جونثان اديري
يديعوت
ترجمة حضارات
لم يصبح بن سلمان صهيونياً، بل أدرك ببساطة أن الطريق إلى البيت الأبيض يمر عبر التطبيع. لا ينبغي أن يكون الركيزة الإستراتيجية الإسرائيلية في السعودية المترددة، بل في نيودلهي المزدهرة.
بينما ينشغل الجميع بالتكهنات حول مستقبل النظام الإيراني، انتقل محمد بن سلمان، بالفعل إلى مرحلة التنفيذ، تُدرك الرياض الفراغ الإقليمي وتسعى إلى استغلال التطورات في طهران لترسيخ موقع هيمني في المنطقة، تُشكّل الحملة الإلكترونية الشرسة ضد الإمارات، والتحرك لتشكيل تحالف أمني مع تركيا وباكستان، وقبل كل شيء -قصف القوات الجوية السعودية لجنوب اليمن والتفكيك العنيف للنظام الانفصالي في المنطقة-، نقطة تحول ضرورية لتمكين ولي العهد من تحقيق مهمته الأسمى، الإصلاح السياسي الأكثر جذرية وعمقًا في القرن الحادي والعشرين، والذي يصطدم حاليًا بالواقع الاقتصادي والجيوسياسي.
لفهم أهمية هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى نقطة البداية، لم يرث محمد بن سلمان السلطة ببساطة، بل تسلّمها في حياة والده، بهدف تحقيق رؤية سياسية طموحة على نطاق تاريخي، وكانت الخطوة الحاسمة تلك الليلة الشهيرة في فندق ريتز كارلتون بالرياض، حيث سجن أثرياء المملكة ووزراءها وأفراد عائلته، كان ذلك عملاً وحشياً ومدروساً يهدف إلى إخضاع النخبة الاقتصادية القديمة وإيصال رسالة للعالم مفادها لقد تم تفكيك مراكز القوة التقليدية. هناك سيد واحد، وهو غير مسؤول أمام أحد. ومن ثم، شنّ حرباً شاملة على نسيج المملكة، ضد المؤسسة الدينية الوهابية التي أبقت البلاد في حالة ركود، وضد استبعاد المرأة، وضد النفط الرخيص الذي أعاق الإنتاجية الوطنية لقرن من الزمان، ينبع الدافع نحو التغيير الجذري من مزيج من إمكانية أن تقضي الطاقات البديلة على الاعتماد على النفط، وساعة رملية ديموغرافية تدق حوالي 63% من سكان المملكة العربية السعودية تقل أعمارهم عن 30 عامًا، ولضمان مستقبلهم، كسر أكثر الأعراف قدسية ورفع معدل مشاركة المرأة في القوى العاملة من 17% في عام 2017 إلى حوالي 36% بحلول نهاية عام 2025.
سارع بن سلمان إلى إعادة النظر في مساره، ومن هذا المأزق النبذ في واشنطن والخوف المتزايد من طهران، وُلد "التحول نحو إسرائيل". لم يصبح بن سلمان صهيونياً، بل سعى إلى تحالف دفاعي مع الولايات المتحدة، وأدرك أن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو التطبيع مع إسرائيل.
أدرك الوريث مبكراً أن تحقيق رؤيته سيضعه في مواجهة مراكز القوى ويتطلب منه اتخاذ قرارات حاسمة، أدى افتقاره للخبرة وثقته المفرطة إلى ارتكاب خطأ فادح بقتل جمال خاشقجي، كان الثمن باهظاً ومؤلماً، فقد تحول من "مصلح شاب" إلى "منبوذ"، كما وصفه الرئيس بايدن، وأُغلقت أبواب واشنطن في وجهه، لكن الدرس الأقسى جاء من الخليج، لم يُثنِ الضعف السياسي الذي أظهره المحافظين في طهران، بل على العكس تماماً، ففي عام 2019، عندما أدركوا عزلته، أطلقوا صواريخ كروز وطائرات مسيرة مباشرة على قلب المملكة منشآت أرامكو، أصابوا خط أنابيب الأكسجين المركزي، وساد الصمت العالم، غيّرت تلك اللحظة نظرته، لن يأتي الغرب لنجدته.
سارع بن سلمان إلى إعادة النظر في مساره، ومن هذا المأزق النبذ في واشنطن والخوف المتزايد من طهران، وُلد ما يُعرف بـ"التوجه نحو إسرائيل"، لم يصبح بن سلمان صهيونيًا، بل سعى إلى تحالف دفاعي مع الولايات المتحدة، وأدرك أن السبيل الوحيد لتحقيقه هو التطبيع مع إسرائيل، كان من المفترض أن تكون إسرائيل كبش فداء يُعيده إلى كنف الغرب ويحميه من إيران، وقد أثمرت هذه المجازفة، دخل ترامب البيت الأبيض وقدّم لبن سلمان الدعم الذي كان مدينًا به، بما في ذلك شنّ هجوم على إيران وعقد تحالف دفاعي.
لكن الوعود شيء، والواقع شيء آخر، ففي الأشهر الأخيرة، واجه بن سلمان اصطدامًا ثانيًا لا يقلّ ألمًا بالواقع، وهذه المرة في المجال الاقتصادي، فقد تهاوت فكرة أن موارد المملكة لا تنضب، وسجلت أرامكو، التي لا تزال تُعتبر المُعيل الرئيسي، أرباحًا بلغت حوالي 121 مليار دولار في عام 2023، أي بانخفاض قدره 25% عن ذروتها، وفي الوقت نفسه، يتزايد عجز الموازنة ليصل إلى عشرات المليارات، والعالم ليس في عجلة من أمره لتقديم استثماراته، فالهدف من الاستثمار الأجنبي المباشر البالغ 100 مليار دولار سنويًا بعيد كل البعد عن الواقع، الذي لا يتجاوز 12-20 مليار دولار، في المقابل، يتوقع ترامب من بن سلمان استثمار مئات المليارات في الولايات المتحدة.
يميل الخطاب العام الإسرائيلي إلى النظر إلى المملكة من منظور ضيق يقتصر على "التطبيع أو عدمه"، حسنًا، إسرائيل ليست مركز الحدث، بل الرياض، يواجه ولي العهد الواقع مجددًا ويدرك حجم التحدي، وبشكل مستمر يجب عليه إعادة حساب مساره مرارًا وتكرارًا للبقاء في ظل الثورة التي أشعلها بنفسه، لذلك، ينبغي أن يكون الركيزة الإستراتيجية لإسرائيل في الدائرة الثانية: ليس في الرياض المترددة، بل في نيودلهي المتنامية، يجب أن يتحول التفكير الإقليمي شرقًا، إلى مكان تكون فيه المصالح أكثر استقرار وغير مرهونة لأحد.