الضابط "ج"
المصدر: هآرتس
لاحظت أن الشرطة العسكرية الإسرائيلية فتحت 6 تحقيقات بشأن استعمال الفلسطينيين دروعاً بشرية، وتقريباً، شعرت بالاختناق. لقد رأيت سابقاً عمليات تغطية على الذات، لكن ليس إلى هذا الحد. ففي #غزة، تُستعمل الدروع البشرية 6 مرات في اليوم الواحد على الأقل. وإذا أرادت الشرطة العسكرية فتح تحقيقات، فيجب عليها إجراء 2190 تحقيقاً على الأقل. لكن ما تريده الشرطة العسكرية هو أن نستطيع القول لأنفسنا وللعالم إننا نحقق مع أنفسنا، ولذلك، وجدت بعض الضحايا الذين ستحمّلهم الملف.
مكثت في غزة 9 أشهر، وشهدت هناك عدداً لا بأس به من الإجراءات الجديدة. كان الأسوأ ما يسمى "إجراء الذبابة": عندما يرغمون فلسطينيين أبرياء على الدخول إلى المنازل و"تنظيفها" - بما معناه التأكد من أنه لا يوجد "مخربون"، أو عبوات. أطلقنا على هذا الإجراء كثيراً من الأسماء، مثل "إجراء الذبابة" و"الشاويش" و"النماذج".
كُشف هذا الإجراء للمرة الأولى في كانون الأول/ديسمبر 2023، بعد شهرين على بدء المناورة البرية، وقبل وقت طويل من النقص في الكلاب، والذي تحوّل إلى مجرد تبرير غير رسمي لتفعيل الإجراء المجنون وغير الرسمي. اليوم، يوجد لدى كل قسم "شاويش"، والقوات البرية لا تدخل إلى أيّ منزل قبل أن يدخل "الشاويش" لتنظيفه. معنى ذلك أنه يوجد 4 أشخاص يؤدون مهمة "الشاويش" في الكتيبة، و12 في كلّ مجموعة، و36 في كلّ فرقة، على الأقل. لدينا طبقة من العبيد، والشرطة العسكرية تحاول إغلاق الموضوع بـ6 تحقيقات.
كنت في إحدى الجلسات حين عرض الضباط على الضابط المسؤول عن اللواء "أداة الذبابة" على أنها "إنجاز عملياتي ضروري لتنفيذ المهمة". كان هذا الأمر غريباً إلى درجة اعتقادي أنني أتوهم. ومنذ شهر آب/أغسطس، حين خرج الموضوع إلى الإعلام، وبشهادات لمؤسسة "لنكسر الصمت"، قال أحد المسؤولين الكبار إن رئيس هيئة الأركان العامة السابق، وأيضاً قائد المنطقة العسكرية الجنوبية كانا على علِم بهذا الإجراء. وأنا لا أعرف ما هو الأسوأ، إذا كانوا لا يعرفون ما يجري في الجيش، أم إذا كانوا يعرفون ويصمتون.
بعد مرور نصف عام على نشر الخبر في الإعلام، يستمر الجنود في القبض على الفلسطينيين وجعلهم يدخلون إلى الأنفاق والمنازل قبلهم. انتظرت أيّ تصريح من رئيس هيئة الأركان العامة، أو قائد المنطقة الجنوبية، ولم يحدث ذلك.
المستويات القيادية في الميدان تعلم بموضوع الدروع البشرية منذ أكثر من عام، ولم يحاول أحد إيقاف ذلك. بل بالعكس، يتم تعريف الأمر بأنه ضرورة عملياتية. ومن المهم الإشارة إلى أنه يمكننا الدخول إلى المنازل من دون دروع بشرية، هذا ما قمنا به شهوراً، بحسب إجراء دخول منظّم لروبوتات ومسيّرات، أو كلاب. هذا الإجراء أثبت نفسه، لكنه تطلّب وقتاً، والقيادة أرادت تحقيق إنجازات سريعة وفورية. بما معناه - إن السبب الذي دفعنا إلى استعمال الفلسطينيين دروعاً بشرية لم يكن الأمان، إنما لأنه أسرع. لهذا السبب، وضعنا حياة الفلسطينيين الأبرياء في خطر، ولم يكن لهم أيّ ذنب إلّا وجودهم هناك.
لم يمرّ هذا الوضع من دون معارضة، لقد اعترضتُ مع جنود آخرين وضباط، لكن هذا ما يحدث عندما لا تهتم القيادة السياسية والمستوى القيادي العسكري الرفيع، وأكثر من عدم الاهتمام، هذا ما يحدث عندما تكون اليد خفيفة على الزناد والاستنزاف العملياتي مرتفعاً؛ هذا ما يحدث عندما تكون، شهراً بعد شهر، في حرب لا تنتهي، ولا تنجح في إعادة المخطوفين. فتغدو جميع الحسابات الأخلاقية ضبابية.
روى لي ضابط صديق ما حدث عندهم: لقد وجدوا "مخرباً" في أحد المنازل التي نظّفها "الشاويش". كان "الشاويش" رجلاً كبيراً في السن، وبريئاً، وعندما عرف أنه فشل في مهمته، قضى حاجته على نفسه. لا أعرف ما كان مصيره، خفت أن أسأل حتى. إنها حالة واحدة، لكنها توضح رواية أن "الأمن" هو مجرد أسطورة. هؤلاء الأشخاص ليسوا مقاتلين مهنيين، إنهم لا يعرفون كيف ينظّفون منزلاً، وفي جميع الأحوال، الجنود لا يعتمدون عليهم لأنهم ليسوا أحراراً. وفي بعض الأحيان، يرسلون "الشاويش" إلى منزل يريدون إحراقه، أو تفجيره. ولا علاقة لهذا بالأمن.
لا أريد التفكير في تأثير هذا الأمر في مَن يجب عليهم الدخول إلى منزل، وهم خائفون إلى حدّ الموت، بدلاً من الجنود المسلحين. وأخاف أكثر من التفكير في تأثير ذلك في جنودنا. هل تفهم كل أمّ تُرسل ابنها للقتال أنه يمكن أن يقبض على فلسطيني في سن والده، أو أخيه الصغير، ويرغمه على الركض أمامه، وهو أعزل، إلى داخل منازل مشتبه فيها، أو فتحات أنفاق؟ ليس فقط أننا لم ندافع عن هؤلاء الجنود، بل فككنا أرواحهم، ولا توجد أيّ طريقة لمعرفة تأثير ذلك فينا كمجتمع عندما يعودون إلى المنزل.
لذلك تحديداً، تكون تحقيقات الشرطة العسكرية مستفزة جداً. في البداية، طالبوا الجنود باستعمال الفلسطينيين دروعاً بشرية، والآن، يستعمل الضباط الجنود دروعاً بشرية. وهذا كله يحدث في الوقت الذي نحاول إعادة المخطوفين الذين خُطفوا، لكي يكونوا دروعاً بشرية "لمخرّبي حماس".
الآن، من الواضح أن المسألة مسألة وقت حتى تنفجر هذه القضية مرة أُخرى، لكنها أكبر من الشرطة العسكرية. وتشكيل لجنة تحقيق رسمية سيسمح بالدخول إلى هذه المنطقة والبحث فيها. حتى ذلك الوقت، لدينا كل الأسباب للقلق من لاهاي، لأن هذا الإجراء جريمة - جريمة يعترف بها الجيش الآن- وهو إجراء يومي، ومنتشر أكثر كثيراً مما يقولون للجمهور.