عاموس هريئيل
هآرتس
ترجمة حضارات
من الصعب، بل يكاد يكون مستحيلاً، التنبؤ سلفاً بمدى نجاح أي احتجاج شعبي، فلا جهاز استخباراتي، ولا خوارزمية، قادرة على توقّع كيف سيتصرف جمهور مدني واسع عندما يندلع من الأسفل ما يشبه محاولة انقلاب، فيما يكون معروفاً في الوقت نفسه أن السلطة لا تتردّد في استخدام عنف قاسٍ ودموي كجزء من معركة بقائها.
موجة الاحتجاج الحالية في إيران تبدو أخطر تهديد يواجه الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها عام 1979، لكن رغم الشجاعة اللافتة التي يبديها المتظاهرون، قد يكون من المبكر الجزم بأن حاجز الخوف لدى المجتمع الإيراني قد انكسر فعلاً.
يمكن محاولة تقدير قوة الاحتجاج وفرصه استناداً إلى مؤشرات مختلفة: عدد المشاركين في التظاهرات، اتساعها الجغرافي، مشاركة شرائح اجتماعية متنوّعة، والاستعداد لاستهداف رموز السلطة، لكن الأصعب هو تقدير نقطة الانكسار لدى النظام، ومن سيُظهر التراجع أولاً: القيادة أم الشارع.
يزداد الغموض في ظل قرار النظام، الذي يعكس حجم مخاوفه، قطع إيران تقريباً بشكل كامل عن شبكة الإنترنت، هذه الخطوة تعرقل تنسيق الاحتجاجات، كما تعيق نشر توثيق موثوق للاشتباكات، ما يفتح المجال أمام انتشار مقاطع فيديو مزيفة أو معاد تدويرها من فترات سابقة.
سلوك قوات الأمن وردّ الفعل الدولي: عاملان حاسمـان
ثمّة عنصران حاسمان قد يؤثران في النتيجة النهائية، الأول يتعلق بردّ فعل المجتمع الدولي، وعلى رأسه الإدارة الأميركية، والثاني بدرجة الحزم والوحشية التي ستُظهرها قوات الأمن الإيرانية في قمع الاضطرابات.
في عام 2009، تردّد الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما، الذي كان في بداية ولايته، في دعم الاحتجاجات الإيرانية بتصريحات حازمة، وبالتأكيد أحجم عن أي تحرّك عملي.
أما في عام 2026، فإن دونالد ترامب يتصرف بشكل مختلف تماماً، فهو لم يكتفِ بدعم المتظاهرين ومهاجمة النظام، بل حذّر أيضاً من احتمال تدخل أميركي عنيف إذا قُتل عدد كبير من المحتجين، من دون أن يحدد أرقاماً.
هذه النقطة بالغة الأهمية وقد تنعكس مباشرة على فرص نجاح الاحتجاج، ولا تقل عنها أهمية، وترتبط بها ارتباطاً وثيقاً، طريقة تصرّف قوات الأمن. ففي عام 2011، مع انطلاق أحداث “الربيع العربي”، سقط نظام الرئيس المصري حسني مبارك عند اللحظة التي رفضت فيها قوات الأمن إطلاق النار على الحشود، التي ملأت ميدان التحرير في القاهرة.
في جولات الاحتجاج السابقة في إيران، سمحت السلطات لقوات الأمن الداخلي، بما في ذلك ميليشيا الباسيج، بإطلاق النار على المتظاهرين، لكن ذلك كان غالباً بشكل انتقائي، ومرفقاً بحملات اعتقال، وتحقيقات، وتعذيب وحشي.
هذه المرة، إذا واصلت الاحتجاجات تصاعدها، قد نشهد مجزرة حقيقية، وعندها سيُطرح السؤال: كم من أفراد قوات الأمن سيضعون أسلحتهم جانباً لعدم المشاركة في القتل؟ وكما ذُكر، فإن قتل أعداد كبيرة من المتظاهرين قد يورّط النظام في مواجهة مباشرة مع ترامب.
إضعاف قبضة النظام… وتداعيات إقليمية
وفقاً للتقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية، فإن تراجع قبضة النظام على السلطة بات واضحاً منذ فترة. صحيح أن احتجاجات الحجاب في 2022 قُمعت بالقوة، لكن السلطات اضطرت لاحقاً إلى تقديم تنازلات، وخففت في الآونة الأخيرة بشكل كبير من تطبيق قواعد اللباس الصارمة على النساء، خصوصاً في المدن الكبرى.
الأزمة الاقتصادية في إيران عميقة وممتدة، وتنعكس بقوة على الحياة اليومية، كما أن الحكومة تفشل في معالجة أزمات بنيوية واسعة، تعيق توفير المياه والكهرباء بشكل منتظم.
إلى جانب ذلك، جاء الصدام مع ترامب حول البرنامج النووي، ثم الضربات الإسرائيلية (ومن بعدها الأميركية) الواسعة على مواقع النووي والصواريخ خلال حرب حزيران، الماضية.
حتى الآن، يرفض المرشد الأعلى علي خامنئي التراجع أو الدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة حول اتفاق نووي جديد، تسعى واشنطن من خلاله إلى فرض قيود بعيدة المدى على تخصيب اليورانيوم داخل إيران.
قد تدفع الأزمة الداخلية خامنئي إلى إعادة النظر في موقفه، رغم عدم وجود مؤشرات على ذلك حتى الآن، وربما إلى تخفيف جزئي للضغوط الاقتصادية، لكن عندها ستبرز أسئلة إضافية: هل ستكتفي الولايات المتحدة بذلك في ظل فرصة محتملة لتغيير النظام؟ وهل سيكون تحسين محدود في الوضع الاقتصادي كافياً لإرضاء الشارع الإيراني؟
انعكاسات مباشرة على إسرائيل
التركيز الأميركي على احتمال تغيير النظام في إيران يغيّر أيضاً جدول الأولويات الإسرائيلي، حتى الأيام الأخيرة، حرصت دوائر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على تسريب رسائل حول احتمال شنّ هجوم إسرائيلي جديد، ربما ضد مواقع إنتاج الصواريخ في إيران خلال الأشهر المقبلة، أو حتى ضربة استباقية ضد حزب الله في لبنان.
أما الآن، فإن أولويات إدارة ترامب باتت واضحة، تغيير النظام في إيران أولاً، وتجميد أي خطوة قد تعيق ذلك.
من المرجّح أن تُطالَب إسرائيل بالتصرف على هذا الأساس، سواء في إيران أو ربما في لبنان أيضاً (مع استمرار الضربات الموضعية المحدودة ضد حزب الله)، وينطبق الأمر كذلك على التصريحات الإسرائيلية بشأن الاحتجاجات.
صحيح أن رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، يحاول استغلال الفراغ والدخول على خط الاحتجاج، لكن من الأفضل ألا يتصدر وزراء إسرائيليون المشهد بتصريحات استعراضية أو محاولات نسب ما يحدث في طهران إلى إسرائيل، إذ إن ما يجري هناك يحدث إلى حد كبير بمعزل عنها.
الملف الأميركي–الإسرائيلي: واقع جديد
في نهاية الأسبوع، قال نتنياهو في مقابلة مع مجلة “الإيكونوميست” إنه يؤيد تقليص المساعدات الأمنية الأميركية لإسرائيل، وصولاً إلى إلغائها خلال عشر سنوات، لم تأتِ هذه التصريحات من فراغ، بل جاءت استجابة لتوقعات صريحة من ترامب، الذي عبّر مراراً عن استيائه من حجم الاستثمارات الأميركية في أمن دول أخرى.
صحيح أن إسرائيل ليست “عبئاً أحمر” بالنسبة لترامب كما هو حال حلف شمال الأطلسي، لكن كان واضحاً أن اتفاق المساعدات المقبل المفترض توقيعه هذا العام ليغطي الفترة من 2028 لعشر سنوات، لن يصل إلى مستوى 3.8 مليارات دولار سنوياً كما في الاتفاق السابق الذي وُقّع عام 2016 بين أوباما ونتنياهو.
على إسرائيل أن تتكيف مع واقع جديد، وإذا تحقق هذا السيناريو، فستكون له تبعات إشكالية على تفوقها العسكري أمام خصومها، وعلى كيفية توزيع ميزانية الدولة بين الأمن واحتياجات مدنية ملحّة أخرى.