هل يحبّ ترامب الناس غير المتعلّمين؟ كتاب جديد يكشف حقيقة مختلفة

صحيفة هآرتس

إيتان نَتسين

ترجمة حضارات

على السطح، تبدو الهوية السياسية لدونالد ترامب خالية من أيديولوجيا أو رؤية فكرية تقليدية، كثير من منتقديه، وكذلك مؤيدوه، يقولون إنه يعمل بدافع الغريزة، قائد يتركز اهتمامه الأساسي على تمجيد الذات وتصفية الحسابات الشخصية، ومع ذلك، أظهرت تحركات الإدارة الأخيرة درجة من الاتساق تناقض صورته كزعيم شعبوي فارغ المضمون. يبرز بشكل خاص اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته، وهي خطوة تُظهر أن ترامب يبتعد عن أوروبا وعن النظام الدولي الليبرالي القديم، ويتجه نحو سياسة خارجية أكثر انعزالية تذكّر بالقرن التاسع عشر، حين بدأت الولايات المتحدة بترسيخ هيمنتها الإقليمية.

بالنسبة لبعض الناس، كانت هذه الانعطافة العدوانية مفاجئة، لكنها لم تفاجئ لورا كاي فيلد، الباحثة في العلوم السياسية التي تابعت لأكثر من عقد، الأفكار والأشخاص الكامنين وراء صعود حركة MAGA (اختصارًا لعبارة «لنجعل أميركا عظيمة من جديد»).

في كتابها الأول Furious Minds: The Making of the New MAGA Right («عقول غاضبة: كيف تشكّل اليمين الجديد لـMAGA»)، تصف فيلد كيف نجحت أفكار «دكاترة ومثقفين يقفون بطبيعتهم خارج التيار السياسي السائد» في التغلغل إلى قلب الحزب الجمهوري عبر مؤسسات غير رسمية، ومجلات، وبودكاستات، وتُظهر كيف اندمجت أفكار محافظة مختلفة في حركة واحدة تهيمن على السياسة الأميركية في العقد الأخير.

تقول فيلد: «بعد اقتحام الحشد لمبنى الكابيتول، اعتقدت أنهم سيفهمون أنهم أخطأوا وسيتراجعون، لكن ذلك لم يحدث. عندما أنهيت الكتاب في عام 2024، كان جاي دي فانس قد أصبح بالفعل مرشحًا لمنصب نائب الرئيس، كان واضحًا أنهم رسّخوا قوتهم وسيطروا على الحزب الجمهوري، كتابي تحوّل إلى قصة حقيقية».

فيلد، الباحثة في معهد بروكينغز لبحوث السياسات الاجتماعية في واشنطن والمستشارة البارزة في برنامج دراسات السياسة بجامعة جورج واشنطن، استلهمت كتابة الكتاب بعد انتخاب ترامب عام 2016، وتقول إنها شعرت بالذعر من أن «أشخاصًا من أوساط أكاديمية قريبة مني دافعوا عن ترامب استنادًا إلى مبررات فكرية مزعومة».

وتضيف: «بعد السادس من يناير 2021، عندما اقتحم الحشد الكابيتول، ظننت أنهم سيفهمون خطأهم ويتخلون عنه، لكن ذلك لم يحدث، في عام 2022 بدأت العمل على الكتاب، وعندما أنهيته في 2024 حصل جاي دي فانس على ترشيح نائب الرئيس، كان واضحًا أنهم رسّخوا قوتهم وسيطروا على الحزب الجمهوري، كتابي أصبح قصة حقيقية».

كيف يمكن لحركة يقودها زعيم معادٍ للمثقفين أن تمتلك أساسًا فكريًا وأيديولوجيًا أصلًا؟ فبعد فوزه في انتخابات 2016، قال ترامب — خريج جامعة مرموقة —: «أنا أحب الناس غير المتعلمين، إنهم أذكى الناس وأكثرهم ولاء»، وفي العام نفسه قال في تجمع انتخابي: «أصدقائي، من يديروننا هم أناس غير أذكياء، وبكلمات أخرى، نحن نُدار من قبل أناس أغبياء».

تشرح فيلد أن «اليمين الجديد يرى نفسه في صراع مع اليسار، لكنه في الواقع تمرد على اليمين المؤسسي. الأشخاص الذين أكتب عنهم لديهم علاقة معقدة مع ترامب، لقد توحدوا حوله وقدموا مبررات انسجمت عضويًا مع طريقة تفكيرهم. بدأوا ببناء بنية فكرية وأيديولوجية حوله، في ولايته الثانية أصبحوا أكثر إبداعًا، هم ليسوا من يحركون الخيوط، لكنهم يصوغون جزءًا كبيرًا من السياسات ويغذون الأفكار التي تحركه».

أحد أبرز الأمثلة على هذه الديناميكية هو «مشروع 2025»، خارطة طريق سياسية لليمين المتطرف، كتبها باحثون من مراكز فكر محافظة ونشرتها مؤسسة هيريتج، البرنامج، المؤلف من 920 صفحة، صدر قبل انتخابات 2024، وكان يهدف إلى تغيير جوهري في الحكومة الفدرالية، وتركيز السلطة التشريعية والقضائية بيد الرئيس.

تقول فيلد: «بشكل ساخر، وفر ترامب غطاءً لكل ذلك عندما عارض المشروع ظاهريًا، لكنه في نهاية 2025 تبناه علنًا».

في Furious Minds تجادل فيلد بأن اليمين الجديد يتكوّن من أربعة معسكرات: «الكليرمونتيون»، مثقفون مرتبطون بمعهد بحثي محافظ يحمل هذا الاسم، أسسه أتباع الفيلسوف اليهودي–الألماني ليو شتراوس، ويدعون إلى إعادة بناء راديكالية لمبادئ أميركا الأساسية؛ ما بعد الليبراليين، وكثير منهم كاثوليك يسعون إلى تقليص الأفكار الديمقراطية لصالح «الصالح العام»، ويشملون تيارًا تكامليًا أصغر يدعو إلى إنهاء الفصل بين الكنيسة والدولة؛ القوميون المحافظون، وهم حركة تروّج للقومية ودولة قومية متجانسة؛ واليمين المتطرف، مجموعة أصغر نسبيًا من نشطاء الإنترنت، بعضهم يحمل شهادات دكتوراه، يروّجون كراهية النساء ونظريات العِرق وذكورية متطرفة وصاخبة تُقدَّم كمثال أعلى، وتقول إن الخيط الجامع بين تيارات MAGA المختلفة هو «الرفض المطلق لليبرالية، واستبدالها بشعبوية قومية تفضّل المولودين في الولايات المتحدة ومواطنيها».

قبل انتخابات 2016 كتب المفكر المحافظ مايكل أنتون مقالًا مثيرًا للجدل شبّه فيه الناخبين بركاب طائرات 11 سبتمبر: «اقتحم قمرة القيادة أو مت، إذا لم تحاول، فستموت حتمًا».

كان أنتون، أحد مثقفي MAGA، نموذجًا لتأثير اليمين الجديد، ففي عام 2016 أثار ضجة عندما نشر مقالًا مجهول الهوية في مجلة معهد كليرمونت، شبّه فيه الناخبين بركاب الطائرات المختطفة. وادعى أن ترامب، رغم فظاظته ومحافظته، هو الخيار الوحيد في القضايا المصيرية مثل الهجرة والتجارة والحرب.

وكتب: «إما أن تقتحم قمرة القيادة أو تموت. في كلتا الحالتين قد تموت، لا ضمانات سوى واحدة: إن لم تحاول، فستموت حتمًا».

تقول فيلد إن أنتون عرّف «الترامبية» على أنها اقتصاد قومي، وحدود مغلقة، وسياسة خارجية تقوم على «أميركا أولًا»، واعتبر أن المحافظة فشلت في حماية الجمهورية، لذلك لا بد من إجراءات مضادة. هذه الفكرة غذّت التبرير الفكري لـMAGA، القائل إن الليبرالية سيطرت بالكامل، وإن الديمقراطيين هندسوا النظام لصالحهم عبر أفكار مثل «نظرية الاستبدال الكبير»، ولذلك حان وقت فعل أي شيء لازم.

خدم أنتون تحت إدارة ترامب في ولايتيه، وهو من كتب مسودة استراتيجية الأمن القومي التي نُشرت مؤخرًا، وقدمت خطة لخطوات عدوانية اتخذها ترامب على الساحة الدولية.

تشير فيلد إلى أن بعض هذه الأفكار وصل إلى جمهور أوسع، مثل كتاب Why Liberalism Failed («لماذا فشلت الليبرالية») للمفكر ما بعد الليبرالي باتريك دينين الصادر عام 2018، والذي اختاره باراك أوباما كتاب العام.

وتقول: «مع الوقت تطرف دينين في كتاباته. ففي كتابه Regime Change («تغيير النظام») يقترح وصفة لدولة جديدة تستخدم أدوات السلطة بشكل سلطوي على غرار ما يفعله رئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوربان، من أجل إعادة تشكيل المجتمع».

يصف أوربان معارضته للاتحاد الأوروبي بوصفها نوعًا من المحافظة القومية، أما في الولايات المتحدة، فإن التيار القومي المحافظ (NatCon)، الذي يدعو إلى «حماية الحضارة الغربية» عبر الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية لأميركا، مع تركيز قوي على القومية المسيحية، فيرتبط أساسًا بيورام هازوني، اليهودي–الإسرائيلي الذي يقود مؤسسة إدموند بيرك وينظم مؤتمر القومية المحافظة سنويًا.

تقول فيلد: «في مؤتمر NatCon لعام 2022 قال هازوني، إن الشيء الوحيد القوي بما يكفي لوقف النيو–ماركسيين هو القومية المسيحية، هذه عبارة متطرفة، لكنها تنسجم تمامًا مع رؤيته للعالم».

يتتبع كتاب Furious Minds، الذي يغطي السنوات من 2016 إلى 2024، الجذور الأيديولوجية للحركة وكيف تحولت أفكارها من دعم متردد لترامب إلى راديكالية متزايدة، ويصف كيف أن الدعم المطلق لترامب لم يأتِ فقط من حركة MAGA، بل أيضًا من الأزمات التي أنهت ولايته الأولى، مثل مسيرة «اتحدوا من أجل اليمين» عام 2017 في شارلوتسفيل، ومحاولة الانقلاب في الكابيتول في 6 يناير 2021.

في الأشهر الأخيرة، اتسعت ظاهرة معاداة السامية داخل اليمين الأميركي. منذ محاولة اغتيال تشارلي كيرك في سبتمبر، روّجت المعلقة اليمينية المتطرفة كانديس أوينز نظريات مؤامرة تتهم إسرائيل. وفي أكتوبر كشف موقع بوليتيكو مئات الرسائل المعادية للسامية في محادثات «الشباب الجمهوريين». كما دافع مدير مؤسسة هيريتج، كيفن روبرتس، عن تاكر كارلسون الذي منح منصة للمؤثر المعادي للسامية نيك فوينتس. وفي اليوم الأخير من مؤتمر AmericaFest، كان نائب الرئيس جاي دي فانس المتحدث الرئيسي.

فانس، الذي يراه كثيرون وريثًا لترامب، رفض إدانة المعادين للسامية في معسكره، وأشاد بإنجازات ترامب في ملف الهجرة.

وقال: «لم تعد بحاجة للاعتذار عن كونك أبيض»، مضيفًا أن هدف الديمقراطيين هو «جعلك أقل أمانًا في الدولة التي بناها أجدادك». وتقول فيلد إن فانس هو أيديولوجي يجذب جماهير من مختلف تيارات اليمين الجديد لـMAGA. «الجميع يحبه. فانس هو نتاج صنيعهم. لقد اقترب من الكاثوليكية في الوقت نفسه تقريبًا الذي تبنّى فيه الترامبية. اقتنع بأن السياسة يمكن أن تكون قذرة، لكن الهدف — نظام أخلاقي جديد — يستحق ذلك».

وترى فيلد أن ضعف فانس يكمن في عدم اتخاذه مواقف واضحة في الصراعات الداخلية داخل MAGA، خصوصًا في الجدل حول معاداة السامية،«لا أقول إن جاي دي فانس معادٍ للسامية لا أعتقد ذلك، لكنني أظن أنه يفضّل اللعب بأمان».

وتضيف أن صراع اليمين الجديد مع الليبرالية يتجلى أيضًا في حربه ضد مجتمع «أصبح أنثويًا أكثر من اللازم»، فقد نشأت حول هذا الموضوع ثقافة فرعية تروّج لذكورية متطرفة ومشوّهة، مليئة بنظريات المؤامرة حول اللقاحات والغذاء «المسموم» من قبل الحكومة، وتشجع على ممارسات غريبة تُقدَّم بوصفها مثالية. وتقول: «الأشخاص الذين أكتب عنهم هم مجموعة من حملة الدكتوراه يستخدمون مصطلحات مثل الجينوقراطية (حكم النساء) لوصف النساء كجزء من كراهية اليمين الجديد للنخب، ينشطون على الإنترنت بأسماء مستعارة وينشرون تصريحات استفزازية ومتطرفة».

ومن بين هذه الشخصيات كوستين فلاد ألماريو، الأكاديمي الأميركي–الروماني المعروف باسم Bronze Age Pervert، الذي يروّج لأفكار رجعية حول العِرق والجندر عبر بودكاست وكتاب Bronze Age Mindset، إلى جانبه تشارلز كورنيش–دايل، خريج أوكسفورد المعروف باسم Raw Egg Nationalist، محرر مجلة Man’s World الصادرة عن دار Passage Press التي تعيد طباعة كتب فاشية ورجعية تاريخية.

وتقول فيلد: «في نظرهم، النخب هن نساء ‘أنثين القوة’. هذا تسلل إلى أعلى المستويات، إلى أشخاص مثل فانس الذي تحدث عن ‘نساء القطط بلا أطفال’، هنا نوع من الشوفينية الفكرية، ليس بالضرورة كراهية نساء يومية وفظة، بل شيء يُقدَّم كعميق وأكاديمي».

وعلى الرغم من أن التأثير السياسي والثقافي لـMAGA يبدو اليوم هائلًا، تقول فيلد إنه ليس بالضرورة دائمًا: «لقد وفروا للإدارة إطارًا فكريًا حوّل حرب الثقافة إلى سياسة فعلية، لكنهم ليسوا غير قابلين للهزيمة، هناك نقاط ضعف حقيقية، خاصة الوضع الاقتصادي غير المستقر. في مرحلة ما، لن تعود هذه السياسات قادرة على إنقاذك».

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025