المتطلبات التعبوية للمناورة البرية

عبدالله أمين

خبير عسكري وأمني

بقلم: عبد الله أمين

لازلنا نتفيأ ظلال معركة " سيف القدس " التي وضعت الأعمال الحربية فيها أوزارها وبدأ الجهد السياسي يأخذ دوره لاستثمار التضحيات التي قدمها أبناء شعبنا في مختلف مدن وقرى فلسطين المحتلة، خاصة غزة التي ناءت بالعبء الأكبر من هذه المعركة، وقد تحدثنا في مقالين منفصلين عن أسباب فشل العدو في تحقيق أهدافه من هذه المعركة والتي كان من أهمها: عدم تحديده بشكل دقيق أهدافه من هذه المعركة، وكذلك عدم تعريفه للنصر، مضافاً إلى ذلك القرار السياسي المتردد في تطوير العمليات العسكرية، كما تحدثنا أيضاً عن أسباب نصر المقاومة وصمودها في وجه آلة القتل الصهيونية؛ حيث قلنا أن أهم أسباب الصمود كانت معية الله أولاً وآخراً، ثم بساطة الأهداف التي أعلنتها المقاومة والتي يمكن إجمالها بمنع العدو من تحقيق أهدافه. 
ثم أعقبنا ذلك بمقال حول الأسباب الموضوعية التي حالت دون العدو وتطوير عملياته العسكرية؛ بحيث تتحول من عمليات قصف جوي وبري وبحري إلى عملية برية تسندها تلك الصنوف القتالية. 
وفي هذا المقال سنتحدث عن موضوع آخر استكمالاً للموضوع الأخير المرتبط بعدم خروج العدو إلى مناورة برية؛ حيث سنأتي على ذكر المتطلبات التعبوية لأي مناورة برية، آخذين بعين الاعتبار أننا سنتحدث عن أصول هذا الموضوع بحيث يأخذ كل من القراء الكرام ما يلزمه وما يصلح له منه، بانين فرضية المقال على ما يقال وينشر من أن حركات المقاومة في غزة تملك شبكات أنفاق، بعضها معدّ من أجل استثماره في مناورة برية تساعد عناصر المقاومة على توقي نار العدو ليفاجئوه خلف خطوطه ومقاره عبر هذه الأنفاق؛ لذلك فإن هذه الأصول قد تكون مفيدة في مراجعة بعض الإجراءات والتدابير المتخذة لنجاح هذه المناورة في حال أقدمت عليها فصائل المقاومة في أي معركة قادمة مع العدو. 

إن أي مناورة برية تقوم بها القوات العسكرية بغض النظر عن استعدادها القتالي أو نوع مناورتها التكتيكية ــ خرق، صدم أو جبهي، التفاف أو احاطة من جهة أو جهتين ــ حتى تنجح وتحقق المهمة التي من أجلها تمت؛ لا بد لها من مجموعة عناصر أو متطلبات نأتي على ذكرها كما يلي: 

  1. أهداف أرضية ذات قيمة تعبوية: إن أول ما يتبادر إلى الذهن عند التفكير في تطوير أي هجوم أو اشتباك ناري ــ بغض النظر عن صنوف القوات المسلحة المشتركة فيه ــ ليصبح جهداً مساعداً لمناورة برية تتحرك فيها صنوف القوات البرية المختلفة ــ مشاة، دروع، مشاة آلية،...  ـــ وجود أهداف أرضية ذات قيمة تعبوية، يشكل الوصول لها نصراً للمتقدم وهزيمة للمنسحب، أو أنّ الوصول لها يشكل انتهاء مرحلة قتالية والتحضير لمرحلة ثانية، وما لم يكن هناك مثل هذه الأهداف البرية؛ فإن المناورة لا تعدو أن تكون حركة تعبوية منبتّة وغير متصلة وخارج سياق العمليات، وهذا أمرٌ ممكن الحدوث ولكنه في الصورة الأكبر يكون جزءاً من مناورة أو جهد قتالي ثانوي يخدم جهداً رئيسياً في مسرح العمليات أو منطقة المسؤولية. 

  2. قرار سياسي: المتطلب الثاني للقيام بمناورة البرية؛ وجود قرار سياسي يغطي القرار التعبوي الذي سيطور عمليات القوات المسلحة ويخرجها من حالة إلى حالة ومن مرحلة إلى مرحلة، فأي قرار تعبوي مفصلي ــ تطوير العمليات، استخدام نوع غير متعارف عليه من الأسلحة، قصف منشآت ومراكز حيوية،... ــ لابد له قبل أن يخرج إلى حيز النفيذ من أن يغطى بقرار سياسي قادر على تحمل تبعاته وما ينتج عنه من خسائر بشرية أو مادية، وحيث أن غرف العمليات المركزية التي تدار من خلالها الحروب والمعارك يشارك فيها وزير الدفاع كممثل للسلطة المدنية في الدولة، فإن استصدار مثل هذا القرار والمصادقة عليه، لا يأخذ وقتاً طويلاً؛ حتى لا يقال أن انتظار القرار السياسي قد يفوت فرصة ميدانية؛ القادة العسكريون في الميدان هم في أشد الحاجة لها. 

  3. قدرات قتالية مثبتة الفاعلية ذات جاهزية: ثم يأتي دور الأداة التي ستنفذ هذه المناورة والتي سيقع عليها عبء الاحتكاك والاشتباك مع العدو، ألا وهي قوات المناورة بمختلف صنوفها والتي بالعادة تكون قوات المشاة أو المشاة الآلية والدروع بمختلف صنوفها، وهنا إذا لم تكن هذه القدرات قد أثبتت كفاءة قتالية سابقاً وأنها تتمتع بمستوىً عالٍ من الجاهزية، فإنها لن تكون قادرة على تنفيذ المهمة المطلوبة منها، وهنا لا بأس من التذكير أن قوات المناورة في بعض الأحيان وقبل أن تعبئ وتحشد في مناطق الحشد خلف خط الجبهة، قد تقوم بعمل تمارين تعبوية تشبه ما هي مقبلة عليه من عمل قتالي، بحيث يوضع بين يدي قادتها "تقدير عمليات" يوصّف لهم طبيعة المهمة المقبلين عليها، فيدرب القادة ما تحت إمرتهم من قدرات بشرية ويمتحنوا القدرات المادية على القيام بما يشبه ما هم مقدمون عليه، ثم وبشكل مباشر بعد انتهاء التمارين؛ تعبأ وتحشد هذه القوات في مناطق العمليات ويدفع بها لتنفيذ المهام وفق الجداول الزمنية والمهام المقرة من قبل ضباط العمليات ومسؤولي المناطق.

  4. منظومة قيادة وسيطرة ومعلومات C3 فاعلة: نأتي إلى أهم عامل من عوامل نجاح أي عمل؛ مدنياً كان أم عسكرياً، ألا وهو منظومة القيادة والسيطرة والمعلومات C3، فقيادة مناورة برية مشتركة فيها مختلف الصنوف، مسنودة بنار إسناد بري أو جوي أو بحري، سوف تتحول إلى مذبحة ومجزرة نيران صديقة ما لم تكن هناك منظومة قيادة وسيطرة فاعلة متيقظة قادرة على مواكبة تطورات الموقف الميداني، تنقل الجهود من مكان إلى آخر، وتفتح النار في مكان لتقطعها في آخر، قادرة على توقع رد فعل العدو على مناورتها، بما تملكه من معلومات من مختلف المصادر الفنية والبشرية، بحيث تحمي قواتها من أن تقع في كمائن العدو وأشراكه، إن امتلاك مثل هذه المنظومة والمحافظة عليها من السقوط أو الاختراق هي عصب المناورة البرية وعصب كل عمل تعبوي أو ركني، ففي  غيابها يغيب التنسيق ووحدة القيادة، ولا يمكن حشد القدرات وتعبئتها على الهدف، لتحقيق المهمة بأقل الخسائر وأقصر الأزمان.   

  5. سلاح إسناد ناري وإداري فاعل: ومن متطلبات نجاح المناورة البرية؛ توفر سلاح إسناد ناري ــ بري، جوي، بحري ـ قادر على عمل غطاء ناري تتقدم تحته قوات المناورة إلى أقرب المسافات من أهدافها البرية التي تريد أن تصل لها، ثم ترفع هذه النار كون بقاءها عند التحام الصفوف وقصر مسافات الاحتكاك مع العدو قد يضر ولا ينفع، وهنا قد يغيب عن الذهن أن قوات المناورة ليست بحاجة إلى جهاز إسناد ناري فاعل فقط لتقوم بمناورتها وتحقق أهدافها؛ الأمر الذي يستدعي التذكير بأن ما يوازي أهمية جهاز الاسناد الناري في المناورات البرية؛ جهاز الإسناد الإداري، فالقوات التي تتقدم على المحاور البرية باتجاه أهدافها، تأخذ المسافة بالتباعد بينها وبين نقاط إمدادها ودعمها، من ماء وغذاء وطبابة وتعويض للذخائر ووسائل نقل لتبديل العديد عند الحاجة، لذلك ففي غياب جهاز إسناد إداري أو ما يعرفه البعض باسم الدعم اللوجستي أو خدمات الدعم القتالي، فإن القوات ستتقطع بها السبل وتُرهق، الأمر الذي سينعكس على كفاءتها وجاهزيتها القتالية، ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ دعونا نذكّر أن نسبة الذيل Tail ( جهاز الدعم اللوجستي ) للقوات المسلحة الأمريكية التي احتلت العراق في عام 2003 إلى الأسنان Teeth (القوات المقاتلة ) بلغت في بعض مراحل العمليات 5: 1، وهو ما يعرف بــ 3T (Tail To Teeth) بمعنى أن كل مقاتل على خط الجبهة كان بحاجة إلى خمسة مقاتلين في المؤخرة لتأمين دعمه الإداري.  

  6. احتياط تعبوي واستراتيجي ذا جاهزية: من الأمور التي يجب أن لا تغيب عن البال عند التخطيط لأي مناورة برية، وجود احتياط تعبوي وآخر استراتيجي مناسب قادر على إدامة المعارك، فقوات المناورة عندما تتحرك على محاور عملها يتحرك معها احتياطها التكتيكي المرافق لها بشكل دائم، فقادة القطعات المناورة كل يحتفظ باحتياطه الخاص به، يدفع به في المكان المناسب أثناء التحرك والمناورة، فعلى سبيل المثال، قد يناور قائد الكتيبة بسريتين محتفظاً بالثالثة في الاحتياط، وقد يناور قائد اللواء بكتيبتين محتفظاً بالثالثة في الاحتياط، وقد يناور القادة بكل ما تحت إمرتهم من قدرات معتمدين على الاحتياط التعبوي المحتفظة به الوحدة الأم الأكبر العاملين تحت إمرتها، والذي يُستدعى عند الحاجة لإدامة زخم العمليات وإبقاء قوات العدو تحت الضغط وللمحافظة على المبادرة التعبوية، ولكن هذه القوات عندما تصل إلى أهدافها؛ تصل وقد أُنهكت واستنفذت طاقتها ووقع فيها من الخسائر ما وقع، ومن أجل المحافظة على المنجزات الميدانية وتثبيتها وإعادة التنظيم على الهدف واستثمار النصر أو التحضر لتطوير العمليات وفقاً لما يقتضيه الموقف، من أجل هذا كله؛ فإن القادة بحاجة إلى استدعاء جنود بكامل قوتهم وطاقتهم ومعنوياتهم، الأمر غير المتوفر إلا من الاحتياط التعبوي أو الاستراتيجي أو ما يعرف باحتياط القيادة أو المقر. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن كلا الاحتياطين التعبوي والاستراتيجي، يستخدمان عند الحاجة لحماية قوات المناورة من أي خطر غير متوقع قد تتعرض له قوات المناورة أثناء عملها على أهدافها وحركتها ضمن محاور عملها.  

  7. محاور تقدم ومعابر موصلة ومسارات تقرب آمنة ومحمية: كما أن متطلبات المناورة البرية الناجحة وجود محاور ومعابر ومسارات تقرب من الأهداف الأرضية، محمية وآمنة تتسع لتحرك القوات بحرية وأمان، ففي غياب مثل هذه المحاور والمعابر والمسارات؛ لا يُتصور وجود مناوَرة ولا قوات مُناوِرة، وهنا لابد من التذكير أن هذه المحاور والمعابر والمسارات لا تختار خبط عشواء، إنما تختار بدقة وعناية بحيث تكون منتهية بعوارض حساسة وأهداف أرضية مهمة، تخدم في أصل الهدف من العملية العسكرية وتساعد عند الوصول لها والاستقرار عليها في تأمين القوات العاملة في منطقة المسؤولية أو تمكن من يتموضع عليها من السيطرة على منطقة العمليات، كما أن الحضور فيها وعليها ــالعوارض الحساسة ـ يساعد في تطوير العمليات مستقبلاً واستئنافها عند صدور الأوامر. 

كان هذا ما اتسع له الموقف، على أمل أن تكون هذه المقالة محفزاً لأهل الاختصاص، لبسط الحديث وفتح النقاش في مثل هذا الموضوع لزيادة الفهم ومراكمة المعارف والخبرات والتجارب، فالمناورة فن مبني على علم وأصول "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ". 


جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2023