صحيفة هآرتس
عودة بشارات
ترجمة حضارات
في خطاب ألقاه سابقًا أمام مجلسي الكونغرس الأميركي قال رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو: «من بين 300 مليون عربي في هذه المنطقة أقل من واحد بالمئة فقط أحرار فعلًا، وجميعهم مواطنو إسرائيل»، بعد 14 عامًا «بدّل الأسطوانة»، وبدل أن يتباهى بالعرب سار يدًا بيد مع إيتمار بن غفير، وتغيّر الخطاب تبعًا لذلك: «هذا يعني استيطانًا (في النقب) بحجم لم نعرفه»، قال، ومن أجل ذلك «أولًا وقبل كل شيء إعادة القانون والنظام».
جزء من متطلبات «القانون والنظام» كان الهجوم على قرية ترابين الصانع، التي استضاف فيها نتنياهو قبل سنوات. اليوم، وبعد سنوات من التحريض وترك الأمن الشخصي، سُحِق ذلك «الأقل من واحد بالمئة» حتى النخاع، بدل محاربة الجريمة في المجتمع العربي، يضيف الحكم إثمًا إلى إثم بهجوم عنيف لا يقتصر على ترابين الصانع، حيث قُتل بالرصاص أحد سكان القرية محمد حسين ترابين الصانع، وكذلك في جسر الزرقاء نُصبت حواجز خرسانية في الشوارع.
هنا يكمن العبث: بدل معاقبة قوى إنفاذ القانون على التقصير الإجرامي في منع جرائم القتل، يُعاقَب الضحية. لا يكتفون بترك حياة العرب، بل يعاقبون الضحية أيضًا. وفي المقابل يرشّ نتنياهو الملح على الجرح.
أقترح على نتنياهو أن يستبدل «الأقل من واحد بالمئة» الخاضعين لسلطته في إسرائيل بـ«الأقل من واحد بالمئة» الخاضعين أيضًا لسلطته المطلقة: الضفة الغربية، التي يقارب عدد سكانها عدد المواطنين العرب في إسرائيل، ومع ذلك، ورغم الاحتلال و«فتية التلال» الذين يتمتعون بحماية الجيش والشرطة، فإن معدل الجريمة منخفض جدًا، وليس معدل الجريمة وحده منخفضًا، بل إن معدل كشف الجرائم يكاد يساوي عدد الجرائم نفسها.
يمكن الافتراض أن 99.5% من العرب غير الأحرار، بحسب رئيس الوزراء، ينظرون إلى ما يجري لدى إخوتهم في الضفة ويُصابون بالذهول من مستوى الأمن الشخصي هناك، ها هي إسرائيل، التي تصل يدها الطويلة إلى أقاصي العالم، عاجزة عن الوصول إلى المجرمين في فناء بيتها، بينما تُسجَّل تحت الاحتلال نجاحات لافتة، لعل نتنياهو في ظهوره المقبل سيتباهى بإنجازات أجهزة أمن السلطة التي يسعى حليفه الوزير بتسلئيل سموتريتش إلى خنقها.
فلسطينيو 48 في إسرائيل يمرّ بساعة عصيبة، فالأمن الشخصي مثل الخبز؛ بل أكثر من ذلك، لكي يستمتع الإنسان بالخبز يحتاج إلى إحساس بالأمان، وإلا فلا طعم للخبز. ماذا ينفع العرب في إسرائيل أن يحصلوا على كل حرية في الكون، بحسب تفاخر نتنياهو، بينما يُقتل أبناؤهم وبناتهم في وضح النهار؟ وماذا تنفع الإنجازات الكبيرة للعرب في كل فروع الاقتصاد، في الطب، والهايتك، والهندسة، والمحاسبة، إذا كان سيف الإرهاب مسلطًا فوق رؤوسهم وهم عائدون إلى بيوتهم؟
لا يكاد يمرّ يوم بلا جريمة قتل؛ أحيانًا جريمتان، وأحيانًا ثلاث، وأحيانًا أكثر، السنة الجديدة، إلى جانب الألعاب النارية التي استقبلتها، بدأت بطوفان من القتل. حتى اليوم العاشر من السنة الجديدة قُتل ما لا يقل عن 12 مواطنًا من فلسطينيي 48، أهذا قدرنا؟ كنا يومًا مصدر فخر، واليوم صرنا كائنًا نازفًا يُبكى عليه، ونحن أيضًا نبكي على أنفسنا.
نُشر في الأخبار أن رئيس بلدية رمات هشارون، يتسحاق روخبرغر، وأعضاء مجلس البلدية أغلقوا محطة الشرطة في المدينة بزعم أنها لا تؤدي واجبها في محاربة الجريمة. لو حدث أمر كهذا في مدينة عربية، يمكن الافتراض أنه كان سيسقط هناك قتلى.
وعندما خرج سكان بير المكسور للتظاهر على الطريق رقم 79، عقب جريمة مروّعة قُتل فيها ثلاثة من أبناء البلدة، سارعت الشرطة إلى تفريقهم بالقوة وبالغاز المسيل للدموع، حتى التعبير عن الألم ممنوع، من فضلكم، موتوا بصمت، لا يجوز إزعاج إخوتكم اليهود المارين على الطريق.