القرآن والعلم والأسطورة: في ديارهم جاثمين

هبة محمد المدهون

كاتبة فلسطينية

​​​​​​​
السر يكمن في الكلمات، المرونة العجيبة لكلمات اللغة العربية ودقة مواقعها في آيات القرآن هي إعجاز يستحيل معه ألا يكون قائلها هو الله عز وجل .

 كل كلمة تستحث عقلك على الوصول إلى كل معانيها وتستفز خيالك أن يغوص في تفاصيل التفاصيل فيرشدك في متاهات العلم والنظريات حتى تستقر على أمر يهدأ له بالك فتتوقف عن التفكير؛ ولهذا تجد كل منا يفكر بطريقته ويبحث بوسائله الخاصة حسبما أتاح له عصره من قدرات، بالأمس البعيد كان هناك علمًا وتفسيرًا يتطابق مع أهل ذلك الأمس البعيد، واليوم سنجد علمًا وتفسيرًا مختلفًا؛ لذات الكلمات .. وغدًا لا أستبعد بتاتا أن يختلف العلم والتفسير عما أراه اليوم منطقيًا إلى حد الدهشة. 
يحضرني الآن مثال على تفسير الكلمات بطرق مختلفة وهي الألفاظ التي تتحدث على أطوار خلق الإنسان، نطفة وعلقة ومضغة، فسرها موريس بوكاي -الطبيب الفرنسي المسلم - على أنها مراحل تكون الجنين في رحم الأم بعد تلقيح البويضة، وقد أقنعني تفسيره، ثم أنني شاهدت حلقة من حلقات (there is more clash) تفسر ذات الكلمات على مراحل الخلق قبل واثناء تلقيح البويضة، والغريب أنني اقتنعت بالتفسير أيضًا. 

شيءٌ مذهل كيف هي دقة الكلمات ومرونتها، شيء معجز بحق. ولأجل هذه المرونة المطلقة بت انتبه لكل لفظ في القرآن وموقعه وكل احتمالات تفسيره. 
حكايتنا اليوم هي قصة صالح عليه السلام في مع قوم ثمود.
عندما تقرأ القصة في القرآن الكرين؛ ستجد أن العذاب الذي أحاط بهم وُصف بأربعة ألفاظ.
الصاعقة: قال تعالى "فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ"
الطاغية: قال تعالى :فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ"
الصيحة: قال تعالى "وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ"
والرجفة: قال تعالى "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ"
هذا شيءٌ غريب حقًا، إذ يجب على العذاب الذي أحاط بهم حتى قضوا في ديارهم جاثمين أن يحمل بين معانيه هذه الألفاظ الأربعة جميعها.
بعض المفسرين قال أن العذاب هو صيحةٌ عالية كما لو انها نيزك ضخم جاء من السماء تسبب في موجات وترددات صوتية عالية لم تحتملها أجسادهم فتفتتوا وأنه ترك تلوثا اشعاعيًا بالآبار، حتى أن الرسول عليه الصلاة والسلام منع المسلمين من الشرب من آبار ثمود في طريقهم إلى غزوة تبوك، وهي بالتأكيد ستكون طاغية وزائدة عن الحد في اشعاعها، ولكنني أستغرب فقط من أن نيزكًا بهذا القوة كان يفترض به أن يترك دمارا شديدا على مبانيهم ولكن هذا لم يحدث فعليا بدليل رؤية المسلمين لها في طريقهم .

ويعتقد الكثيرون أن منازلهم هي المباني النبطية القائمة للآن في مدائن صالح الأثرية، والله أعلم.
البعض الآخر فسر عذابهم على أنه صاعقةٌ رعدية صعقتهم وان الكهرباء العالية هي ما سبب الرجفة، وانها كانت طاغية أي زائدة عن الحد في شدتها و الحقيقة أن الأمر منطقي جدا لولا حادثة غزوة تبوك وتلوث الآبار الذي لا تسببه العواصف الرعدية ولا تتركه دليلا على العذاب بعد أكثر من ألف سنة. 
السؤال إذن، ما هي الصيحة والرجفة والصاعقة والطاغية، تلك التي أهلكت قوم ثمود ؟
الصيحة هي كل صوتٍ عالٍ قد تكون بسبب نيزك ضخم أو انفجار بركان أو عاصفة رعدية ضخمة، أي شيء يتسبب بصوت عالٍ مخيف هي صيحة. 
الرجفة هي كل ما تسبب بارتجاف أجساد البشر كالصاعقة الكهربية أو الصرع أو ربما أمراض تسبب خللا في الجهاز العصبي. 
الطاغية هي كل ما جاوز الحد بغضّ النظر عن المقصود بهذا الحد. 
والصاعقة الواردة في القرآن هي التي تشبه صاعقة عاد وبالتالي هي عاصفة ضخمة أو إعصار.
إن أول ما خطر ببالي وأنا أقلب الكلمات في ذهني هو البحث عن سبب تلوث الماء الذي ظل حتى عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والأبار تتلوثُا؛ بسبب كائنات دقيقة وهذا مستبعد ان يستمر مدة طويلة وتتلوث أيضًا بالمواد الكيميائية، لكن ما الذي يسبب التلوث الكيميائي في العصر القديم الذي لم يكن يحوي المصانع ولا النفط ؟ لدينا احتمال الانفجار البركاني. 

الانفجار البركاني هو صيحة في ذاته فحقق لدي أول صفة من صفات العذاب، هنا كان لابد من التأكد من وجود براكين بالقرب من مدائن صالح والشمال الغربي في السعودية، ولقد وجدت بالفعل أن السواحل السعودية على البحر الأحمر مليئة بالبراكين الخامدة.
حسنا، ما الملوثات التي يقذفها البركان ؟ كثير جدًا، ولكن ما لفت انتباهي بين مقذوفات البراكين هو غاز كبريتيد الهيدروحين، غازٌ سامٌ جدًا يؤدي الى الموت عند ارتفاع نسبته، يتسبب في تلوث المياه الجوفية، ثقيل نسبيا فلا تحمله الرياح الخفيفة واذا استقر في الطبقات السفلية للهواء يتراكم فيها فما بالكم لو استقر في منازل صخرية سيئة التهوية، له رائحة كرائحة البيض الفاسد ولكن مع زيادة نسبته تتعطل حاسة الشم، والأهم أنه يؤدي إلى فشل الجهاز العصبي والصرع والشلل ثم الموت، أي الرجفة، ولو أننا دققنا في كلمة الطاغية فسنجدها تنطبق أيضا على الوصف فهو غاز يتسبب بالتسمم إذا جاوز الحد المعقول، القليل منه قد لا يؤذي لكنه إذا طغى وجاوز الحد يقتل في أقل من ساعة . 
بقيت لدينا كلمة صاعقة التي حاولت أن أجد لها مبررًا فكان الأمر صعبًا، ثم انتبهت أن البراكين ليست بالضبط في منطقة مدائن صالح ، فبعضها يقع في الشمال الغربي منها، وبعضها يقع في الجنوب الغربي ، فكرت قليلا وتخيلت الأمر كما يلي: انفجار بركاني يقع شمال مدائن صالح يقذف الكثير الكثير من الغازات السامة (الصيحة والطاغية) ثم تهب عاصفة شديدة ورياح غربية شمالية كما هو معتاد في المنطقة ويجب أن تكون العاصفة قوية؛ لتحمل الغاز، هذه العاصفة أو الاعصار تحمل الغازات السامة إلى مساكن قوم ثمود (صاعقة) فتغمرها بغاز كبريتيد الهيدروجين الذي يطغى على منازلهم وآبارهم ويستقر في بيوتهم سيئة التهوية فتقضي عليهم في ثلاثة أيام مسببة لهم الاختناق والشلل في الجهاز العصبي والصرع ( الرجفة ) ثم أصبحوا في ديارهم جاثمين. 
ولقد وعدهم صالح عليه السلام أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، وهذه الأيام ستكون كافية جدا لحركة الإعصار ونقلها للغاز الى ديار ثمود ثم موتهم بأعراض التسمم بكبريتيد الهيدروجين.
ومن اللافت وجود كلمة أخرى وصفت قوم ثمود بعد العذاب كلمة (هشيم المحتظر) وكلمة هشيم هي كل ما يتم تهشيمه بالأخص النباتات الجافة التي يعلف بها الدواب، تخيلت وقتها أن العاصفة التي أحاطت بهم قد أحدثت شرارة بسبب البرق فأصابت غاز كبريتيد الهيدروجين الكثيف والمركز فاحترق واحترقت معه جثث القوم وأصبحت كالهشيم، أنا لم أخبركم أنه غاز سريع الاحتراق أليس كذلك؟ وأنه عندما يحترق يتفاعل مع الاكسجين مخلفًا مادة الكبريت الأصفر والماء.

هنا انتبهت لنقطة جميلة؛ لون الهشيم او القش المهشم أصفر شديد الصفرة كما نراه في علف الدواب تماما كلون الكبريت، لكن الامر الأكثر اثارة ان كلمة المحتظر تعني صاحب الحظيرة أو بانيها او المقيم فيها، والحظيرة هي كما تعرفون مكان جمع الدواب، تخيلوا معي رائحة الحظيرة وقارنوها برائحة غاز كبريتيد الهيدروجين الذي ينبعث من تحلل المواد العضوية والجثث والمستنقعات ومياه الصرف الصحي. 
بالمناسبة، تحتل السعودية المركز الأول عربيا في استخراج و تصدير الكبريت. 
في كل الأحوال، هي محاولة لفهم ما درجنا نحفظه من قصص، ومحاولة؛ للتقريب بين النظريات العلمية والمفاهيم الدينية؛ لنساعد أبناءنا على الفهم الصحيح، في زمن أصبحت الفتن فيه تدخل علينا بيوتنا دون أن نملك أن نمنعها. 

حصنوا أولادكم بالعلم والقرآن وبالفهم الصحيح والقدرة على التحليل، أو اعتزلوا الحياة والتكنولوجيا لتحموهم من الفتن . 
هذا ما عندي، فإن أحسنت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان.







جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020