تقدير موقف
أولًا: سياق الخبر ودلالاته
التسريبات المنسوبة إلى صحيفة “الأخبار” حول وساطة مصرية لاحتواء تصعيد بين الرياض وأبوظبي – إذا صحّت – تعكس انتقال العلاقة السعودية–الإماراتية من مرحلة التنسيق شبه الكامل (2015–2020) إلى مرحلة إدارة تنافس مركّب تتداخل فيه ملفات إقليمية واقتصادية وأمنية. اللافت هو اتساع دائرة الخلاف لتشمل: العلاقة مع إسرائيل، أدوار الإمارات في الصومال وإثيوبيا، ودعم قوات الدعم السريع في السودان، إضافة إلى ملف اليمن.
ثانيًا: جذور التحوّل
تباين الأولويات بعد “الربيع الخليجي”: منذ 2021 بدأت السعودية تُعيد تعريف دورها الإقليمي عبر مقاربات تهدئة (إيران، اليمن) ورؤية اقتصادية تركّز على جذب الاستثمارات وتموضع الرياض كمركز مالي. في المقابل، واصلت الإمارات سياسة انتشار نفوذ مرن عبر الموانئ، الشراكات الأمنية، والفاعلين المحليين.
تنافس اقتصادي-جيوسياسي: اشتداد المنافسة على جذب الشركات العالمية، وإعادة تموضع سلاسل الإمداد في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، خلق احتكاكات غير معلنة.
السودان واليمن كنقاط احتكاك مباشرة:
في السودان: مقاربة سعودية تميل إلى دعم مسار سياسي يُعيد الاعتبار للمؤسسة العسكرية النظامية ومنبر جدة، مقابل اتهامات لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع.
في اليمن: تباين بين أولوية سعودية لإنهاء الحرب وتأمين الحدود، وأولوية إماراتية لترتيبات نفوذ جنوبية وممرات بحرية.
ثالثًا: قراءة في المطالب المتبادلة
الطرح السعودي (بحسب التسريبات): زيارة رفيعة للرياض، وقف دعم الانفصاليين في اليمن، تسليم مطلوبين، وقف دعم الدعم السريع، وإعادة تفعيل منبر جدة.
الدلالة: محاولة ضبط الإيقاع الإقليمي تحت مظلة سعودية وإعادة مركزية القرار الخليجي.
الرد الإماراتي: اعتبار الشروط مفروضة وغير قابلة للتطبيق، والتعبير عن استياء من “تقويض الموقع”، مع رسائل داخلية بأن بقية الإمارات غير مستهدفة.
الدلالة: حساسية أبوظبي تجاه أي مساس بمكانتها السيادية، ورفض إعادة هندسة نفوذها الإقليمي بضغط علني.
رابعًا: دور القاهرة والجزائر
مصر تتحرك كوسيط سيادي لتجنّب انقسام خليجي ينعكس على ملفات البحر الأحمر والسودان وليبيا.
الجزائر مرشّحة للانخراط في مشاورات أوسع؛ تقاربها مع الرياض قد يُقرأ إماراتيًا كاصطفاف، ما يزيد حساسية المشهد المغاربي–القرن الأفريقي.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
احتواء تنافسي (الأرجح): استمرار الخلافات لكن ضمن سقف يمنع القطيعة؛ تفاهمات تكتيكية في السودان واليمن مقابل استمرار تنافس اقتصادي.
مقايضة مرحلية: تنازلات متبادلة (تخفيف دعم فاعلين محلّيين مقابل دعم استثماري/أمني) تُعيد ضبط التوازن.
تصعيد بارد: اتساع التباين عبر تحالفات إقليمية متقاطعة (القرن الأفريقي/البحر الأحمر) دون مواجهة مباشرة.
سادسًا: محددات القرار
البيئة الدولية: انشغال واشنطن وأوروبا بملفات كبرى، ما يترك هامشًا أكبر لإدارة خلافات إقليمية ذاتيًا.
الاعتبارات الاقتصادية: حاجات “رؤية 2030” السعودية و”استراتيجية الخمسين” الإماراتية تدفع نحو تجنّب صدمات تُربك الاستثمار.
التهديدات المشتركة: أمن الملاحة في البحر الأحمر، تمدد الفاعلين غير الدولتيين، واستقرار أسواق الطاقة.
سابعًا: توصيات مركز حضارات
إطار حوار مؤسسي خليجي–موسّع لملفات البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يمنع تسييس الأدوات الاقتصادية والأمنية.
فصل المسارات: إدارة ملف السودان عبر منصة متعددة الأطراف، وملف اليمن عبر تفاهمات ثنائية–أممية، لتقليل تداخل الأجندات.
ميثاق عدم دعم الفاعلين المسلحين خارج الدولة كقاعدة إقليمية لخفض الكلفة السياسية.
آلية إنذار مبكر اقتصادي لتخفيف آثار التنافس على بيئة الأعمال الخليجية.
خلاصة: العلاقة السعودية–الإماراتية لم تخرج من الشراكة، لكنها دخلت طورًا جديدًا من التنافس المُدار. نجاح الوساطة المصرية—أو أي مسار لاحق—مرهون بقدرة الطرفين على تحويل الخلاف من صراع نفوذ إلى تفاهم قواعد لعبة إقليمية مشتركة.