هل،و‏كيف يمكن للصين أن تكبح جماح ترامب بعد حادثة مادو ور؟

حضارات

مؤسسة حضارات

تقدير موقف 

مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية

‏أولا: خلفية عامة

‏لقد كان إقدام الولايات المتحدة على اختطاف رئيس دولة ذات سيادة في بداية يناير 2026/ مادورو سابقة خطيرة سياسيا وأمنيا واستراتيجيا عملية الاختطاف لم تكن رسالة موجهة إلى فنزويلا فحسب بل أنها كانت تحمل رسالة إلى جميع القوى الصاعدة في العالم وعلى رأسها الصين ، الرسالة تقول بأنها أمريكا بقيادة ترامب مستعدة أن تستخدم أدوات القوة الخشنة تجاه ‫نصف‬ الكرة الغربي من أجل ترسيخ نفوذها ومنع حالة من تنافس متعدد الأقطاب.

‏وهنا يبرز السؤال المركزي التالي: هل فعلا تمتلك الصين القدرة، أو الإرادة لكبح جماح الرئيس الأمريكي ترامب، ومنعه من تكرار حادثة مادورو وكيف يمكنها أن تفعل هذا؟

‏ثانيا: ما هي مصالح الصين في منطقة أمريكا اللاتينية وفنزويلا؟ 

‏المقاربة التي تتمناها الصين تجاه هذه المنطقة تنطلق من ما يمكن تسميته بإدراك ثلاثي الأبعاد:

‏البعد الأول، ‏الصين تنظر لفنزويلا كنقطة ارتكاز وهي تمثل رأس جسر استراتيجي للصين في المنطقة وذلك من عدة نواحي، التمويل، الطاقة وكسر احتكار أمريكا بالمجال الجيوسياسي التقليدي.

‏البعد الثاني، الصين تريد الحفاظ على مصداقيتها أمام شركائها، لذا فإن أي عجز صيني عن حماية الشركاء سيتسبب بأضرار واضحة لصورتها لدى" الجنوب العالمي".

‏البعد الثالث، الصين تريد منع تعزيز“مبدأ مونرو محدث”، فهي ترى بأن أمريكا تهدف عموما إلى إعادة تعريف منطقة أمريكا اللاتينية، كمنطقة ممنوعة على النفوذ الصيني، الأمر الذي يهدد تعزيز التوجه المتواصلة لمشروع التعددية القطبية الدولي.

‏ثالثا: ‏الرد الصيني.

‏قامت الصين بتصعيد دبلوماسي وقانوني محدود محسوب, وقامت بانتقاد علني وصريح للسياسة الأمريكية بوصفها" شرطي العالم" وإنها تشكل خرق للقانون الدولي, كما قامت الصين بتحريك مسار أمميّ من أجل رفع كلفة الشرعية السياسية على أمريكا, خاصة أمام حلفاء أمريكا, واستخدمت أدوات ضغط منخفضة المستوى، إضافة لاستمرار الصين في نمطها في العقوبات الانتقائية ضد شركات أمنية أمريكية، كما أنها أبقت ما تمتلكه من وسائل ردع اقتصادية في حالة جهوزية ،دون تفعيل كامل،، كما أنّ الصين تقوم بتعزيز علاقاتها الاقتصادية والمالية مع دول أمريكا اللاتينية من أجل تحصين نفوذها الإقليمي ولكن بشكل هادئ، ومن أجل منع القابلية لدى بعض دول أمريكا اللاتينية للتدخلات الأمريكية.

هذه المقاربة تعكس عقيدة صينية تقوم على إدارة الصراع لا تفجيره، وتجنب ردود الفعل التي قد ترتد اقتصاديًا على الصين نفسها.

رابعا:الرد الصيني: على الارجح لن يكون فوريا وشاملا كما تقدر بعض الأوساط ،كتجميد معاملات الدولار،او تفعيل سلاح الطاقة،اوتعطيل الموانئ الأمريكية …او غير ذلك،،ولكن يمكن القول بان هذه التقديرات جزء من سردية مضادة اكثر منها تحليلا استراتيجيا، ‏هذه السردية تحاول إظهار الصين كقوة قادرة على اقتصاد الولايات المتحدة بشكل نظامي، خنقها في مجال الطاقة واللوجستيك دون استخدام الرصاص الحي، إضافة إلى قدرتها الفورية على تعزيز عالم متعدد الأقطاب، من الممكن أن هذا أيضا أقرب إلى الدعاية التعبوية منه إلى التوصيف العلمي الحقيقي.

‏خامسا: الكبح الصيني، كيف يعمل؟

‏يمكن التمييز بين" كبحين" ، أما الأول فهو بالمعنى السلبي، أي منع الفعل الأمريكي القادم، أو ما يسمى" الردع الصلب" وهذا احتمال ضعيف.

 الولايات المتحدة الأمريكية تعمل ضمن ما يعرف بالعلاقات الدولية" المجال الجغرافي المباشر" الأمر الذي يساعد على توظيفه داخليا.

في مجال الصورة، القوة والهيبة،

‏أما الثاني فهو في مجال رفع التكاليف وتقليل احتمالات التكرار، وهذا احتمال متوسط إلى مرتفع، وقد يتم من خلال عملية إحراج دولة إحراج قانوني.

إضافة إلى عقوبات محددة، ومحاولات تسريع تدريجية (وليس دفعة واحدة) لم مسارات"نزع الدولرة" وإيجاد بدائل تجارية ومالية.

‏والمختصر المفيد إن الصين قد تكون قادرة أن تجعل الضربة القادمة أكثر تعقيدا وكلفة بالنسبة لأمريكا، لكنها غير قادرة على منعها تماما.

‏سادسا: ما هي السيناريوهات المحتملة

السيناريو الاول استيعاب وتوتر في آن واحد، وهذا هو الأرجح،  الصين ستدير الازمة بشكل هادئ، وتضغط ولكن بشكل غير مباشر لا يؤدي إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة،

‏السيناريو الثاني قيام الصين بتوسيع عقوبات اقتصادية وتكنولوجية على قطاعات محددة في أمريكا وذلك في حالة توسيع نموذج الرئيس الفنزويلي، أي تصعيد إنتقائي

السيناريو الثالث، تصعيد بالخفاء، أو في الظل، في العديد من المجالات مثل التكنولوجيا والشحن وغيرها لمنع احتمالات الصدام العسكري المباشر.

‏أخيرا خلاصة القول فإن الامتحان الصيني يتعلق بنفسها الطويل استراتيجيا أكثر من الردود الفورية، الصين في الغالب لا تتحرك بمنطق ترمب الاستعراضي، بل ‏بمنطق الهندسة التدريجية للبيئة الدولية، أي التقدم الناعم والواثق والهادئ، ‏وبالتالي فإن كبح ترامب، سيكون، وفقا لرؤية حضارات عبر مسار تدريجي، وليس ضربة فورية وخاطفة.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025