هآرتس
ترجمة حضارات
كارولينا لاندسمان
على مدى سنوات، عملت إسرائيل وفق منظومة قوى متقنة، مواربة، تكاد تكون أنيقة: جميعنا حافظنا معًا على الاحتلال، عبر تقسيم عمل صامت بين اليمين واليسار، بين السلطات الثلاث، الإعلام، الأكاديميا، الثقافة، المستوطنين و«الأعشاب الضارة». كل طرف أدّى دوره بإخلاص لقيمه، وبهذا حُفظت الصورة: ديمقراطية ليبرالية، وإن كانت خشنة قليلًا عند الأطراف.
بنيامين نتنياهو أوصل هذا المشروع المشترك إلى ذروته الزائفة، إذ نجح في تعزيزه رغم أنه أسقط منه «يدنا الممدودة للسلام». ومع كل التعقيدات القانونية، ونزوات الحريديم، استمر هذا البناء قائمًا — إلى أن جاء ياريف ليفين بـ«إصلاحه» ودمّر كل شيء.
كل يساري جادّ يعلم أن المحكمة العليا (بغتس) شرعنت عمليًا جرائم الاحتلال. ومن دونها لم يكن مشروع الاستيطان ممكنًا. فهي التي أتاحت مواصلة السيطرة على شعب آخر تحت دكتاتورية عسكرية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على صورة ذاتية لدولة متنورة.
على مدى سنوات، استطاعت شخصيات نموذجية من إسرائيل الليبرالية أن تنظر إلى المرآة وترى فيها طليعة الديمقراطية. كان بإمكان أهارون باراك أن يصوغ نظرية عالمية لحقوق الإنسان، وفي الوقت ذاته يوفّر البنية القانونية لحكم عسكري على ملايين البشر المحرومين من المواطنة. وكانت شيكما برسيلر تستطيع أن تحقق نجاحًا باهرًا في معهد وايزمان من دون أن تشكّك، ولو للحظة، في النظام السياسي الذي تعمل داخله.
لكن ليفين لا يحتمل عالمًا مواربًا. هو يريد أن يكون كل شيء صريحًا، مكتوبًا، قانونيًا بالمعنى الفجّ والوحشي للكلمة. لا مزيد من محكمة عليا تتيح الفعل بينما تعبّر في الوقت نفسه عن عدم ارتياحها له. لا مزيد من مؤسسات «مستقلة ظاهريًا» تميل باستمرار نحو الصهيونية لكنها تحافظ على قناع كوني.
وهنا وقع الانفجار. في اللحظة التي أعلن فيها ليفين عن «الإصلاح»، تحطّمت الصورة الذاتية لكل أهل «النظام» — النخب الخادمة، القيادة العسكرية العليا، الأكاديميا.
بعد أن عاشوا بسلام مع عشرات السنين من الاحتلال من دون أن يشكّوا لحظة في أن إسرائيل ديمقراطية، خرج «جنرالات الاحتلال» وزوجاتهم، وحتى طيارو سلاح الجو، يا للعجب، إلى الشوارع، كما لو كانوا مناضلي حقوق مدنية في ستينيات القرن الماضي. حقوقهم المدنية، بالطبع. أما الفلسطينيون فسنعتني بهم لاحقًا.
ما الذي دفع ليفين إلى تدمير هذا البرج؟ ما الخطأ في عالم كانت فيه المحكمة العليا تقول أحيانًا «نو-نو-نو»، مثلًا عندما أرادت الدولة سجن مهاجرين غير قانونيين سود في وسط الصحراء، لكنها لم تشكّك أبدًا فعليًا في أسس النظام؟ عالم يرى فيه اليساريون أنفسهم حماة للحرية؟ ويصنع الفنانون أفلامًا «نقدية» تُظهر إسرائيل واعية لذاتها فيما يواصل الاحتلال النبض؟
من أجل هذا يُحطَّم بناء نفسي وسياسي مهيب، أتاح لإسرائيل أن تواصل احتلال شعب آخر إلى الأبد، وتبقيه تحت حكم عسكري، بينما نعيش جميعًا في «لا لا لاند» ديمقراطية؟
ومن مفارقات التاريخ، أن صراحة ليفين الدوغمائية قد تقود إلى نهاية الاحتلال. فليس سوى مسألة وقت قبل أن يعبر «شباب التلال» الخط الأخضر. وعندما يدرك العلمانيون الليبراليون، بأجسادهم، أنهم باتوا أقلية، سيفعلون ما يفعله كل أقلية ميسورة حين تُضطهد على أيدي بلطجية في الشوارع، مع دعم من وزير العدل ومن الوزير المسؤول عن الشرطة: سيغادرون إلى كل الرياح.
إسرائيل لن تُدمَّر غدًا، نعم، إذ تشير «منشورات أجنبية» إلى أنها تمتلك سلاحًا نوويًا. لكنها ستنهار اقتصاديًا واجتماعيًا ودولتيًا أسرع مما نتصور. وهكذا قد يفعل ليفين ما لم ينجح أيّ من منتقدي الاحتلال في فعله يومًا: أن يأتي بنهايته.