صحيفة هآرتس
يوئيل غوزنسكي
ترجمة حضارات
تُعرض السعودية والإمارات أحيانًا كحليفتين، وركيزتين لما يُسمى “المعسكر البراغماتي” في الشرق الأوسط، لكن الواقع هو مزيج من تعاون مفروض وتنافس على الزعامة والنفوذ الإقليمي، بعد “الربيع العربي” عملت الدولتان بتنسيق، في محاولة لصياغة الفضاء العربي بما يخدم مصالحهما، إلا أن التنافس بينهما اشتدّ وانعكس أيضًا على إسرائيل، ففي السودان تدعم الدولتان أطرافًا متنازعة في الحرب الأهلية، ما يعمّق عدم الاستقرار ويُفشل التوصل إلى تسوية سياسية، ويؤخر بصورة غير مباشرة تحقيق التطبيع بين السودان وإسرائيل.
في بداية الحملة ضد الحوثيين في اليمن عام 2015 عملت الدولتان بتنسيق، لكن الخلافات بينهما تكاثرت لاحقًا وأثّرت أيضًا في قدرتهما على العمل بفعالية ضد العدو المشترك، الحوثيين.
في الأسابيع الأخيرة سيطر انفصاليو جنوب اليمن، المدعومون من الإمارات، على محافظات في شرق البلاد، وطردوا الحكومة الموالية للسعودية من عدن، بهدف إعادة إقامة دولة جنوب اليمن. السعودية، التي ترى في استقلال الجنوب تهديدًا لأمنها، حشدت قوات على حدودها مع اليمن، وهددت الإمارات، وبدأت بقصف شحنات أسلحة إماراتية كانت موجهة للانفصاليين، الإمارات لم تعترف بالفشل، لكنها أعلنت إنهاء نشاطها العسكري في اليمن.
كما أن اعتراف إسرائيل بسوماليلاند يرتبط هو الآخر بالتنافس بين السعودية والإمارات في القرن الأفريقي، فالإمارات تربطها علاقات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة بسوماليلاند، وقد أثار الاعتراف ردود فعل غاضبة تجاه إسرائيل في الرياض.
من الواضح أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي لم تعد شراكة محكمة، بل أصبحت تنافسًا استراتيجيًا مكشوفًا. كما أن السعودية تعمّق علاقاتها مع قطر، وهو ما يثير استياء الإمارات، نحن أمام رؤيتين مختلفتين للنظام الإقليمي. ويشتد التنافس بين الدولتين خصوصًا في المجال الاقتصادي، بما في ذلك نشاط الشركات الدولية، وجذب السياحة، والطيران، والتنمية الاقتصادية. الإمارات تسبق السعودية في مجالات عديدة، وبنت لنفسها سمعة في الابتكار، والفضاء، وحتى تطوير الطاقة النووية المدنية، في حين تتحرك السعودية ببطء وتسعى لاستعادة مكانتها كقوة رائدة في العالمين العربي والإسلامي.
كما أن العلاقات بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد بردت، كلما سعى ابن سلمان إلى ترسيخ نفسه زعيمًا عربيًا عامًا، وتعود جذور الخلافات بين الدولتين، من بين أمور أخرى، إلى نزاعات إقليمية وقبلية قديمة، في الماضي كان التنافس بينهما محصورًا في شبه الجزيرة العربية، أما اليوم، في ظل قوتهما الاقتصادية والسياسية، فله تداعيات إقليمية بل وعالمية.
تقف إسرائيل في الوسط، وهي تعمل بتنسيق وثيق مع أبوظبي في ساحات مثل القرن الأفريقي وسوماليلاند، وفي الرياض يُنظر إلى ذلك كجزء من اصطفاف أوسع إلى جانب الإمارات. تعمّق الشرخ بين السعودية والإمارات ليس مسألة نظرية بالنسبة لإسرائيل؛ فهو يضعها أمام معضلة استراتيجية، وحتى الامتناع عن الحسم فيها قد يُفسَّر على أنه اختيار.
السعودية حساسة لمحاولات حقيقية أو متخيَّلة لإقصائها عن مركز التأثير، وقد اشتكى مسؤولون إماراتيون كبار أكثر من مرة من أن إسرائيل منحت، بحسب زعمهم، أولوية لمسار التطبيع مع السعودية على حساب تعميق العلاقات معهم، واليوم يشكو السعوديون من أن إسرائيل ربطت مصيرها أكثر مما ينبغي بالإمارات.
تعميق العلاقات مع الإمارات أمر حيوي، لكن يجب ألا يُفهم على أنه تبنٍّ للرؤية الإماراتية، وعلى إسرائيل أن تتجنب خطوات قد تُصوَّر على أنها إضعاف للمصالح السعودية، لا تستطيع إسرائيل اختيار طرف؛ فهي بحاجة إلى الطرفين، ولذلك يجب ألا تُنظر إليها كذراع لإحداهما، في شرق أوسط مليء بالصراعات، المرونة الدبلوماسية ليست ترفًا، بل شرطًا للبقاء السياسي.