أبو النور حين رأى البحر من فُتحات البوسطة !!

أبو النور، حين رأى البحر من فُتحات البوسطة !! 
(1974- 2017) 


عندما رأيت ردة فعل أطفالي لحظة رؤيتهم بحرنا لأول مرة، تذكرت أمي وأبي- ابنة يافا وابن مجدل يابا- رحمهما الله- اللذين كانا يأخذانا أطفالاً إلى بلادنا التي هُجّرنا منها... ثم تذكرت الأسير القائد (نائل البرغوثي/ أبا النور) أقدم أسير سياسي في العالم! 
تذكّرته حين حظيت بلقائه المتجدد في البوسطة (حافلة نقل الأسرى) عام (2017)م، وقد بدت عليه اللهفة والشوق الدفين لرؤية البحر! 
قال لي: "إن شا الله يمرّوا من طريق الساحل"
قلت له: "ان شا الله، بس ما بتوقع"! 
ولكنه ظلّ واقفاً بقدمين ثقيلتين، ويدين مكبلتين طليق الروح مشحوناً بالإيمان والأمل، يحاول استراق لحظات من الحرية السليبة، ونظرات مقيدة من فُتحات صغيرة جداً، صمّمها السجّان بدل النوافذ الطبيعية، فما أشبه فتحات البوسطة بـ "فتحات فرعون" التي حدّدها الاحتلال مؤخراً زماناً ومكاناً، كمنفسيْن لسجنيْن: صغير وكبير، ذلك الاحتلال الذي يرمي لأهداف بعيدة، ويمارس ساديّته كجلاد، يتحكم بالضحية متى تختنق، ومتى تتنفّس.
كنّا في شهر كانون الثاني، لكنّ حرارة الإيمان بالله العظيم- التي تمدّنا بحرارة العلاقة السرمدية بالأرض والبحر والسماء والحرية والأمل- طفقت تنساب دفئاً حانياً إلى الأجساد المتعبة، التي امتصت مساماتُها برودة المقاعد الحديدية الجافة الملامح، كوجه سجان غريب...!! 
وبعد ربع ساعة من الترقب بعيني عاشق، تجلّى البحر أمام أبي النور، تتهادى أمواجه الوفيّة الحبيبة كهدية من رب السماء لأسير قضى أكثر من (40) سنة في سجون الاحتلال! 
فرح أبو النور منادياً عليّ، وقد تهلّل وجهه الجميل بعينيه الزرقاوين اللتين أمستا أشد زرقة من بحرنا المزهوّ بإطلالة حيفا الجميلة عليه... وظل يتأمل المشهد بصمت العاشقين، ورؤى القادة المخلصين الأحرار، الذين يسعون لرتق العلم الفلسطيني كثوب يوحّد الفلسطينين الماكثين في الأرض، في وجه زبد البحر الذي سيذهب جفاء...
ثم سألته: "كم صارلك ما شفت البحر أبو النور"؟! فأجابني: من عام (1974)!! ذُهِلت من إجابته سائلاً: كل هالبوسطات بين كل هالسجون على مدى حوالي (40) سنة، وما صحلك تشوف البحر؟! فأجاب: آه والله، هذه أول مرة بشوف فيها البحر بعد كل هالسنين...!! 
آهٍ ما أصعبها على النفس! حين تصير حقوقُ الفلسطينيين أحلاماً يرونها فقط عبر فتحات ضيقة!! 
إنه المنع والسجن والحرمان في أشد تجلياته لشعبنا وأسرانا الأبطال... ولكن البحر الذي يتعرف وجوه الفلسطينيين جيلاً بعد جيل، سيظل وفياً لأصحابه الأصليين- إذا أخلصوا النوايا والأعمال- ويستقبل من يشاء، وذات يوم سيلفظ من يشاء، حين الله يشاء. 
سلام عليك وعلى رفاقك وإخوانك ومحبيك يا أبا النور، وعلى أمل لقاء الحرية قريباً- بإذن الله- في جنة فلسطين، بحرها ونهرها ( حقّ اليقين)... والسلام ختام.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2020