الانقلاب بلا أقنعة: حين يخلع حكّام تل أبيب آخر أوهام القانون

حضارات

مؤسسة حضارات

قراءة حضارات في نقاش تل أبيب بيب اليوم لقرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي لإقرار قوانين دون الالتفات إلى موقف المستشارة القضائية لدولتهم

ما يجري اليوم في كيان الاحتلال ليس خلافًا تقنيًا بين الحكومة ومستشاريها القانونيين، ولا تعديلًا إداريًا عابرًا في آليات الحكم.

نحن أمام حلقة جديدة، أكثر صراحة ووقاحة، في مسار انقلاب متكامل الأركان، يستهدف تفكيك ما تبقّى من القيود الشكلية التي طالما سُوّقت للعالم تحت مسمّى «سيادة القانون».

اندفاع حكومة تل أبيب نحو إقرار آلية تتيح لها تمرير القوانين والقرارات المصيرية دون الالتزام برأي المستشارة القضائية، يعني عمليًا إعلان تحرّر السلطة التنفيذية من أي قيد قانوني أو مهني، إنه انتقال مكشوف من منطق الالتفاف على القانون إلى منطق الاستغناء عنه، ومن سياسة تطويع المؤسسات إلى سياسة تحييدها الكامل.

على مدى عقود، شكّلت مؤسسة المستشار القضائي أحد صمّامات الضبط الداخلي التي حافظت، ولو شكليًا، على تماسك النظام، ومكّنت الكيان من تقديم نفسه خارجيًا كـ«دولة قانون».

اليوم، ومع اقتراب الانتخابات وتفاقم الأزمات السياسية والمجتمعية، يقرّر حكّام تل أبيب إحراق هذه الورقة أيضًا، وفتح المجال واسعًا أمام ممارسة السلطة بلا مساءلة، وبلا ضوابط، وبلا أقنعة.

تحذيرات المستشارة القضائية ونائبها لا تنبع من تباين سياسي، بل من إدراك قانوني واضح لطبيعة ما يُحضَّر: شرعنة الفوضى السلطوية، قرارات تُتخذ بلا أساس قانوني، تشريعات تُدفع دون بنية مهنية، ميزانيات تُدار وفق حسابات انتخابية ضيقة، وكل ذلك تحت شعار «حكومة منتخبة» ترى في نتائج الاقتراع تفويضًا مفتوحًا لانتهاك القانون ذاته.

الأخطر من مضمون القرار هو توقيته، فالدفع بهذه الخطوة قبيل الانتخابات يكشف الهدف الحقيقي: تحرير الحكومة من أي رقابة قانونية في مرحلة حسّاسة، تتكاثر فيها إغراءات استخدام أدوات الدولة لخدمة البقاء السياسي، وقمع الخصوم، وتصفية الحسابات، داخليًا وخارجيًا، إنه انقلاب ناعم في الشكل، فظّ في الجوهر، يُدار باسم «الإصلاح»، بينما جوهره تفكيك متعمّد لمنظومة الكوابح والتوازنات.

ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التحليل لإدراك أن هذا المسار لا يستهدف مؤسسة بعينها، بل يعكس تحوّلًا أعمق في طبيعة الحكم داخل الكيان: انتقال من نظام سعى طويلًا إلى تغليف عنفه واستعماره بقشرة قانونية، إلى نظام لم يعد معنيًا حتى بهذا الغلاف. نظام يرى في القانون عائقًا، وفي القضاء خصمًا، وفي أي رقابة تهديدًا مباشرًا لمشروعه السياسي والأيديولوجي.

من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة ما يحدث كحادثة طارئة أو انحراف، بل كذروة طبيعية لمسار طويل من التآكل الداخلي، حيث تتلاقى النزعة الفاشية، والاستعلاء القومي، والهروب من المحاسبة، في مشروع واحد: إطلاق يد حكّام تل أبيب بلا رقيب، داخل الكيان وخارجه.

وهكذا، تسقط آخر أقنعة «الديمقراطية» التي طالما استُخدمت للتغطية على واقع استعماري قمعي، انقلاب مستمر، لا على النظام فحسب، بل على الفكرة ذاتها: فكرة القانون، حين لا يعود إلا أداة في يد السلطة.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025