ترامب يقع في الفخ السني
ترجمة حضارات

إسرائل اليوم

عكيفا بيغمان

الاتفاق في غزة، والمشاهد في سوريا، والتردد حيال إيران ليست أحداثًا منفصلة، بل نتائج مباشرة لسياسة أميركية فاشلة في الشرق الأوسط.

سياسة دونالد ترامب الخارجية تقوم نظريًا على مبدأ "أميركا أولًا"، أي السعي الحازم وراء المصلحة الأميركية دون اكتراث بالقيود التقليدية أو بالحلفاء. في أوروبا، أوكرانيا، أميركا الوسطى، وحتى داخل حلف الناتو، يطبق ترامب هذا المنطق بصرامة تصل أحيانًا إلى حد "أميركا وحدها". غير أن هذا النهج يتبخر عندما يصل إلى الشرق الأوسط.

هنا، يتخلى ترامب عن استقلالية القرار ويعود للاعتماد على منظومة التحالفات الإقليمية، فيقع أسيرًا لمصالح القوى السنية الكبرى. آلية إنهاء الحرب في غزة مثال واضح: بدل التعامل مع غزة كقضية أمنية إسرائيلية محلية تتطلب حلًا سريعًا وحاسمًا، اختارت واشنطن تدويل الصراع، وإشراك تركيا وقطر ومصر ودول أخرى عبر "مجلس السلام"، ما يضمن تعقيد الأزمة واستدامتها. أي تحرك أمني إسرائيلي مستقبلي سيصطدم الآن بمصالح هذه الدول وقواتها ونفوذها الميداني — وهو تدويل للصراع بأقصى درجاته.

الأمر ذاته ينطبق على إيران. نية واشنطن ضرب النظام الإيراني وإسقاطه تصطدم بمعارضة شديدة من تركيا وقطر والإمارات والسعودية. هذه الدول، رغم خطابها المعادي لإيران، تستفيد استراتيجيًا من استمرار التهديد الإيراني الذي يمنحها وزنًا إقليميًا خاصًا لدى الولايات المتحدة. سقوط طهران بيد نظام موالٍ للغرب سيجعل هذه الدول أقل أهمية، ولذلك فهي تكبح القرار الأميركي. وهكذا تتحول "قوة التوازن" السنية إلى عبء مباشر على السياسة الأميركية.

المفارقة أن ترامب، الذي لا يتردد في فرض عقوبات وتهديد حلفائه الغربيين، لا يستخدم أي أدوات ضغط حقيقية ضد هذه الدول. لا تعريفات جمركية، لا تهديدات، ولا كلفة سياسية. للمعسكر السني مكانة استثنائية في حسابات الإدارة الأميركية — سواء بدافع المال، أو النفط، أو الإعجاب بـ"الزعيم القوي" — لكن النتيجة واحدة: سياسة سيئة.

السنوات الأخيرة كشفت فخًا بنيويًا في السياسة الأميركية: الإدارات الديمقراطية راهنت على المحور الشيعي (إيران)، والجمهورية تراهن على المحور السني. وكأن صراع كربلاء في القرن السابع أصبح عاملًا حاسمًا في صنع القرار الأميركي في القرن الحادي والعشرين.

في سوريا، يتجلى الفشل بوضوح. واشنطن تسعى لاحتواء الجولاني وإدماجه في النظام الإقليمي الجديد، لكنها تكتشف أن نفوذها عليه محدود. قواته تعيد السيطرة على مناطق كردية كانت تحت رعاية أميركية، بالتنسيق مع تركيا. حتى حلفاء ترامب في الكونغرس يعترفون بأن "الحكومة السورية الجديدة" تعمل ضد المصالح الأميركية، لكن دون أي رد فعلي حقيقي. لو كان الفاعل كندا، لفرضت عليه العقوبات فورًا.

التناقض يمتد إلى ملف الإخوان المسلمين. ترامب يتبنى خطابًا معاديًا لهم في لبنان ومصر والأردن، لكنه في الوقت ذاته يعزز تحالفه مع دول ترتبط قياداتها عضويًا بالإخوان، مثل تركيا وقطر. تُجمّد حسابات مصرفية هنا، وتُباع طائرات F-35 هناك.

لقد أثبت ترامب في الماضي قدرته على تصحيح المسار. لكن في الشرق الأوسط، حيث تتجاهله أنقرة، وتناور الدوحة، وتضغط الرياض، يبدو أن "أميركا أولًا" تحولت إلى "مصالح الحلفاء أولًا". وقد آن الأوان لإعادة الحسابات.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025