الدكتور رز تسيمت
مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد أبحاث الأمن القومي، وخبير في الشأن الإيراني في جامعة تل أبيب.
تُعلّمنا التجربة التاريخية أن الأنظمة تسقط عندما يفقد أنصارها ومؤيدوها العزم على الدفاع عنها في لحظة الاختبار الحاسمة. والتطورات الدراماتيكية التي شهدتها إيران في الأيام الأخيرة قد تتحول فعلًا إلى نقطة تحوّل في ميزان القوى بين من يسعون إلى تغيير جذري في الوضع السياسي القائم، وبين من يصرّون على الحفاظ عليه بأي ثمن.
يعود الفضل الأكبر في شهرة السياسي الألماني الشرقي غونتر شابوفسكي إلى مؤتمر صحفي عقده في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989، والذي أعقبه فتح الحدود بين ألمانيا الشرقية والغربية وسقوط جدار برلين. ففي ختام المؤتمر، الذي تناول فيه تعليمات جديدة تهدف إلى السماح لمواطني ألمانيا الشرقية بعبور الحدود، سُئل شابوفسكي عن موعد دخول هذه التعليمات حيّز التنفيذ. وعلى الرغم من أنه لم يكن على الأرجح يعرف الجواب، أجاب بأنها تدخل حيّز التنفيذ فورًا. هذا التصريح أدى إلى تدفّق المواطنين نحو جدار برلين وتدميره.
لم يُطلق الجنود على الحدود بين شطري ألمانيا النار في تلك الليلة على المواطنين، رغم أن الأوامر لم تكن قد تغيّرت، لأنهم أدركوا أن ثمن تنفيذ الأوامر قد يكون أفدح من ثمن عصيانها. وقد علّق المؤرخ أوريه شفيت على ذلك بقوله إن الأنظمة تسقط عندما يصل أنصارها وحماتها إلى قناعة بأنهم فقدوا الإرادة للدفاع عنها في لحظة الاختبار الحاسمة.
يمكن الاستناد إلى هذه المقولة لتفسير القلق الواضح داخل الجمهورية الإسلامية، بما في ذلك في المعسكر المحافظ، إزاء التحفظات والشكوك والانتقادات التي طُرحت خلال العام الأخير من قبل أوساط راديكالية في إيران، على خلفية ما اعتبرته هذه الأوساط مظهرًا من مظاهر الضعف لدى مؤسسات الدولة في إدارة السياسات الداخلية والخارجية.
فمنذ أواخر عام 2024، تصاعدت داخل هذه الدوائر انتقادات للموقف التصالحي الذي انتهجته السلطات فيما يتعلق بتطبيق قانون اللباس الإسلامي، وبالإخفاقات الإيرانية في سوريا في أعقاب انهيار نظام الأسد، وبامتناع إيران عن الرد على الهجوم الإسرائيلي في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2024.
على سبيل المثال، عقب قرار المجلس الأعلى للأمن القومي في طهران في كانون الأول/ديسمبر 2024 تجميد تطبيق قانون الحجاب، الذي كان يفرض عقوبات صارمة على النساء غير الملتزمات بارتداء الحجاب، حذّر المعلّق السياسي المحافظ فؤاد إيزدي من أن الجمهورية الإسلامية قد تفقد ولاء الشباب المتدينين وأنصار النظام إذا لم تنجح في الحفاظ على هويتها الإسلامية. وأشار إلى أن استعداد الشباب للقتال من أجل الدولة مرتبط باستمرار شعورهم بالانتماء إليها: فإذا شعروا بأنها لم تعد دولة إسلامية، فسيفقدون الدافع للقتال، وقد تتحول إيران إلى سوريا، حيث كفّ الجيش عن القتال دفاعًا عن النظام.
ورغم أن هذه الشكوك لم تُشكّل تهديدًا مباشرًا لبقاء النظام في أوقات الاستقرار، فإنها قد تعيق قدرته على الصمود عندما يواجه تهديدًا أخطر لاستقراره. فقد قدّر المعلّق والناقد للنظام الإيراني شاهين طهماسبـي، بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، أن الشكوك تجاه المرشد الأعلى علي خامنئي وحرس الثورة قد تتزايد، حتى في أوساط أنصار النظام، وأن صدمة إضافية واحدة فقط — مثل فشل هجوم إيراني ثالث على إسرائيل أو تنفيذ هجوم إسرائيلي داخل إيران — قد تكون كافية لتحطيم صورة المرشد نهائيًا، وتقويض وهم قوة حرس الثورة.
موجة الاحتجاجات التي تشهدها إيران خلال الأسبوعين الأخيرين أعادت تسليط الضوء على ميزان القوى بين النظام الإيراني ومعارضيه، وعلى الشروط اللازمة لإحداث تغيير سياسي في الجمهورية الإسلامية. فعمليات التحول الاجتماعي العميقة، والضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة، وموجات الاحتجاج المتكررة منذ أواخر عام 2017، وضعت النظام أمام تحدٍّ بالغ الخطورة. ومع ذلك، نجح النظام على مرّ السنين في الحفاظ على عدد من مصادر القوة التي مكّنته حتى الآن من تجاوز هذه التحديات.
أولًا، يمتلك النظام أدوات قمع عنيفة وفعّالة وواسعة النطاق. ثانيًا، لا يزال يتمتع بدعم كبير داخل أجهزة الأمن وإنفاذ القانون، وعلى رأسها حرس الثورة الإسلامية، الموالون له والمعتمدون عليه. إضافة إلى ذلك، نجحت النخبة السياسية الحاكمة في الحفاظ على قدر من التماسك الداخلي رغم الخلافات السياسية القائمة.
التطورات الدراماتيكية الأخيرة في إيران قد تشكّل نقطة تحوّل في ميزان القوى بين الساعين إلى تغيير ثوري للوضع السياسي القائم وبين المتمسكين بالحفاظ عليه بأي ثمن. فالتغيير السياسي في إيران لا يعتمد فقط على عدد المتظاهرين وشجاعتهم وحجم الاحتجاجات، بل أيضًا على مدى تصميم النظام الإيراني واستعداده لاستخدام أدوات القمع المتاحة لديه لضمان بقائه.
تواجه القيادة الإيرانية اليوم معضلة شديدة التعقيد. فمن جهة، قد تحاول تهدئة الشارع عبر تقديم مزيد من الامتيازات الاقتصادية، إلى جانب تبنّي سياسة أكثر تصالحية ومرونة، قد تفتح نافذة أمل لرفع العقوبات وتحسين الوضع الاقتصادي. غير أنه في هذه المرحلة لا يبدو أن المرشد الإيراني المسنّ مستعد لتقديم أي تنازلات. فضلًا عن ذلك، فإن قدرة النظام على توفير امتيازات اقتصادية واسعة النطاق محدودة بسبب العجز الحاد في الميزانية، ومن المشكوك فيه أصلًا أن أي تحوّل سياسي كبير يمكنه، في الظروف الراهنة، تلبية مطالب الجمهور، سواء على الصعيد الاقتصادي أو في ما يتعلق بالحريات المدنية والسياسية.
ومن الجهة الأخرى، قد تلجأ القيادة إلى إعادة تفعيل كامل أدوات القمع المتاحة لديها لقمع الاحتجاجات بقبضة حديدية، حتى ولو كان ذلك بثمن عدد كبير من القتلى. غير أن هذا الخيار لا يزيد فقط من خطر تفاقم الأزمة الداخلية، بل يرفع أيضًا من احتمالات تنفيذ الرئيس ترامب لتهديده بالتدخل العسكري لمنع استمرار إراقة الدماء في إيران.
في هذا الواقع، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستتسع الشقوق التي ظهرت خلال العام الأخير في تماسك النواة الصلبة لأنصار النظام، إلى حدّ تآكل إرادة واستعداد بعض عناصر قوات الأمن للمشاركة في أعمال القمع؟ وهل ستسمح الشكوك المتزايدة بشأن “عدالة الطريق”، حتى داخل المؤسسة المحافظة نفسها، ولا سيما في ظل التقدّم الكبير في سنّ المرشد الإيراني وضعف حالته، بإحداث تغيير لأول مرة في ميزان القوى لصالح حركة الاحتجاج، أو على الأقل بتمهيد الطريق أمام تحوّل سياسي كبير في إيران، لا تزال ملامحه وتداعياته عصيّة على التقدير؟