغيبك عن المدرسة وكرهك الذهاب إليها، فقد قررت منعك من الذهاب للمدرسة طيلة حياتك!!!؟ وهل يقرأ الولد في هذا( العقاب) إلا أثمن مكافأة تقدم له؟!!

  يثير التساؤلَ أن نقرأ في كتاب الله عز وجل في سورة التوبة عقاب الله عز وجل للمنافقين المتخلفين عن المشاركة في غزوة تبوك، حيث قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم:" فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين" [ التوبة:83]. 

هؤلاء المنافقون وقد كانوا يخرجون- مراءاة- للجهاد في سبيل الله، عندما يغلب على ظنهم أن المغانم أكبر من المغارم، أو عندما لم يكن هناك مفر، فيخرجون متثاقلين فإن حانت فرصة انسحبوا كما كان في أحد على سبيل المثال. وفي غزوة تبوك استنفر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين وحدد الوجهة – على غير عادته- نظرا للصعوبة والمخاطر المتوقعة. فكان تخلفهم الذي وجدوا له الأعذار الكاذبة لاحقا. فكان الوحي الإلهي الحاسم، انتهى جو الخداع: لن تخرجوا للقتال مرة أخرى. حسناً أليس هذا ما يريدون؟ أو أين العقوبة في الأمر؟ تفتح كتب التفسير فتجد المفسرين يقولون: إنكم لا تستحقون شرف الجهاد فاقعدوا في بيوتكم. 

وبالتدقيق في المسألة يتضح للمرء أن العقاب الرباني كان من أكبر العقوبات لهم، وذلك كما يأتي.

لقد جعل الإسلام قضية الجهاد في سبيل الله قضية المسلمين الأولى، وهمهم المركزي، فمنذ أن شرفهم الله عز وجل بحمل رسالته للعالمين، فصاروا أمة رسالة، وأصحاب رسالة، علّمهم ربّهم الحكيم، أن من متطلبات أمة الرسالة الجهاد الذي لا هوادة فيه في سبيلها، حيث لا نوم ولا راحة، حتى يكون الدين كله لله، وحتى تكون كلمة الله هي العليا، فمهمتكم يا أمة الرسالة التي بعث نبيها رحمة للعامين إنقاذ البشرية من الظلم والطغيان والعبودية والقهر، الأمر الذي سيثير في وجهكم كل الطغاة وأصحاب المصالح، ودوركم جهادهم وإزالة ظلمهم وجبروتهم لنشر الحرية والعدالة والكرامة بين الناس، وتنبيك قبور الصحابة وأبنائهم في الشام والعراق وتركيا وإفريقيا والصين عن أمة رسالة لم يدفن أحدٌ من رجالها في مسقط رأسه، بل ترك الأوطان والأموال والأهل يجمل رسالة الله ورحته للعالمين. وصار الجهاد في سبيل الله المثل الأعلى الذي تتربى عليه الأجيال، ويتسابق الأطفال لنيل شرفه ( معاذ ومعوذ في بدر نموذجا). وعندما كان ينادي داعي الجهاد يستنفر المسلمون حتى عريس ليلته يخرج مسارعا دون التمكن من الاغتسال فتغسله الملائكة شهيدا إلى الجنات. ولا يتخلف إذ ينادى: على الجهاد، إلا النساء والأطفال والمرضى ( انظر حديث كعب وألمه وقد تخلف عن تبوك وهو يخبرنا عن أشد ما آلمه في تخلفه ذاك حين قال:"...فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء..."[1].). وعندما أمر الصديق خالد بن الوليد رضي الله عنهما، وهو يوجهه للعراق ألا يستعين في حربه بمرتد، أرسل قادة القبائل ورجالها الذين ارتدوا وعادوا للإسلام أرسلوا للصديق يرجونه أن يسمح لهم بالخروج مع المجاهدين، ولو في أعمال الخدمة، وألا يتركهم مع المخلفين من النساء والأطفال، لكنه لم يُسمح لهم بشرف الجهاد إلا في عهد عمر بن الخطاب. إذاً فقد نجح الإسلام في جعل قضية الجهاد الشرف الذي تتسابق عليه وإليه الأمة، ويسارع للانضواء تحت لوائه كل باحث عن الرجولة والعزة والكرامة والمكانة، ولا يتخلف عن ذلك إلا النساء والأطفال. ومن ثم كانت عقوبة القرآن للمنافقين من أقسى العقوبات وأكثرها إهانة. فالجهاد ليس " بريستيجا " يستعمله الباحث عن مغنم مادي أو معنوي متى أمن كلفته. إنه الشرف الذي لا يستحقه إلا من كان على استعداد للتضحية والبذل والفداء، فعندئذ يرفعه الله في ضمير الناس. 

وفي زماننا اليوم حين يرتضي قومٌ تجريم الجهادِ في سبيل الله وما يتبع ذلك من حربٍ على رجاله وفكره، وتربيته وثقافته، ثقةً بوعد العدو المعسول! وفي طريقهم إلى سراب السلام الذي يمنيهم به أن يعطيهم بعض الحق كسروا سيوفهم على أمل ريّه، لكنهم عندما جاؤوه لم يجدوا ثمة إلا العدو لا يمنحهم أكثر من السلامة على أرواحهم وممتلكاتهم ومصالحهم ما داموا غير خارجين عن قواعد لعبته!!! وحينذاك وأنت تحزن أن يحرِم بعضُ لحمك ودمك نفسَه من شرف الجهاد في سبيل الله والانضواء تحت رايته، قعوداً مع الخالفين الذين يعلم الله أنهم لا يستحقون شرف الانتساب إلى تحرير المسرى والأسرى، فتأسى على حال من :" كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع الخالفين. لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين" [ التوبة:46، 47]. لا تملك إلا أن تثق بحكمة الله العليم بمن يستحق هذا الشرف ممن ليس له بأهل. " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" [ فاطر:8] 

وفي الجهة المقابلة ترى نعمة الله على الأمة تتجلى في رجال صنعهم على عينه، ترميهم الدنيا- قريبها قبل بعيدها- عن قوس واحدة، يطلبون رأس ( الجهاد في سبيل الله) فلا يزدادون به إلا تمسكا، وتحت رايته إلا انضواء، وبالانتساب له إلا اعتزازا. ثقافتهم وتربيتهم وإعدادهم وإمكاناتهم وحشدهم وأموالهم وأهلوهم... كل ذلك لتبقى راية الجهاد في سبيل الله خفاقة مرفوعة، يتسابق الأبناء مع آبائهم لنيل شرف إعلائها. فهم والله – في زمن البؤس والانكسار والتطبيع هذا- هم والله شرف الأمة وعزها ومجدها وسؤددها. ولئن كان الصحابة هم حملة الرسالة الأوائل للعالمين، فلعل الله سبحانه وتعالى يعدّ في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس حملة العالمية الإسلامية الثانية للعالمين:" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا" [ النور:55].    

فيا ركننا الشديد أنتم – والله- عبق من روح الآخرة يعطّر الله عز وجل به دنيانا المتساقطة ما كنت تحسبه أوراقها الخضراء أمام عصف الريح. 

وأنتم وعد ( جاءهم) حين تطبق( حتى إذا استيأس)

وحقيقة( اركب معنا) في مقابل سراب ( سآوي)

وتأويل ( ليستخلفنهم) و ( ليمكنن) و ( ليبدلنهم)

وأنتم ( وعد الآخرة) يدمغ زيف ووهم ( العلو الكبير) فإذا هو زاهق.     



[1]صحيح البخاري (6/4)

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020