معاريڤ
شلومو شامير
ترجمة حضارات
بينما يلاحق نتنياهو بهوس الرئيس غير المتوقع، يحول إسرائيل إلى مستعمرة أمريكية معزولة، سواء على الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة أو في المنتديات الدولية.
مِن حيث العلاقات العامة، ومن منظور التصريحات وكشف الصداقة المتبادلة، كان اللقاء بين رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ناجحا.
لكن من الناحية العملية السياسية، لم يسفر اللقاء عن أي نتيجة ملموسة، ولا عن أي إنجاز من المتوقع أن يتحقق في المستقبل القريب، وليس من المؤكد حتى في المستقبل البعيد.
الرئيس ترامب ببساطة استمتع فهو يحب أحداثا من هذا النوع، خصوصا تلك التي تكشف عن التذلل والخضوع الذي يظهره نظراؤه من رؤساء الدول تجاهه، وفي هذا الجانب، لا أحد ينافس نتنياهو.
"إسرائيل لم تكن لتوجد بدون بيبي"، صرح الرئيس، وهو محق، لكنه لم يوضح أنه يقصد إسرائيل "الخاصة به"، تلك التي يريد أن يراها ويعمل جاهدا على إنشائها، والتي يأمل في تثبيتها وترسيخها.
فيما يتعلق بالبيت الأبيض، لماذا أنشأ فرعا أو امتدادا في كريات جات؟ إنه إجراء غير مسبوق في تاريخ علاقات الدولتين. من منظور ترامب، إسرائيل في وضع مستعمرة أمريكية، و نتنياهو في عينيه، هو انسب من يمثل هذه المستعمرة خصوصا وأن ولاءه للبيت الأبيض كاملا، ولا توجد مخاوف من عصيانه.
حتى لو أسفر لقاء مارالاجو عن أي مكسب سياسي مستقبلي لإسرائيل، فسيتذكر كحدث عبّر عن استسلام نتنياهو الكامل، يتجاهل رئيس الوزراء حقيقة أن ترامب لا يعمل بمفرده فيما يتعلق بالشرق الأوسط، و"اليوم التالي لغزة"، والسياسة تجاه إيران، فالأشخاص الذين يؤثرون بشكل كبير على آرائه هم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، ووفقا للمحللين، فإنهما ليسا من محبي نتنياهو، بل يعتبرانه عقبة في طريق تنفيذ المبادرات والخطط.
ركز الصحفيون والمحللون في إسرائيل كثيرا على تفسير كل تصريح، بل على كل كلمة أدلى بها الرئيس ترامب، حتى أنهم تجاهلوا تماما التداعيات المحتملة للقاء في مارالاجو، هذه لم تكن قمة، بالكاد كان لقاء، قال مسؤول يهودي رفيع في نيويورك، معروف بعلاقاته الوثيقة مع قمة البيت الأبيض.
في سعيه المهووس وراء الرئيس ترامب، وزياراته المتكررة إلى واشنطن الخاضعة لسيطرة الجمهوريين، عزل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إسرائيل، وبشكل أدقّ، قام بفصلها ووضعها في موقع دولة غربية معزولة، سواء على الساحة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة أو في المنتديات الدولية.
"نتنياهو غير محبوب لدى قادة الحزب الديمقراطي، كما أن قيادة الحزب الجمهوري منقسمة ومشرذمة في موقفها منه"، قال إريك يوفه في مقابلة مع صحيفة معاريف، و يوفه شغل سابقا منصب رئيس الحركة الإصلاحية، ولا يزال ناشطا ومؤثرا في الحياة المجتمعية اليهودية وصياغة مواقفها.
وأضاف: "يهود أمريكا يريدون أن يكون القادة الإسرائيليون محبوبين لدى الساسة الأمريكيين، نتنياهو ليس كذلك، لذلك يخشى يهود أمريكا أن تكون نتائج اللقاء بين ترامب ونتنياهو كارثية".
وبحسب قوله: "الرئيس ترامب غير محبوب لدى يهود أمريكا، لكنهم يدركون أنه، بصفته رئيس الولايات المتحدة، يمتلك القدرة على تقرير مصير إسرائيل.
مسؤولون كبار في الجالية اليهودية يشعرون بقلق بالغ إزاء تصاعد مظاهر العداء لإسرائيل، لدى شخصيات بارزة في قيادة الحزب الجمهوري، والمعروفة بقربها من الرئيس ترامب.
وقال رئيس منظمة يهودية مركزية في حديث: "نتنياهو يتجاهل تماما التطورات الخطيرة بالنسبة لإسرائيل، والتي تظهر لدى شخصيات مؤثرة وفاعلة في الدائرة القريبة من الرئيس".
ولا يقتصر الأمر على العداء لإسرائيل من شخصيات مثل الصحفي تاكر كارلسون، الذي تُعد تصريحاته معادية للسامية، الأخطر بالنسبة لإسرائيل هو أن التحفّظ على السياسات المؤيدة لها، والمعارضة لاستمرار تقديم الدعم لها، باتا ظاهرة ثابتة لدى من يُعرفون بقادة حركة MAGA ("لنجعل أمريكا عظيمة مجددا").
الشخص الذي بات عدائيا لإسرائيل بشكل علني وواضح هو ستيف بانون، المعروف بقربه من الرئيس ترامب، كما أعرب مسؤولون كبار في الجالية اليهودية عن قلقهم من تراجع مظاهر التأييد لإسرائيل أيضا من قبل نائب الرئيس جيه دي فانس.
وقال مسؤول يهودي بارز ومعروف: "أدلى نائب الرئيس مؤخرا بتصريحات كشفت معارضته لسياسات داعمة لإسرائيل، وهو لا يخفي طموحه للترشح لرئاسة الولايات المتحدة بعد ترامب".
كما عبّر هذا المسؤول وزملاؤه في المؤسسة اليهودية في الولايات المتحدة عن قلقهم من تصريحات نشطاء جمهوريين شباب أبدوا إعجابهم بهتلر. ففي فعالية نظمها مؤخرا معهد مانهاتن المرموق، وصفت إحدى الشابات أدولف هتلر بأنه "قائد عظيم أراد أن يجعل ألمانيا عظيمة من جديد"، فيما وصف ناشط جمهوري شاب إسرائيل بأنها "دولة شريرة ترتكب إبادة جماعية".
ويشير المقال إلى أن المعلقين لا يدركون حجم العداء المتصاعد لإسرائيل، الذي يتعاظم بين شخصيات وجهات جمهورية مقرّبة من الرئيس ترامب، ويُصدم كبار أفراد الجالية من تجاهل نتنياهو التام للتطورات المعادية لإسرائيل، التي ظهرت مؤخرا لدى من يُعدّون من قادة الحزب الجمهوري وناشطيه.
"هو (نتنياهو) مهووس إلى حدّ كبير في سعيه وراء الرئيس ترامب، لدرجة أنه ينسى أو يتجاهل، أو لا يرغب أصلا في أن يكون واعيا لما يجري داخل المعسكر الجمهوري فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل"، قال إريك يوفه، وأضاف: "الحقيقة هي أن يهود أمريكا، مثل كثير من السياسيين الأمريكيين من الحزبين، يرون الفساد والفوضى اللذين أدخلهما نتنياهو إلى السياسة في إسرائيل، وهم ببساطة لا يصدقون أنه قادر على تنحية مصالحه الشخصية جانبا والعمل من أجل مصالح إسرائيل والمنطقة، هذا وضع كان مستحيلا في الماضي، أما اليوم فقد أصبح طبيعيا، وهو مصدر قلق لكل يهودي".
لا يهتم بالديمقراطيين ولا يراهم
يتشارك محللون في واشنطن ومسؤولون كبار في الجالية اليهودية تقييما مقلقا، مفاده أن رئيس الوزراء نتنياهو يُهمل، بل ويُظهر استخفافا، بقيادات الصف الأول في الحزب الديمقراطي.
قال محلل مخضرم في واشنطن: "من المدهش أن سياسيا مخضرما مثله، يعرف السياسة الأمريكية جيدا، يستخف علنا وبوعي بقادة الحزب الديمقراطي".
وأضاف: "الجمهوريون الكبار قلقون من نتائج انتخابات منتصف الولاية، التي قد تقضي على الأغلبية الضئيلة التي يمتلكونها في الكونغرس. ولا يخطر ببال نتنياهو أن ولاية صديقه الكبير ترامب محدودة، وأنه قد يجلس في البيت الأبيض رئيس ديمقراطي".
يكتب محللون في إسرائيل بقلق عما يصفونه بـ"نزعات متزايدة داخل قيادة الحزب الديمقراطي ضد إسرائيل"، وهم يذكرون بيرني ساندرز وعضوة الكونغرس ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، ساندرز ليس ديمقراطيا، بل هو سيناتور مستقل.
ويقول فوكسمن، الخبير البارز في شؤون معاداة السامية، إنه لا يتذكر يهوديا معاديا للسامية ومعاديا لإسرائيل مثل اليهودي بيرني ساندرز، في المقابل، فإن أوكاسيو-كورتيز لا تمتلك أي تأثير يُذكر داخل الحزب الديمقراطي.
كما يشير كتّاب أعمدة بارزون وعدد غير قليل من الدبلوماسيين الكبار في المقر الرئيسي للأمم المتحدة في نيويورك، إلى حقيقة غير مريحة بالنسبة لإسرائيل، وهي أن تركيز نتنياهو الكلي على علاقته بالرئيس ترامب ألحق، ولا يزال، ضررا بالغا بعلاقات إسرائيل مع قوى الغرب، بما فيها ديمقراطيات مركزية في أوروبا.
"لا يخطر ببال نتنياهو حتى أن يبادر إلى زيارة برلين أو لندن أو باريس، هذه العواصم الغربية لا تعنيه"، قال مؤخرا محلل رفيع في واشنطن.
"الأمر مدهش، لأن هذه دول كبرى كانت تُعدّ صديقة لإسرائيل، وما زالت مبدئيا تحافظ على هذه الصداقة، ومع ذلك، يبادر نتنياهو إلى زيارات متكررة لواشنطن، متجاهلا بشكل صارخ قوى الغرب.