تفسير: السلام الداخلي بين إسرائيل وسوريا بعيد والجبهة الكردية تنضم إلى المواجهة

صحيفة هآرتس

تسفي برئيل

ترجمة حضارات

في اللقاءات التي جرت هذا الأسبوع في باريس بين سوريا وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، تم التوصل إلى تفاهمات، لكنها لا تزال بعيدة عن ضمان “سلام داخلي” أو تطبيع بين الجارتين، والاختبار العملي لهذه التفاهمات سيأتي قريبًا: إذا تبيّن أن إسرائيل ستوقف بالفعل نشاطها الجوي والبري في سوريا، وعندما يُقام “غرفة العمليات” أو “الآلية” المشتركة في الأردن، وعندما تنتقل معلومات استخبارية من إسرائيل إلى سوريا، وتوافق سوريا على العمل بموجبها، وعندما تظهر النتائج على الأرض.

وقال مصدر دبلوماسي غربي هذا الأسبوع لصحيفة هآرتس: إن “هناك نية طيبة بين الطرفين، لكن الألغام، كالمعتاد، كامنة في التفاصيل. من سيقرر ما هو التهديد؟ ومن وكيف سيعمل ضده؟ هل ستُطلب موافقة الولايات المتحدة على كل عملية؟ وماذا لو لم يعمل الجيش السوري بالوتيرة وبالحجم اللذين تطلبهما إسرائيل؟.

لدينا تجربة سابقة مع اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، الذي لم يعمل منذ يومه الأول”.

ووفقًا للدبلوماسي، الذي يمثل دولة مشاركة في المحادثات مع سوريا (لكن ليس في الاتفاق)، يجب أخذ الدور التركي في سوريا بالحسبان أيضًا، فتركيا ليست شريكًا مباشرًا في المحادثات، لكنه أوضح أن لها تأثيرًا، وسيكون لها تأثير، على قرارات الرئيس السوري أحمد الشرع.

وعلى الجوانب الأكثر تعقيدًا، بحسب المعروف حتى الآن، لا يوجد اتفاق بعد، من بينها انسحاب إسرائيل إلى خطوط اتفاق فصل القوات لعام 1974، كما تطالب سوريا، وقبل ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي سيطرت عليها في هضبة الجولان فور سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، أما القضايا المدنية التي وردت في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مثل التعاون الاقتصادي وإقامة مناطق تجارة مشتركة، فما زال من المبكر الحديث عنها، لأنها “ملوّثة” بالخوف من تطبيع سياسي ابتعد عنه الشرع حتى الآن.

وعلى الرغم من أن البيان المشترك الذي نُشر في ختام المحادثات لا يدخل في تفاصيل التفاهمات، من المهم الانتباه إلى إحدى جمله المفتاحية: “تركزت المحادثات على احترام سيادة سوريا واستقرارها، وعلى أمن إسرائيل، وعلى ازدهار البلدين”.

التشديد على “سيادة سوريا” يحمل شحنة سياسية متفجرة؛ إذ بحسب شكوك دمشق وأنقرة، وكما عبّر عنها أيضًا المبعوث الأميركي الخاص توم باراك، تسعى إسرائيل إلى تقسيم سوريا إلى كانتونات، وإقامة مواضع نفوذ وأمن لها بين الأقليات الدرزية والكردية، وبذلك إفشال طموح الشرع لإقامة دولة موحدة، ذات سيادة، تحتكر السلاح.

في جنوب سوريا، وخصوصًا في محافظة السويداء، وعلى الرغم من اتفاقات وقف إطلاق النار التي أُبرمت بين القيادة الدرزية والنظام، لا يلوح حل في الأفق بعد. فقد أقام الزعيم الروحي للطائفة في السويداء، حكمت الهجري، قوة مسلحة كبيرة تُدعى “الحرس الوطني”، ونجح في فرض موقفه على الزعيمين الروحيين الآخرين، يوسف جربوع وحمود الحناوي، لكنه لا يزال لا يتعاون مع النظام. مطلبه هو إقامة حكم ذاتي درزي في محافظة السويداء، بل وحتى دولة درزية مستقلة، والهجري، الذي تقول مصادر درزية إن قواته تحظى بتعاون عسكري إسرائيلي، يسعى أيضًا إلى تنظيم “ممر المساعدات الإنسانية” المباشر بين إسرائيل ومحافظته. وهو مطلب يعارضه النظام بشدة ويراه تهديدًا لسيادة الدولة، لأنه سيُنشئ، برأيه، حاجزًا جغرافيًا بين المحافظة والدولة، ويُرسخ فعليًا استقلالها.

غير أن المطالب الانفصالية للأقلية الدرزية ليست سوى عبء واحد يثقل تنفيذ طموح الشرع، الذي تشاركه فيه تركيا والولايات المتحدة، لتوحيد سوريا. يوم الثلاثاء اندلع اشتباك عنيف بين الميليشيا الكردية “قوات سوريا الديمقراطية” وقوات النظام في حيين بمدينة حلب، وبحسب رواية النظام، هاجمت قوات كردية مواقع للجيش السوري وأطلقت قذائف على أحياء ذات غالبية كردية كانت خاضعة للحصار منذ نحو نصف عام، أما الأكراد فيقولون إن جيش النظام، الذي تصفه وسائل إعلامهم بـ”جيش المرتزقة”، هو من فتح النار واستهدف أهدافًا مدنية، والنتيجة حتى الآن هي مقتل ما لا يقل عن عشرة أشخاص في تبادل إطلاق النار، وإصابة العشرات، ونزوح عشرات الآلاف من منازلهم وفرارهم من الأحياء المستهدفة التي أعلنها النظام مناطق عسكرية مغلقة.

“العقدة الكردية”، التي تشارك فيها الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، أكثر تعقيدًا بكثير من الدرزية.

فالأمر لا يتعلق فقط باشتباك محلي في مدينة حلب، بل بصراع على السيطرة والسيادة والاستقلال يجري مع الأكراد منذ أن تولى الشرع الحكم، ويبلغ عدد الأكراد في سوريا بين 1.5 و2.5 مليون نسمة، مقابل أقل من مليون درزي؛ ويتمركز معظمهم في عدة محافظات شمال البلاد، حيث أقاموا لأنفسهم خلال سنوات الحرب الأهلية حكمًا ذاتيًا تشرف عليه “إدارة ذاتية”. وهم يسيطرون على معظم حقول النفط في سوريا، وعلى أراضٍ تضم “سلة الحبوب” للبلاد.

في شهر مارس الماضي، وفي إطار الجهد الرامي إلى توحيد القوى المسلحة في سوريا تحت سيطرة النظام، وُقّع اتفاق مبادئ بين قائد القوات الكردية، مظلوم عبدي، وبين الشرع، وينص الاتفاق على أنه حتى نهاية العام كان من المفترض أن تنضم القوات الكردية وتندمج في الجيش، وأن تُضمن حقوقها الثقافية، بل وتحدث عن نوع من الإدارة المحلية.

إلا أنه رغم الجهود لدفع الاتفاق إلى حيز التنفيذ، تعثرت المفاوضات. ويشترط الأكراد اندماج قواتهم في الجيش بالحفاظ على إطار عضوي قومي، أي ضم قوة كردية موحدة يكون نشاطها الأساسي حماية المحافظات الكردية، في مواجهة الخشية من هجوم تركي.

الزاوية التركية

هنا تدخل تركيا على الخط، إذ تصنف القوات الكردية “تنظيمًا إرهابيًا” مرتبطًا بحزب العمال الكردستاني، الذي تخوض ضده حربًا دامية منذ ثمانينيات القرن الماضي، إضافة إلى ذلك، ومنذ أن احتلت قبل نحو عقد أجزاءً من المحافظات الكردية في سوريا، تسعى تركيا إلى إبعاد القوات الكردية عن حدودها بعمق يقارب 20 كيلومترًا، والسيطرة على “حزام أمني” في شمال سوريا، لكنها اصطدمت حتى الآن بموقف أميركي حازم، يستند إلى تعاون طويل الأمد بين الولايات المتحدة والقوات الكردية، التي كانت رأس الحربة البرية في الحرب ضد تنظيم داعش في سوريا، ولا تزال القوات الكردية تتلقى تمويلًا أميركيًا وتتمتع بدعم سياسي، لكن في الوقت نفسه تمارس الإدارة الأميركية ضغطًا شديدًا عليها للاندماج في الجيش السوري، والسماح بانتشار قوات النظام في محافظاتها، وإدارة المعركة ضد داعش بشكل مشترك، وإذا ثبتت فاعلية هذه الخطوة، ستتمكن الولايات المتحدة من سحب بقية قواتها من سوريا، التي يبلغ عددها نحو ألف جندي.

وقد تصاعد الضغط الأميركي على الأكراد في الآونة الأخيرة، بعدما انضمت سوريا في نوفمبر، عقب اللقاء بين الشرع وترامب، إلى التحالف الدولي الذي يعمل على القضاء على داعش، وأظهرت قدرات عسكرية معينة على خوض معارك محلية ضد التنظيم.

واعتبرت تركيا، التي بدأت منذ أشهر تدريب وتجهيز الجيش السوري، أن انضمام سوريا إلى التحالف يمثل منحًا لشرعية أميركية لاستمرار تورطها في بناء القوة السورية، الذي تشارك فيه، على الأقل من الناحية المالية، قطر والسعودية أيضًا.

من وجهة نظر الأكراد تُعد هذه “التحالف الثلاثي السوري–التركي–الأميركي” تهديدًا لطموحاتهم في الحكم الذاتي، بل ولوجودهم العسكري وقدرتهم على الدفاع عن أنفسهم في مواجهة ما يصفونه بحرب إبادة تشنها تركيا ضدهم.

أحداث هذا الأسبوع في حلب عمّقت مخاوف الأكراد، فالرد الفاتر لوزارة الخارجية الأميركية، الذي جاء فيه أن “الولايات المتحدة تتابع التطورات عن كثب وتدعو إلى ضبط النفس”، يوضح لهم ضعف مكانتهم في مواجهة ما يسمونه “تحالفًا تركيًا–سوريًا–أميركيًا” ضدهم، وعلى هذه الخلفية، لا يزال مصير المفاوضات بين النظام والأكراد غير واضح، بعد أن انتهى اللقاء الأخير بين عبدي والشرع من دون نتائج.

يوم الخميس، انضمت إسرائيل أيضًا إلى الساحة السورية، بعد أن كانت حتى الآن تتجنب الوقوف علنًا إلى جانب الأكراد، فقد كتب وزير الخارجية جدعون ساعر في بيان نشره: “هجمات قوات النظام السوري على الأقلية الكردية في مدينة حلب خطيرة وخطيرة جدًا.

على المجتمع الدولي عمومًا وعلى الغرب خصوصًا دين شرف تجاه الأكراد الذين قاتلوا بشجاعة ونجاح ضد داعش، القمع المنهجي والدموي للأقليات المختلفة في سوريا يتناقض مع الوعود بـ‘سوريا جديدة’، صمت المجتمع الدولي سيؤدي إلى تصعيد العنف من جانب النظام السوري”.

وعلى عكس موقف إسرائيل من الدروز، فإنها لا تصف الأكراد بأنهم “إخوة في الدم”، وحتى في بيان ساعر يتحدث عن “واجب المجتمع الدولي” تجاههم، لا عن التزام إسرائيلي مباشر، ومع ذلك، فإن تصريحات وزير الخارجية لا تعبر عن اندفاع مفاجئ للتعاطف مع الأكراد، بل تطلق سهامًا حادة نحو هدفين، أحدهما تركيا، التي أعلنت يوم الخميس أنها ستساعد قوات النظام السوري ضد الأكراد “إذا طُلب منها ذلك”.

وجاء في بيان وزارة الدفاع التركية أن “أمن سوريا هو أمن تركيا… بلادنا تدعم نضال سوريا ضد الجماعات الإرهابية وفق مبدأ ‘دولة واحدة، جيش واحد’ من أجل وحدة سوريا الإقليمية”، وتوسع صياغة البيان إلى حد كبير طبيعة العلاقة بين الدولتين، بحيث لا تقتصر على رعاية ودعم اقتصادي وعسكري من جانب تركيا، بل على تحالف يستند إلى تصور أمني استراتيجي.

وفي مواجهة هذه الجبهة، تُوجَّه تصريحات ساعر أيضًا لتضع سياسة الولايات المتحدة في سوريا موضع تساؤل، فعندما يوضح ساعر أن “القمع الدموي للأقليات يتناقض مع الوعود بسوريا جديدة”، فإنه يقرر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقد صفقة خاطئة أو خُدع عندما احتضن الشرع، ورفع العقوبات عن سوريا، واقتنع بسهولة بوعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس تركيا “صديقه القريب” رجب طيب أردوغان، كل ذلك في وقت وقّعت فيه إسرائيل قبل أيام قليلة اتفاقًا مع هذه “سوريا الجديدة” لإقامة آلية لإدارة الأزمات ومنع الاحتكاكات.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025