عالم إسرائيلي: حان الوقت لمواجهة المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في غزة

أوري بار-يوسف

ترجمة حضارات

في مقال نُشر هذا الأسبوع، وضع ياجيل ليفي إصبعه على واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في حرب السابع من أكتوبر، – خطاب الانتقام بوصفه دافعًا لإيذاء المدنيين في غزة –، تناول ليفي قوات المشاة، وعرض دافعين رئيسيين في هذا الخطاب، المعنى اللاهوتي للتيار الحريدي–القومي، و«الحق» في التفاخر باستخدام قوة غير مقيّدة لدى من يسميهم «مقاتلي الياقات الزرقاء».

لكن على أرض الواقع، كانت هناك مجموعة ثالثة، كبيرة ومحورية، مارست مستوى من العنف غير المسبوق في تاريخ حروب إسرائيل، وهي المسؤولة عن معظم الخسائر المدنية في الحرب، إنها وحدات النخبة من الرجال والنساء، ولا سيما في الاستخبارات والعمليات وسلاح الجو، إذا تأثروا بخطاب الانتقام، وكيفية تأثرهم به، ولا زال الحسم في ذلك مبكرًا، لكن من الواضح أن هذه المجموعة أظهرت طوال الحرب درجة عالية من الامتثال والانضباط الجماعي، غير مسبوقة في تاريخ الجيش الإسرائيلي، وبالتأكيد في تاريخ سلاح الجو.

ولإعادة الأمور إلى حجمها الصحيح، يجدر التذكير بحادثتين من الماضي، في التاسع من أكتوبر 1973، – أحد أصعب أيام حرب تشرين –، قرر وزير الجيش موشيه ديان ورئيس الأركان دافيد إليعزر تركيز معظم الموارد لحسم المعركة في هضبة الجولان، وكان العنصر الدراماتيكي في خطة الحسم هو قصف أهداف عسكرية مركزية في دمشق، رئيسة الحكومة غولدا مئير، التي خشيت من إصابة المدنيين، وافقت على الخطة فقط بعد ضغوط كبيرة، لكن ما إن أُبلغت بأن مدنيين قد تضرروا، حتى فرضت فيتو على أي هجمات مشابهة لاحقًا.

في حرب لبنان الأولى، نشأ قلق حقيقي عقب حادثتين وقعتا في اليوم نفسه، بشأن إصابة مدنيين وحدوث دمار غير ضروري نتيجة ضربات سلاح الجو، وكان لذلك أثر مباشر على استعداد أطقم الطيران لمواصلة مهاجمة أهداف مشابهة، وعندما بلغ الأمر قائد سلاح الجو آنذاك، دافيد عبري، أصدر تعليماته بأنه في أي حالة يخشى فيها الطيارون وقوع إصابة كبيرة في صفوف المدنيين، عليه أن يتخذ قرارًا مباشرة دون الرجوع لقادته.

لكن في هذه الحرب لم يكن الأمر كذلك، فقد قتل في غرة حتى اليوم، نحو سبعين ألف إنسان وأصيب قرابة مئة وسبعين ألفًا، الغالبية العظمى منهم مدنيون، والغالبية الساحقة سقطت بفعل الهجمات الجوية.

أُجريت تحقيقات في الأشهر الأولى من الحرب، وجدت أن عملية اتخاذ القرار بشأن أهداف القصف استندت إلى أنظمة ذكاء اصطناعي حدّدت أشخاصًا بوصفهم أهدافًا للتصفية، ومبانٍ بوصفها أهدافًا للتدمير، و«فرصًا» لتنفيذ الضربات، المصادقة النهائية على إدراج الهدف كانت بيد ضباط الاستخبارات، لكن من الواضح أن الإجراء كان شبه آلي، ويُنجَز في معظم الأحيان خلال ثوانٍ معدودة، وذلك حتى عندما لم تكن المعطيات التي أخرجتها الأنظمة تؤكّد صحة تحديد الهدف، وحتى حين قدّر حساب «الضرر الجانبي» سقوط عشرة أو خمسة عشر، وأحيانًا مئة مدني بريء.

يصعب معرفة عدد العسكريين الذين شاركوا في هذه السلسلة: من تطوير وتشغيل الأنظمة التي استقبلت البيانات وأنتجت الأهداف، مرورًا بمن صادقوا على قصفها، وصولًا إلى من ضغطوا على الزناد. لكن حتى وفق تقدير متحفظ، نتحدث عن مئات كثيرة من الأشخاص الذين أسهموا، بشكل أو بآخر، في إيذاء عشرات الآلاف من الأبرياء، وفي إحداث دمار مدني غير مسبوق.

وهنا يبرز السؤال الذي لن تحاول أي لجنة تحقيق، – رسمية كانت أم غير رسمية –، الاقتراب منه، كيف حدث أنه حتى داخل هذه المجموعة الواسعة، التي نشأ معظم أبنائها وبناتها في عائلات ميسورة وتلقّوا تعليمًا علمانيًا ليبراليًا، لم ينهض، بحسب ما هو معروف، ولو شخص واحد يقول: إلى هنا، ويرفض تنفيذ الأوامر؟ لا يمكن الادعاء بأنهم لم يكونوا يعلمون، صحيح أن معظم الإعلام الإسرائيلي فرض رقابة طوعية على المأساة المستمرة، لكن كان بوسع أي شخص متابعة شاشات القنوات الأجنبية وفهم ما يجري في غزة، وفي حالات نادرة، مثل قصة محمد أبو القسّمان الذي خرج لاستخراج شهادات ميلاد لتوأميه اللذين أنجبتهما زوجته قبل أربعة أيام، ثم عاد ليجدهم جميعًا قد قُتلوا في غارة جوية، حتى موقع يديعوت أحرونوت نشر الخبر.

للطاعة الجماعية تفسيرات عديدة، وحرب السابع من أكتوبر وخطاب الانتقام الذي أعقبها يشكّلان نقطة انطلاق معقولة، لكن بالنظر إلى الخلفية الاجتماعية والثقافية للمجموعة التي شغّلت هذه المنظومة، لا يكفي هذا التفسير وحده، بعض الأسباب بيئية: غياب الاحتكاك الجسدي المباشر مع الهدف؛ توزيع المسؤولية بين أطراف كثيرة بما يطمس الإحساس بالمسؤولية الفردية؛ الميل إلى الاتكاء على الوسائل التكنولوجية بدل المواجهة الأخلاقية؛ ولغة مهنية باردة تُحيّد إحساس الضمير. أسباب أخرى تتعلّق بنظام التعليم الذي لا يشجّع طرح الأسئلة الصعبة، وبالاحتلال المستمر الذي يطمس رؤية الفلسطينيين كبشر، وبالطريقة التي وسّط بها الإعلام الحرب إلى الجمهور، وفوق ذلك، هناك عناصر في الثقافة المعاصرة عمومًا، وفي الثقافة الإسرائيلية خصوصًا، تجعل النزوع إلى الامتثال والطاعة أكثر هيمنة.

لكن كل هذا لا يكفي، بعد حرب حزيران، التي اعتُبرت حربًا مبرّرة وحافظ فيها الجيش في معظمها على ما سُمّي «أخلاق القتال»، ظهر ما عُرف بـ«خطاب المقاتلين»، أمّا اليوم فالصمت هو السائد. الفراغ الأخلاقي الذي خلّفته هذه الحرب المروّعة يتطلّب إجابات. لقد حان الوقت للبدء في الحديث عن ذلك.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025