المصدر: معاريف
الكاتب: متي توخفيلد
وقف بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع خلف قانون التجنيد، لكنه يدرك أن تمرير القانون يضرّه سياسيًا ويخدم حملة خصومه. لذلك يفضّل طيّ هذا الحدث بأسرع وقت ممكن. بعد نصف عام من إقرار القانون، سيخفت الحديث عنه. سيحاول رؤساء الأحزاب إحياء الموضوع خلال حملة الانتخابات، لكن ذلك سيكون جهدًا مصطنعًا وسياسيًا، وليس قضية حاضرة طبيعيًا على جدول الأعمال كما هي الآن.
لكن هذه ليست السبب الوحيد الذي يجعل نتنياهو، خلافًا للتفسيرات والتقديرات، يرغب في إجراء الانتخابات في موعدها الأصلي. فهو يريد أيضًا أن يرى لجنة التحقيق الوطنية تقف على قدميها بعد إقرار القانون المتعلق بها، وهو واثق من أنه بعد أن يرى الجمهور تركيبتها ويدرك أنها لجنة متوازنة فعلًا تضم ممثلين عن اليسار، ستزداد الثقة بها وستتلاشى الحملة المضادة. وبهذا يفكك رئيس الوزراء الرسالتين الأخطر ضده من جانب المعارضة: التجنيد ولجنة التحقيق.
قبل أن نواصل الحديث عن قانون التجنيد وتعقيداته، من المهم الإشارة إلى أن هناك خططًا أيضًا على الجانب الإيجابي والإنجازي. خلال العامين الأخيرين، ذكر نتنياهو في العديد من خطاباته أن أحد أهدافه هو «توسيع اتفاقيات أبراهام». حتى الآن كانت السعودية هي الهدف المركزي له ولدونالد ترامب. لكن الاتصالات معها خفّت، ويبدو أن الأمر سيستغرق وقتًا طويلًا قبل أن يمكن العودة إلى هذا المسار.
غير أن الخطاب تغيّر في الأيام الأخيرة. فمن محادثات مع جهات سياسية، ورغم حساسية الموضوع وكونه مطروحًا، على ما يبدو، في منتديات مغلقة ومحدودة، يتبين أن الهدف الجديد ليس سوى إيران. السلام مع السعودية خارج الحسابات، والسلام مع إيران مطروح.
هذا، بالطبع، يعتمد أولًا وقبل كل شيء على الشعب الإيراني ونجاح المتظاهرين في إسقاط النظام. ووفقًا لتلك الجهات، ورغم أن الأمور لم تُنقل إليهم رسميًا، إلا أنها قيلت بطريقة لا يمكن فهمها على نحو آخر: ليس فقط أن التقدير يتعزز بأن النظام لن يصمد هذه المرة وأن الاحتجاجات ستحسم الأمر، بل إن جهات مختلفة في المعارضة الإيرانية تعمل بالفعل اليوم كأطراف حوار لاتفاق سلام مستقبلي مع إسرائيل، إذا ما تحقق ذلك، إلى حد جعل الاتفاق هدفًا استراتيجيًا حتى قبل الانتخابات.
هذا الأسبوع جرت في إسرائيل مناقشات حول تداعيات الاحتجاجات في إيران. وفي سيناريو سقوط النظام، فإن تجديد السلام بين إيران وإسرائيل، كما كان قبل الثورة الإسلامية، يصبح ممكنًا.
عودة إلى قانون التجنيد. الجميع رأوا رئيس الوزراء يقف بشكل كامل، وربما مفاجئ، خلف القانون. قلة فقط يعرفون ما جرى خلف الكواليس وأدّى إلى ذلك. ليست هذه المرة الأولى التي يدعم فيها نتنياهو قانون التجنيد، لكنها المرة الأولى التي يكون فيها دعمه مطلقًا وشاملًا، بحيث لا يُعرض القانون كإكراه سياسي أو اجتماعي على الحريديم، بل كقانون كان موجّهًا إليهم منذ البداية.
نتنياهو، خلافًا للرياح السائدة في الإعلام، وبالتأكيد في المعارضة، وحتى داخل أجزاء من ائتلافه وحزبه، عرض القانون على أنه سيؤدي إلى تجنيد الحريديم بأعداد غير مسبوقة. دخل في التفاصيل والأهداف والعقوبات الصارمة التي لم تكن في أي قانون تجنيد سابق، ووضع نفسه في نقطة اللاعودة. بعد خطابه هذا الأسبوع، لن يستطيع نتنياهو بعد اليوم حلّ الكنيست والادعاء أنه فعل ذلك بسبب معارضته للقانون، كما قدّر كثيرون. من اليوم، قانون التجنيد ونتنياهو شيء واحد. ومع ذلك اختار رئيس الوزراء السير في هذا الطريق بكل قوته.
سبق ذلك نقل رسائل حاسمة بين محيطه وبين الأحزاب الحريدية الداعمة للقانون، أي «ديغل هتوراه» و«شاس». الخلاصة واحدة: الانتخابات ستجري في موعدها. لا قانون التجنيد ولا الميزانية سيكونان عقبة حقيقية للوصول إلى ذلك الموعد.
الحريديم، من جهتهم، فككوا بذلك السلاح الأهم الذي كان بحوزتهم لإبقاء الليكود تحت الضغط، كما هدّد متحدث باسم «شاس» علنًا هذا الأسبوع بأنه من دون قانون التجنيد لن تكون هناك ميزانية، أي الذهاب إلى الانتخابات. لكن فعليًا لا يوجد تهديد حقيقي. نتنياهو يستطيع الإبقاء على حكومته ما شاء، وستُمرَّر الميزانية أيضًا، وفقًا لتلك الرسائل. بالمناسبة، الموعد المتداول للانتخابات ليس نهاية أكتوبر بعد الأعياد، بل بداية سبتمبر قبلها.
في تلك المحادثات، لم يتردد الممثلون الحريديم في تشويه صورة رئيس التيار الحريدي الذي لا يسير معهم، زعيم «أغودات يسرائيل» الحسيدية يتسحاق غولدكنوبف، الذي يقولون إنه انضم إلى المتطرفين الذين يتظاهرون ضد التجنيد، ويجري باستمرار اتصالات مع ممثلي المعارضة لإقامة حكومة بديلة بعد الانتخابات. الرسالة التي نُقلت إلى نتنياهو كانت أنه حتى لو انضم غولدكنوبف إلى محاولات إسقاط الحكومة، وحتى لو وصلت الكنيست إلى 60 نائبًا، فسيكون بالإمكان الصمود حتى الانتخابات.
عمليًا، في كل ما يتعلق بتمرير قانون التجنيد، تعتمد الأحزاب الحريدية حاليًا فقط على وعد نتنياهو. لا توجد أداة ضغط ولا تهديد فعّال آخر. هذا وضع يدرك أرييه درعي وموشيه غفني أنه لا يوجد أسوأ منه. ومع ذلك، هذا هو الواقع. في هذه الأثناء، يبذل رئيس الوزراء أقصى جهوده للوفاء بوعده. خطابه في الكنيست كان أحد هذه الجهود، كجزء من الاصطفاف الكامل خلف القانون ونية صادقة لتمريره، كما لخّص مع رئيس لجنة الخارجية والأمن بوعز بيسموت فور الخطاب.
في مطلع الأسبوع، كان التقدير أن مجلس كبار الحاخامات في «أغودات يسرائيل» سيعلن رسميًا معارضته للقانون. هذا يخفض أربعة أعضاء من الائتلاف، وينضم إليهم أربعة آخرون أعلنوا معارضتهم: أوفير سوفر، شران هسكيل، يولي إدلشتاين، ودان إيلوز. بذلك تنخفض الأغلبية إلى 60.
هذا وضع يسقط فيه القانون، لكن يكفي أن يتحول نائب واحد من معارض إلى ممتنع أو غائب حتى تعود الأغلبية. في الائتلاف يقدّرون أن هذا بالضبط ما سيحدث. يكفي أن يكون نائب واحد من «أغودات يسرائيل» مريضًا في ذلك اليوم كي يمرّ القانون وتستمر الحكومة.
حدث بن غفير
على مدى ست صفحات، تعرض المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراف ميارا، موقفها من ضرورة إقالة الوزير إيتمار بن غفير من منصبه، بحجة أنه «يعمل بطريقة قد تؤثر على تحقيقات محددة، من خلال تناوله علنًا تحقيقات جنائية فُتحت ضد مواطنين بسبب حوادث إطلاق نار أو اعتداء، وتحقيقات ضد شرطيين وقادة من قبل وحدة التحقيق مع الشرطة». ووفقًا لادعائها، منذ اللحظة التي يدعم فيها الوزير المسؤول عن الشرطة أفراد الشرطة أو يهاجم تحقيقات وحدة التحقيق مع الشرطة، فليس ذلك فقط تصرفًا غير لائق وغير مقبول، بل سببًا للإقالة.
من بين أمور أخرى، تقتبس المستشارة من أقوال بن غفير في مركز القيادة في تل أبيب في 4 مارس 2023، حيث قال إن تحقيقات وحدة التحقيق مع الشرطة تهدف إلى ردع الشرطة وتخويفها ومنعها من أداء عملها، ولذلك هو يدعم الشرطة ويقف خلفها. واقتباس آخر من رسالتها يتضمن دعمه لضباط وشرطة تل أبيب في عملهم لمنع الإخلال المستمر بالنظام العام. وفي مارس 2024، وصل بن غفير إلى مكاتب وحدة التحقيق مع الشرطة في اليوم الذي بدأ فيه التحقيق مع مقاتل من حرس الحدود قتل في مخيم شعفاط للاجئين في القدس الشرقية فتى في الثانية عشرة من عمره كان يطلق ألعابًا نارية باتجاه القوات. قال الوزير حينها إنه لا يتدخل في التحقيق، لكنه اعتبر من المروع أن تجرؤ الوحدة على استدعاء المقاتل للتحقيق.
تسرد رسالة المستشارة أمثلة أخرى بروح مشابهة. والخلاصة، بحسبها، أن هذه التصريحات تستوجب إقالة بن غفير.
فحص سريع لتاريخ تصريحات وزراء الأمن الداخلي السابقين يكشف أنه لا يوجد أي شذوذ في تصريحات بن غفير. بعد استدعاء مقاتلي حرس الحدود للتحقيق إثر قتل منفذ عملية عند باب العامود في ديسمبر 2021، قال الوزير آنذاك إن هذا متوقع، وإن المقاتلين تصرفوا بسرعة وحزم. كما قال في قضية وفاة أحوبيا سندك في ديسمبر 2020 إن وفاته نجمت عن محاولته الهرب من الشرطة، وإن الشرطة أدت مهمتها ولا سبب لفتح تحقيق ضدها. وفي سبتمبر 2022، بعد تفريق حفلة طبيعية باستخدام إطلاق نار في الهواء، دعم الوزير الشرطة وقال إنهم تصرفوا كما يجب ولم يكن هناك مكان للتحقيق معهم.
حتى إذا عدنا أبعد من ذلك، نجد سلوكًا مشابهًا من وزراء آخرين. فوزير الأمن الداخلي الأسبق قال بعد كارثة حريق الكرمل، ورغم التحقيقات، إنه يمنح دعمًا كاملًا لكل من خاطر بحياته. وفي حادثة مقتل شاب عربي في كفر كنا عام 2014، قال إن الشرطة واجهت خطرًا واضطرت للرد بالنار الحية، ومنحها دعمًا كاملًا.
ليست تصريحات بن غفير هي ما يزعج المستشارة القضائية، بل بن غفير نفسه، ومثل هذه الحكومة كلها. قد يكون حدث بن غفير الأول الذي لا تطيع فيه الحكومة بشكل صريح قرار المحكمة العليا إذا قررت إقالته. ليس واضحًا قانونيًا وعمليًا كيف سيتطور الأمر إن حدث، لكن أمرًا واحدًا مؤكدًا: بن غفير لم يكن ليطلب حملة انتخابية أفضل من هذه.
المشتبهون الفوريون
اتهم يائير لبيد هذا الأسبوع، في مقابلة إذاعية، أحد أحزاب الحكومة السابقة بعدم الرغبة في تجنيد الحريديم، وبالتالي دفع قانون بلا عقوبات ومع إعفاء كامل من سن 21، ما أعاد إشعال المعارك الداخلية داخل معسكر اليسار. فموضوع التجنيد مركزي لدى لبيد وليبرمان وبينيت.
الاشتباه الأول توجّه إلى بيني غانتس، وزير الدفاع الذي قدّم القانون. في تلك الأيام كان الجيش متمسكًا بمفهوم «الجيش الصغير الذكي» ولم يكن راغبًا في تجنيد الحريديم. القانون عكس قدرة الجيش على التجنيد ودعمته المؤسسة العسكرية. غانتس أيضًا قال إن حكومة مع الحريديم أمر مرغوب إلى حد أنه مستعد لإعطائهم ورقة بيضاء ليكتبوا عليها ما يشاؤون.
لكن بعض أنصار بينيت كانوا مقتنعين أن الاتهام موجّه إليه. فهو أيضًا لم يكن يريد تجنيد الحريديم، ليس بسبب احتياجات الجيش بل لأسباب سياسية. الحكومة كانت قائمة على 61 نائبًا وتعتمد على حزب عربي، وكل ما يتعلق بالتجنيد لم يكن مدعومًا. بينيت أراد الحريديم، وأدار مفاوضات معهم، وأحد الإيماءات كان قانونًا ضعيفًا لتجنيد الحريديم مرّ في قراءة أولى، لكن المفاوضات فشلت وبقي الحريديم مع نتنياهو في المعارضة.
الوحيد الذي كان يمكنه ممارسة ضغط حقيقي لإقرار قانون يُجنّد الحريديم هو أفيغدور ليبرمان. لكنه تبيّن أن هدفه لم يكن التجنيد بقدر ما كان إسقاط الحكومة. ما بدأ بثلاث جولات انتخابية متتالية بسبب الإصرار على التجنيد، انتهى بقانون إعفاء كامل بدعمه فور قيام حكومة أخرى.