تفسير الاحتجاجات المتصاعدة في إيران قد يؤدي إلى تجميد خطط هجوم إضافي

صحيفة هآرتس

عاموس هرئيل

ترجمة حضارات

ترامب لن يربح من حرب في الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة، وضربة إسرائيلية قد تخدم النظام الضعيف فقط، نتنياهو يريد إبقاء جميع الجبهات مفتوحة ومتفجرة، والجيش الإسرائيلي يصطف مع هذا التوجه.

تزايدت الاحتجاجات ضد النظام في مدينة كرمانشاه غرب إيران أمس، ضباط الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي يرصدون ارتفاعًا ملحوظًا في حجم المظاهرات وفي جرأة المشاركين فيها.

فنزويلا، إيران، لبنان، إسرائيل، الهزات الارتدادية للخطوة الأميركية لإسقاط نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ستُحَسّ لفترة طويلة في أنحاء العالم، وستكون لها تداعيات غير مباشرة أيضًا على البيئة الاستراتيجية التي تعمل فيها إسرائيل، السهولة التي نُفذت بها في نهاية الأسبوع الماضي توجيهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لاختطاف مادورو ونقله للمحاكمة في واشنطن ستنعكس على التحركات الأميركية المقبلة، وستؤثر كذلك في حسابات القوى العظمى الأخرى.

في قرار بعيد المدى، ومع السيطرة المتوقعة للولايات المتحدة على موارد النفط في فنزويلا، يحاول ترامب رسم قواعد اللعبة العالمية الجديدة، ولا سبب يدعو فلاديمير بوتين أو شي جين بينغ إلى التصرف بشكل مختلف: هذا في حربه القاسية في أوكرانيا وصراعاته مع حلف الناتو، وذاك في خططه لضم تايوان.

يعرض ترامب في ولايته الحالية نسخة أكثر تطرفًا من ولايته الأولى بين عامي 2017 و2021، وقد ظهرت بوادر ذلك مبكرًا في سياسة الرسوم الجمركية المتقلبة التي انتهجها، وفي وعوده المتكررة بضم غرينلاند، وفي القرار المفاجئ بالانضمام إلى حرب إسرائيل ضد إيران عبر ضرب المنشأة النووية في فوردو، قصف السفن الفنزويلية في الأشهر الأخيرة، الذي قُدم كجزء من حملة مبادرة ضد كارتلات المخدرات، استُخدم لخلق سياق مصطنع لإسقاط النظام. اختطاف مادورو يعكس ميزان القوى الدولي: عالم جديد وفوضوي إلى حد ما، حيث تتحدث القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية، ويعمل ترامب بحرية شبه مطلقة دون قيود حقيقية على سلوكه.

في هذه الجولة، تخلص الرئيس من اعتماده على الجنرالات المتقاعدين. أُخرج العسكريون السابقون بالكامل من دائرة صنع القرار، وفي مجموعة المستشارين والمقربين والمتملقين من حوله، لا يوجد من يستطيع أن يقول لترامب إنه تجاوز الحد أو ورّط بلاده في مخاطر بعيدة المدى، قدرة المستشارين أو القادة الأجانب على التأثير في قرارات ترامب تعتمد أساسًا على درجة محبته لهم وما يمكن أن يحصل عليه منهم.

قبل لقاء بنيامين نتنياهو مع ترامب في فلوريدا نهاية ديسمبر، سُمعت في إسرائيل تقديرات متباينة بشأن نتائج اللقاء المتوقعة. يحافظ الطرفان هذه المرة على قدر من التعتيم، خصوصًا في مسألة التنازلات التي قدّمها نتنياهو لترامب حول دفع الخطة الأميركية في قطاع غزة، من الواضح أن الضيف طُلب منه مراعاة أهداف المضيف، ومع ذلك، في الساحتين الإيرانية واللبنانية لا يبدو أن خلافًا كبيرًا قد نشأ بينهما. محبة ترامب ودعمه لنتنياهو برزا في المؤتمر الصحفي المشترك، الذي سيُستخدم لاحقًا في حملة انتخابات الليكود.

إذا كان نتنياهو مطالبًا بتقديم مقابل في غزة، وقد أعاد هذا الأسبوع إرسال وفد للتفاوض مع السوريين في باريس، فهذا ثمن يمكنه دفعه في الوقت الحالي دون صعوبة كبيرة.

كتب البروفيسور إليوت كوهين، أحد أبرز خبراء الاستراتيجية الأميركية، هذا الأسبوع مقالًا في مجلة أتلانتيك قال فيه إن إسقاط النظام في فنزويلا سيكون له تأثير أيضًا على مكانة دكتاتوريات فاشلة أخرى، ويرى قاسمًا مشتركًا بين فنزويلا ودول تحكمها أو حكمتها أنظمة مشابهة، إيران، كوبا، روسيا، وحتى وقت قريب سوريا وليبيا. الحماس الثوري الذي قاد العديد من هذه الحركات والقادة إلى السلطة، استُبدل على مر السنين بالجشع والفساد وتدهور الاقتصادات والقمع العنيف.

يرى كوهين أن إسقاط مثل هذه الأنظمة أصبح أصعب مما كان في السابق، نظرًا للكفاءة التي طوّرها الدكتاتوريون في قمع الاحتجاجات ضدهم، ويضرب مثالًا بإيران، حيث يواجه النظام الآن تحديًا متجددًا، رغم نجاحه خلال العقدين الماضيين في قمع سلسلة من الانتفاضات الشعبية الواسعة.

نظام آيات الله، كما يكتب كوهين، ينجح في البقاء عبر استخدام فعال لقوات قمع المظاهرات، والاعتقالات الانتقائية، وعمليات القتل لقادة الاحتجاجات.

أحيانًا، تساعد الدكتاتوريات بعضها بعضًا على البقاء، فإيران، على سبيل المثال، تستعين بتكنولوجيا صينية للتعرف على الوجوه لملاحقة معارضي النظام، وتشتري من بكين أيضًا وسائل لتفريق المظاهرات، ارتفاع قدرة الدكتاتوريين على الصمود يصعّب إسقاطهم عبر احتجاجات داخلية، ويغري أحيانًا دولًا معادية بقيادة جهد خارجي، لكن عندها تنشأ مشكلة إضافية قد تظهر أيضًا في إيران، المساس بالشرعية الداخلية للاحتجاجات بسبب التدخل الخارجي للقوى العظمى.

الخلفية للاحتجاجات الحالية في إيران اقتصادية بالأساس، وتختلف عن الاضطرابات التي اندلعت ضد فرض الحجاب على النساء عام 2022، الجمهور الإيراني غاضب أساسًا من غلاء المعيشة المتصاعد وفشل الحكومة في مواجهته، قال ضباط الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي أمس إن الأيام الأخيرة شهدت ارتفاعًا كبيرًا في حجم المظاهرات وجرأة المشاركين ومستوى العنف، توسعت الاحتجاجات إلى مدن إضافية، لكن في كثير من الحالات عاد المتظاهرون إلى المواقع نفسها مرة بعد مرة، يوم أمس شدد النظام الإيراني تشويش الإنترنت بهدف عرقلة نشر توثيق الاحتجاجات.

في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يُوصَف مسار طويل من التآكل والضعف في قبضة النظام على مواطنيه، ربما تأثر جزئيًا أيضًا بالضربات العسكرية التي تلقتها إيران خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو الماضي، المرشد الأعلى علي خامنئي اتهم هذا الأسبوع، كعادته، الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف تنظيم مؤامرة وراء الاضطرابات الأخيرة.

ومع ذلك، يبدو أن النظام يتصرف بحذر بعد تهديدات ترامب، وهذا على الأرجح خلفية الإعلان هذا الأسبوع عن الإفراج عن جزء من آلاف المواطنين الذين اعتُقلوا خلال الاضطرابات، ومع ذلك، يبقى ضباط الاستخبارات الإسرائيليون أكثر حذرًا في تقديراتهم من بعض المعلقين في الاستوديوهات التلفزيونية، الذين سارعوا إلى التنبؤ بانهيار شبه فوري للنظام في طهران.

اندلعت موجة الاحتجاج في وقت كان فيه نتنياهو يسخّن عمدًا الساحة ضد إيران، فقد أكثر رئيس الحكومة خلال الشهر الماضي من التصريحات حول المخاطر الكامنة في صناعة الصواريخ الباليستية الإيرانية، التي جددت إنتاج الصواريخ على نطاق واسع. ضغطت إسرائيل على الولايات المتحدة للاستعداد لمنح الضوء الأخضر لضربة جديدة ضد مواقع الصواريخ، وربما أيضًا مواقع نووية، رغم أنه حتى الآن لم تتراكم أدلة مقنعة على استئناف النشاط في المشروع النووي.

ومع ذلك، من المرجح أن تؤدي الاحتجاجات، والاهتمام الذي تثيره لدى ترامب، إلى إدخال سيناريو ضربة إسرائيلية إضافية في مرحلة تجميد، واشنطن ليست معنية بتحويل الانتباه عن احتجاج مدني مشروع داخل إيران إلى تبادل ضربات عسكرية قد يخدم النظام، في سعيه لصرف الأنظار عن الأزمات الاقتصادية ومشاكل البنية التحتية الهائلة التي تعاني منها الدولة، كما يُشكك في أن حربًا أخرى في الشرق الأوسط ستفيد ترامب، في سنة تستضيف فيها الولايات المتحدة بطولة كأس العالم لكرة القدم، وتنتظر الحزب الجمهوري فيها مواجهة صعبة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

الأرجح أن يحاول ترامب دفع أهداف أخرى: تشجيع إسقاط النظام، أو فرض اتفاق نووي جديد على الإيرانيين، وهو مسار لم تحاول الإدارة الأميركية سلوكه منذ يونيو.

أما إسرائيل، فعلى الرغم من الإنجازات في حرب يونيو، فمن الأفضل لها الحذر من أوهام قدرتها على فرض تغيير نظام في دولة ضخمة ستبقى خصمًا عنيدًا لها في السنوات المقبلة، في بداية الأسبوع انتشرت في البلاد موجة شائعات عن خطر قريب لحرب جديدة مع إيران، هذه الموجة، غير المستندة إلى معلومات موثوقة، تقوم على تقدير مفاده أنه مع وضع خامنئي في الزاوية قد يقدم على خطوة يائسة، هناك من يزعم أنه إذا خشي القائد ورجاله انقلابًا سريعًا أو ضربة إسرائيلية مفاجئة لصناعة الصواريخ، فقد يختارون توجيه ضربة استباقية من جانبهم، هذا سيناريو لا يمكن استبعاده تمامًا لاحقًا، لكنه لا يستند إلى معلومات استخبارية ملموسة، على الأقل في المدى القريب.

التركيز على إيران يؤثر أيضًا على التوتر في لبنان، الأسبوع الماضي خططت الحكومة والجيش في بيروت للإعلان عن انتهاء عملية تفكيك سلاح حزب الله جنوب نهر الليطاني، تعارض إسرائيل والولايات المتحدة الإعلان، لأن الواقع يشير إلى استمرار نشاط عسكري ووجود فعلي لحزب الله في جنوب لبنان، واكتفت الحكومة اللبنانية أمس بنشر صيغة غامضة نسبيًا. في الوقت نفسه، وبمصادفة زمنية لافتة، وصل إلى لبنان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بينما تصدر طهران بيانات تنديد بالتحركات الإسرائيلية.

كما في الملف الإيراني، هناك درجة عالية من التنسيق بين واشنطن وتل أبيب بشأن التحركات في لبنان، يبدو أن إدارة ترامب تستخدم التهديدات الإسرائيلية بالعودة لاستخدام القوة، كرافعة للضغط على قيادات طهران وبيروت لتقديم تنازلات عملية على الأرض، رغبة الحكومة اللبنانية في إعلان انتهاء العملية تنبع من نيتها الانتقال إلى المرحلة التالية من الاتفاق، التي تأمل فيها بالحصول على دعم أميركي لموقفها القائل إن استمرار الضربات الإسرائيلية، والاحتفاظ بمواقع للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، يتعارضان مع الاتفاق ويمسان بالسيادة اللبنانية، يواصل الجيش الإسرائيلي ضرب أهداف حزب الله في لبنان، خصوصًا في الجنوب، بشكل شبه يومي، وبالتوازي يحتفظ بخمسة مواقع شمال الحدود الدولية.

تطرح إسرائيل أمام الأميركيين معلومات استخبارية متراكمة عن تنسيق وثيق خلف الكواليس بين ضباط في الجيش اللبناني وعناصر حزب الله، وعن خطوات لإخلاء متفق عليه لمخازن السلاح كلما تلوح ضربة إسرائيلية. ومع توجيه الأنظار نحو إيران، يبقى السؤال ما إذا كان ترامب سيقبل ادعاء نتنياهو بأن عجز الحكومة في بيروت عن تنفيذ التزامها بتفكيك السلاح يبرر ضربة إسرائيلية واسعة. خطوة هجومية واسعة في لبنان، حتى لو كانت جوية فقط، تنطوي على صعوبة إضافية: في الجليل لم تكتمل بعد عودة السكان إلى بيوتهم، أكثر من عام على النهاية الرسمية للحرب مع حزب الله. أي اشتعال جديد قد يؤدي إلى نزوح مدني إضافي.

قال غادي آيزنكوت، رئيس الحزب الجديد «يشَر»، أمس في مقابلة إذاعية إن على إسرائيل أن تسأل نفسها، كيف بعد وقت قصير من انتهاء الحرب نُطلب إلى جولة قتال محتملة أخرى في لبنان وغزة وإيران، ووفقًا لرئيس الأركان السابق، فإن ذلك تعبير عن مشكلة استراتيجية أوسع، حيث تفشل الحكومة في ترجمة إنجازات الجيش الإسرائيلي الاستراتيجية سياسيًا في الساحات المختلفة.

هذه على الأرجح حجة ستُوجَّه إلى نتنياهو خلال الحملة الانتخابية، لكن في الوقت الراهن يبدو أنه رغم القصور الاستراتيجي للحكومة، فإن من يقف على رأسها معني بأن تبقى الجبهات المختلفة مفتوحة ومتفجرة، إلى حد كبير، تدعم قيادة الجيش الإسرائيلي هذا التوجه أيضًا، دروس المفاجأة في السابع من أكتوبر تتقاطع مع الخط المتشدد لترامب ونتنياهو، ومع التفكير في هيئة الأركان القائل إنه لا توجد مشكلة لا يمكن حلها عبر استخدام قوة عسكرية أثقل.

الساحة الأساسية التي قد لا يكون أمام نتنياهو فيها خيار سوى الاستجابة لإملاءات ترامب هي غزة، من المتوقع أن يعلن الرئيس عن خطوات دولية إضافية في القطاع، نشر قوة استقرار دولية، وإقامة «مجلس السلام»، خلال الأسابيع المقبلة. ستحاول إسرائيل المساومة، خصوصًا في ضوء حقيقة أن جثمان آخر المختطفين القتلى، الشرطي ران غوئيلي، لم يُستعد بعد. لكن ليس مستبعدًا أن يكتفي الأميركيون بتعهد من حماس بمواصلة الجهود، وأن يشيروا إلى أن جميع جثامين القتلى الآخرين تم العثور عليها وإعادتها، خلافًا للتوقعات المتشائمة للاستخبارات الإسرائيلية.

إقامة قوة الاستقرار تواجه صعوبات، حتى الآن لا يُعرف سوى عن استعداد مبدئي من إيطاليا وأذربيجان للمشاركة، لكن من غير الواضح بأي صيغة، وأي دول سترسل جنودًا، وما ستكون قواعد فتح النار للقوة، ما يتضح إلى حد كبير هو عدم استعداد الدول الأجنبية للمخاطرة بجنودها في إطار جهد لتفكيك سلاح حماس في النصف الغربي من القطاع الخاضع لسيطرتها، في هذه الأثناء، تعزز حماس قبضتها على القطاع، جزئيًا بفضل الضرائب التي تجبيها من شحنات المساعدات الإنسانية المتدفقة إلى غزة.

الخطوة التي ستُنفذ بالفعل في الأيام القريبة هي إعادة فتح معبر رفح، مع وجود عناصر من أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، خلافًا لتصريحات نتنياهو السابقة، الذريعة التي سيسوقها رئيس الحكومة لقاعدته الحزبية هي أن ذلك سيفتح الطريق لتشجيع هجرة جماعية للفلسطينيين من القطاع إلى الخارج، عمليًا، وكما في الوعد بالقضاء على حكم حماس، هناك فجوة هائلة بين الوعود التي أُطلقت خلال الحرب وبين الواقع القائم في نهايتها، على افتراض أننا وصلنا بالفعل إلى نهاية الحرب.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025