الاستجابة لنداء أهارون باراك

افتتاحية صحيفة هآرتس

ترجمة حضارات

لا يجوز المرور مرور الكرام على التصريحات الاستثنائية، بحدّتها وخطورتها، التي أطلقها رئيس المحكمة العليا السابق ‏أهارون براك مساء السبت من على منصة التظاهرة في ساحة «هبيما»، وكأنها مجرد تحذير آخر من بين التحذيرات التي تتردّد في الاحتجاجات.

باراك لم يتحدث عن المستقبل، بل قدّم توصيفاً للحالة القائمة: «في إسرائيل يوجد حكمُ شخصٍ واحد»، قال، وأضاف أن نظام الحكم «لم يعد ديمقراطية ليبرالية»، وليس أقل أهمية من ذلك أنّه أوضح للجمهور أن «المحكمة لن تستطيع وحدها منع الانقلاب على النظام، وحده الشعب، الذي يقف في صميم الديمقراطية الليبرالية، قادر على وقف التدهور».

تكتسب هذه القراءة حدّتها الخاصة لأنها تصدر عمّن آمن دائماً بقوة التوازن التي تمثلها المنظومة القضائية، ويحذّر اليوم من حدود قدرتها. ولكي تصبح سيطرة رئيس الحكومة «مطلقة»، شرح باراك، تسعى الحكومة إلى «السيطرة أيضاً على الجهة الوحيدة القادرة على مراقبة السلطة: المحكمة»، ولذلك «ليس مستغرباً أن تتركّز المرحلة الأولى من الانقلاب على النظام في تعيين القضاة وفي تقليص قدرتهم على إبطال التشريعات وأعمال الحكومة».

تُجسِّد موجة التشريعات المتسارعة في الأسابيع الأخيرة هذا المسار بوضوح: مسٌّ منهجي باستقلال المحكمة العليا، سلبُ صلاحيات، تعييناتٌ سياسية، وتشريعاتٌ شعبوية ومتهوّرة. وبعد ثلاث سنوات على طلقة البداية للانقلاب على النظام التي أطلقها وزير القضاء ياريف ليفين، بات واضحاً أن الأمر لا يتعلق بسلسلة قوانين عارضة، بل بخطّة مدروسة لتغيير النظام، حتى السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يدفع مهندسي الانقلاب إلى الإفاقة من هذا الجنون أو إلى كبحه.

ولا يقتصر الانقلاب على التشريع؛ بل يترافق مع حملة ملاحقة ضد حرّاس العتبة، وزير القضاء يرفض الاعتراف برئيس المحكمة العليا يتسحاق عميت؛ المستشارة القضائية للحكومة تتعرّض لهجمات متواصلة؛ ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش تجاوز الأسبوع الماضي خطاً أحمر حين قال إنهم «سيدهسون» عميت، هذه ليست زلّة لسان، بل تحريضٌ مقصود ضد كل من وُسم كعدوّ للانقلاب.

وبالتوازي، جرى تسليم الشرطة إلى وزير كاهاني مدان، يحوّلها تدريجياً إلى شرطة سياسية: تطبيقٌ انتقائي للقانون، عنفٌ ضد المتظاهرين، إهمالٌ متعمّد لمكافحة الجريمة في البلدات العربية، وتغاضٍ منهجي عن أنصار الحكم. وليس من قبيل الصدفة أن يحذّر باراك من شرطة «تُشغِّل قوتها بصورة غير متساوية وغير منضبطة»، وفي الوقت نفسه، يتصاعد الإرهاب اليهودي في الأراضي المحتلة ويحظى عملياً بغطاء حكومي.

«طوال حياتي عملت في الخدمة العامة، ولستُ رجلاً يخطب في الساحات»، قال باراك. «أتحدث إليكم هذا المساء لأن مشروع حياتنا جميعاً في خطر»، على الجمهور أن يستجيب لهذا النداء، وأن يوسّع النضال دفاعاً عن مشروع الحياة الإسرائيلي، قبل فوات الأوان.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025