يجب إغلاق القناة 14.. ليس بسبب الآراء بل بسبب الأكاذيب

صحيفة هآرتس

نِفو شبيغل

ترجمة حضارات

مرّ أكثر من عقد على ظهور القناة 14 في حياتنا، واليوم يمكن القول بحزن إن التساهل معها في بداياتها كان خطأً، فهي تمنح جمهورها كل مساء حقنة مركّزة من الكراهية والعنصرية والجهل، المشاهد المداوم على القناة، الذي لا يحصل على معلومات من مصادر أخرى، قد يعيش وهو يشعر بأنه محاصر من قبل ائتلاف مخيف من يساريين ومسلمين ومتحولين جنسيًا.

ردًا على ذلك، ترتفع الدعوات إلى إغلاق القناة 14، ما يوقع الجمهور الليبرالي في حرج: فحرية التعبير والصحافة سمة أساسية من سمات الليبرالية، وهناك نفور عام من منح الحكومة سلطة تقرير أي الآراء يجوز سماعها، لكن هذا الحرج في غير مكانه: فالقناة 14 ليست وسيلة إعلام، بل أداة لنشر الدعاية والأكاذيب، وبذلك تقوّض القدرة على إقامة ديمقراطية ليبرالية، المجتمع الليبرالي يحتاج إلى الحقيقة، وبدونها لن يصمد.

في العالم الحديث، وسائل الإعلام هي الوسيط الضروري بيننا وبين الوقائع، ذلك “الحس السليم للشعب” الذي يحب القادة الشعبويون الحديث باسمه لا يكون ذا صلة حين تكون الأحداث معقدة وبعيدة عن المواطن العادي، هذه الحقيقة دفعت المفكر الأميركي والتر ليبمان إلى تشخيص قوة وسائل الإعلام في مجتمع الجماهير على التلاعب بعملية إنتاج “الرأي العام” قبل نحو مئة عام، ومن هنا تنبع خلاصة مهمة: في المجتمع الحر، وسائل الإعلام الموثوقة ليست مجرد مشاريع تجارية، بل خدمة حيوية لتحقيق المشاركة السياسية الديمقراطية.

أنصار حرية التعبير المطلقة، الذين يرون أن كل قول مباح وكل قيد إشكالي، يعتقدون أن ذلك وحده كفيل بخلق “سوق أفكار” تتغلب في نهايته الأفضل على غيره، لكن هذه رؤية ساذجة. أولًا، لأن الناس ليسوا مستهلكين للحقيقة. فهم لا يختارون وسائل الإعلام وفقًا لدرجة موثوقيتها، بل وفقًا لما يحبون سماعه، وفي كثير من الأحيان لا يريد الناس سماع الحقيقة أصلًا، ولا يملكون الوقت أو القدرة على التمييز بين من يقول الحقيقة ومن لا يقولها.

وثانيًا، أنصار حرية التعبير المطلقة يغفلون تمييزًا جوهريًا بين الرأي والتقرير، المشكلة في القناة 14 ليست (فقط) الآراء البغيضة التي تُطرح فيها، بل انعدام الالتزام المنهجي بنقل الوقائع نقلًا موثوقًا، فالقناة لا تستفيد فقط من تجاهل الجهة المنظمة لانتهاكات منهجية لشروط رخصتها، بل تحظى أيضًا بتمويل سخي عبر الإعلانات الحكومية، القناة 14 لا تسعى أصلًا للالتزام بالمعايير الأخلاقية الأساسية، هذا ليس خللًا عرضيًا، بل جزء من أجندتها.

لا توجد أي حقوق دستورية مطلقة. فباسم حرية العمل مثلًا، لا يحق لي أن أسمّي نفسي “طبيب قلب” إن لم أحصل على شهادة دكتوراه ولم أتخصص في طب القلب، الإعلام أيضًا يحتاج إلى قواعد تحدد ما هو مسموح وما هو ممنوع، وكما تقول الدكتورة أييلا فنبيفسكي في كتابها الجديد “الرقابة الجديدة”، للجمهور مصلحة حادة في بيئة معلومات موثوقة، حرية التعبير هي وسيلة لتعزيز البحث عن الحقيقة، ولكن تحديدًا لهذا السبب لا ينبغي أن تُطبَّق على الأكاذيب المتعمدة، القاضي الأميركي أوليفر وندل هولمز قرر أنه لا يمكن الدفاع باسم حرية التعبير عن شخص يصرخ “حريق” في مسرح مكتظ لإثارة الذعر، لكن القناة 14 والحكومة في إسرائيل معنيتان بالذعر، ما يزعجهما هو بالضبط نقل الوقائع. يريدون إغلاق إذاعة الجيش لا بسبب الآراء التي تُسمع فيها وهي ليست آراء يسارية، بل بسبب الاستعداد للاستمرار في نقل الحقائق حتى حين لا تكون مريحة للسلطة.

القوى السلطوية تقف دائمًا على ركائز من الأكاذيب، لأن للحقيقة قدرة على تقويض السلطة، كان ذلك صحيحًا عندما أحرجت بدايات الثورة العلمية اللاهوت الكاثوليكي، وكان صحيحًا عندما اكتشف مواطنو الاتحاد السوفييتي، أن الحياة في دولة شيوعية هي في الواقع نموذج للفقر والبؤس مقارنة بالبدائل في الغرب الرأسمالي، الأنظمة السلطوية الجديدة، تحديدًا لأنها ليست شمولية، شديدة الحساسية لذلك، فهي تروّج لديمقراطيات جوفاء، تستمر فيها عمليات انتخابية شبه حرة، يملك الجمهور في إطارها قدرة محدودة على اختيار بدائل تتباهى بإرادة الشعب، لكنها في الواقع مذعورة منه، لذلك فهي لا تحتاج فقط إلى تدفق متواصل من الأكاذيب الصغيرة والمتوسطة، بل يجب عليها أيضًا إحباط عمل كل المؤسسات، والمعايير التي تمكّن الجمهور من التمييز بين الحقيقة والكذب.

لتشويه الحقيقة عواقب، فكما كتبت عنات جورجي مؤخرًا، رغم الإخفاق الهائل للحكومة والدمار الذي لحق بمدينة سديروت في 7 أكتوبر وما تلاه، لا يزال سكان المدينة يدعمون نتنياهو والليكود بحماسة، هذا لا يتأتى إلا بفضل القناة 14 وأمثالها، التي شنّت هجومًا حادًا على الوقائع فور وقوع المجزرة، نزع الشرعية المتواصل عن كل مؤسسة قد تحدد وقائع تزعزع السردية التي تبنيها الحكومة يتطلب بيئة الكذب التي توفرها القناة 14، التلاعب مطلوب كي لا ينهار بيت الورق، ثقافة الكذب في القناة 14 ليست ملحقًا لخطاب الكراهية، بل شرطًا مسبقًا له.

في مواجهة أزمة الليبرالية، لا يجوز أن نطمح للعودة إلى عالم الأمس، لأنه لن يعود. علينا إعادة التفكير في أسس الديمقراطية الليبرالية في العقود الأخيرة، القيود على حرية التعبير وحرية الصحافة هي بالتأكيد جزء من ذلك، لقد كشفت الأزمة هشاشة شروط الخلفية اللازمة للسياسة الليبرالية، ولذلك علينا تعزيزها.

على وسائل الإعلام الكبرى مسؤولية عامة في صيانة بيئة معرفية سليمة، تتيح للجمهور الوصول إلى الوقائع وتكوين آراء، ينبغي أن تكون رخصة البث مشروطة بالالتزام بمعايير لائقة، وإذا كانت القناة 14 لا تلتزم بها فيجب سحب رخصتها.

التغيرات في أنماط استهلاك المعلومات تفرض تفكيرًا شاملًا جديدًا، التقسيمات الواضحة بين دور المراسلين والمفسرين لم تعد مطلقة. يعقوب بردوغو، مثلًا، يشدد على أنه “ليس صحافيًا”، لكنه مع ذلك يدّعي “تمثيل الحقيقة” و“كشف سبق صحافي”، تعريف وسيلة الإعلام نفسه تغيّر، وعدد متابعي قناة تلغرام مثل “أبو علي إكسبرس” يفوق عدد قراء صحيفة هآرتس، تحديدًا في ظل هذا التعدد في الأصوات، يجب النظر إلى التضليل بوصفه تلوثًا بيئيًا، ويتعين علينا توسيع أدوات مثل الدعاوى الجماعية والتنظيم لإعادة ترميم الحقيقة.

لكن الأهم من ذلك، علينا التخلي عن تصورات ساذجة لليبرالية، لا يجوز أن نتجنب اتخاذ موقف لأنفسنا في الجدل، وبالتأكيد فيما يتعلق بحرية التعبير. وكما أشار الفيلسوف برنارد ويليامز بصورة تصويرية إلى غرابة الفكرة الأميركية عن حرية التعبير المطلقة: ينبغي أن تكون حرية التعبير واسعة بما يكفي للسماح لمناهضي الليبرالية بأن يشنقوا أنفسهم، لكن ليست واسعة إلى الحد الذي يشنقوننا فيه.

نِفو شبيغل هو طالب دكتوراه في الفلسفة في جامعة تل أبيب وزميل في معهد مولاد.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025